من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الأديب أبو الحسن غلام البكري رحمه الله تعالى
ذو الخاطر الجايش، الباري لنبل المحاسن الرايش، الذي اخترع وولد، وقلد الأوان من إحسانه ما قلد، طلع في سماء الدولة العبادية نجما، وصار لمسترق سمعها رحما، وكان له فيها مقام محمود، وتوقد لم يعره خمود، ثم استوفى طلقه، ولبس العمر حتى اخلقه، صحب الدولة المرابطية برهة منم الزمان، لا يا لو تقليد نحرها لئالي وجمان، وقد أثبت له ما تستغربه، وينير لك به مشرقه ومغربه، فمن ذلك قوله من قصيدة أولها. طويل
لاحت وللظلماء من دونها سدلُعقيقه برق مثل ما انتضى النصلُ
أطارت سناها في دجاها كأنّهتبلّج خدّ حفّه فاحم جثلُ
لدى ليلة رومّية حبشيّةتغازلنا من شهبها أعين شهلُ
تودّ عيون الغانيات لو أنّهاإذا مرضت عند الصباح لها كحلُ
بدت في حلاها فالتقتنا نجومهابأنجم راحٍ في الشفاه لها أفلُ
إلى أن بدا للصبح في طرة الدجادبيب كما استقرت مدارجها النملُ
نعيم أرى الأيام تثني عنانهعلينا إذا القى تثنيته الحسلُ
أفى لهوات الليث ريع أبيهولو علني فيها مجاحته الصلّ
نكرت الدنا والأرض فيها فليس ليبها عقوة آوى إليها ولا أهلُ
وأفردني صرف الزمان كأنّنيطرير من الهنديّ اخلصه الصقلُ
وسير يخلّي المرء منه قريبهفريدا كما خلّى تريكته الرألُ
فكم من حبيب كان روضة خاطرييرفّ ويندى بين أفنانها الوصلُ
ضحى ظلّه إذا كوّرت لي شمسهفشخص نعيمي لا يقوم له ظلُ
غبرت وبادوا غير أنّ تلبثيوراهم عيش يلذّ له القتلُ
إذا كان عيش المرء أدهى من الردىففأيذة الأيّام داهية ختلُ
ومن راد لم يعدم من اله نجعةففي كلّ محل من غمامته وبلث
وله:
أعزّ البريئة في نفسهفتى خاشع الظرف من غير ذلّ
ومن يزن القول وزن النضارفلا يفتح القول ويعتدل
ترى كلّ الوث من قولهيضاحك حكمته بالخطل
ويحكي الأقاويل جهلا بهاكما حكت الصوت بنت الجبل
يكاثر نوع الأذى في الورىفلست ترى غير سمع أزل
وقلّ أولوا الفضل أن حصّلواوهل يتحمل نور المقل
فخالط أناسا وزائلهموكن فيهم ظلّك المنتقل
لقاؤهمَ يستدرّ الدموعويذكي الضلوع كواهي الطلل
وفيهم تشاه ما في الفلاةخداع السراب وجوب السبل
وأبين ضلوعي ما بينهاوينهضني الحادث المصمئل
وفي راحتي مرأى الهدىتربني انتعاشي قبل الزلل
وطعن قواف لها شكّةمجنّ وقاح ونصل خجل
يموت ويحيا بها من علاوليست تعوج على من سفل
حديقة فكر سقاها الحجىفأثمرتِ الكلم المنتحل
تمرّ إذا المستعيدمرور الحيا بالجديب المحل
يسربلها الحسن وصف الحسودويصفي لها الودّ قلب الدغل
وله أيضاً:
أرقن يبعدك البعادفناظري كحله سهادُ
يا غائبا وهو فؤاديأن كان لي بعده فؤاد
الله يدري وأنت تدريأنّ اعتقادي لك اعتقاد
تذكر والحادثات بلهليس لها السن حداد
ونحن في مكتب المعالييصبغ أفواهنا المداد
يسدل ستر الصبا عليناوالمن من تحتنا مهاد
لا نتهدّى لما خلقنانجهل ما الكون والفسادُ
تكلونا من حفاظ بكرلواحظ ما لها رقادُ
وهمّة ناصت الثُّريّاتقود صعبا ولا تقادُ
أذمةّ بيننا لعمرييحفظها السّيد الجوادُ
يا غرر المجد في جباهلم يبد أشكالها الجيادُ
آثاركم في العلى قديمادانت لها جرهم وعادُ
سبحان من خصكم بأيدبهنّ تستبعد العبادُ
إذا استهلّت لنا سماءأورق من تحتها الجمادُ
والآن تبلى وربّ جودحلّ على ناره الرمادُ
وأنت في السن البرايامعنى بألفاظها معادُ
حسب العدى منك ما رواهلا وريت للعدى زناد
لم يعلم الصايدون منهمأنك عنقاء لا تصاد
وأنّ في راحتيك سعداتندق من دونه الصعادُ
والليث شبعانُ لا يباليإذا نزت حوله النقادُ
النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع