من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الأديب أبو بكر يحيى بن بقي أبقاه الله تعالى
رافع راية القريض، وصاحب أية التصريح فيه والتعريض، أقام شرائعه، واظهر روائعه، وصار عصية طايعه، إذا نظم أزرى بنظم العقود، وأتى بأحسن من رقم البرود، ضفا عليه حرمانه، وما صفا له زمانه، فصار قعيد صهوات، وقاطع فلوات، مع توهم لا يظفره بأمان، وتقلب ذهن كواهي الجمان، وقد أثبت من قوله ما يستحلى، ويتزين به الزمان ويتحلى فمن ذلك قوله:
عندي حشاشة نفس في سبيل ردىأن سمتها اليوم لم أمطل بها لغدِ
وكيف أقوى على السلوان عنك وقدرتبت حبكّ حتّى شاب في خلدي
خذها وهابِ ولا تمزج فتفسدهاالماء في النار أصل غير مطّردِ
وله:
وقالوا إلا تبكي فتلك مطّيهمعلى الشهب تحمل الوانس كالدما
لئن بعدت مني الدموع تغامزواوقالوا سلا أو لم يكن قبل مغرما
فهلا أقاموا كالبكاء تنهدّيإذا ما بكى القمريّ قالوا ترنمّا
وله:
عاطيته واليل يسحب ذيلهصهباء كالمسك الفتيق لناشقِ
حتّى إذا مالت به سنة الكرىزحرحته شيئاً وكان معانقي
أبعدته عن أضلع بشياقةكيلا ينام على وساد خافقِ
وله:
إلى الله أشطوها نوى أجنبيةلها من أبيها الدهر شيمة ظالمِ
إذا جاش صدر الأرض بي كنت منجداوأن لم يجش بي كنت بين التهائمِ
أكّل بني الآداب مثلي شائعفأجعل ظلمي أسوة في المظالمِ
ستبكي قوافي الشعر ملء جفونهاعلى عربّي ضاع بين أعاجمِ
وله من قصيدة:
هو الشعر أجرى في ميادين سبقهوأفرج من أبوابه كلّ مبهمِ
وسل أهله عنّي هل امتزت منهمبطبعي وهل غادرت من متردّمِ
سلكت أساليب البديع فأصبحتبأقوالي الركبان في البيد ترتمي
وربّما غنّى به كل ساجعيردّده في شجوه والترنّمِ
وضّيعني قومي لأني لسانهمإذا أفحم الأقوام عند التكلّمِ
وطالبني دهري لأّني زنتهوأنّي فيه غرّة فوق أدهمِ
وله من قصيدة أخرى:
صبحّت كلّ حريم في قلمريةِبغارة أنت فيها الفارس النجدُ
بس الصباح صباح المنذرين بهاوعمَ غزو أمير أمره رشدُ
لها الصفايا مع المرباع من نفلٍفي طيّه سيّد الكفّار والبلدِ
قالوا لعلّ ظباء أقبلت سنحاإلى خمائل ترعاهنّ أو ترد
تلك الظباء عراب الخيل دونكمنهد وورد وذبّال ومنجرد
من كلّ سابحة طارت بفارسهاكأنّها لقوة في عطفها أسدُ
يسبيهم الجيش ما امتدت أعنتهكالنار توسع حرقا كلّ ما تجدُ
فكانت الخيل تطماهم دواهمهوالمشرفيّة تلقاهم فتنتقدُ
تخلى الرقاب من الأعلاج أن غلبواعلى الحريم وتستحيى المهى الخرد
إذا رأى ابنته الغيران قد سبيتمضى يقول إلا الله من يئد
لمّا أراك وبحر الموت ملتطمومن حميم المذاكي فوقه زبدُ
صلّوا إلى سيفك المسلول وانحرفواعن الصليب تلقاءه سجدوا
وكان موعدهم والحسين أنجزهلكي تراق دماء ما لها قودُ
يوماً من القيظ يسودّ السلام بهكانّ كلّ كلام فيه مفتأد
وفاض سيفك نهرا في ظهيرته=فأقبلت نحوه الأرواح تبتردُ وله من أخرى:
أما ترى اليل قد ألهبته شمعامثل الكواكب كانت حوله حرسا
من كلّ ناشرة فرعا له شعبعند القيام وأسبال إذا نكسا
وله من أخرى:
وفتية لبسوا الأدراع تحسبهاسلخ الأراقم إلاّ أنّها رسبُ
إذا الغدير كسا أعطافهم حلقاطفا من البيض في هاماتهم حببُ
وله من قصيدة:
يا قتل الناس الحاظا وأطيبهمريقا متى كان فيك الصاب والعسلُ
في صحن خدّك وهو الشمس طالعةورد يزيدك فيه الراح والخجل
إيمان حبّك في قلبي تجدّدهمن خدّك الكتب أو من لحظك الرسلُ
إن كنت تجهل أنيّ عبد مملكةمرني بما شئت أتيه وأمتثلُ
لو اطّلعت على قلبي وجدت بهمن فعل عينك جرحا ليس يندملُ
وله يستنجد الوزير أبا محمد بن مسعدة ﵀:
قل للوزير أبي محمدّ الرضىوفعاله وقف على العلياء
رعدت سائك ساحتي بسحابهافأنا أشيم بوارق الأنواء
وإذا مطلتَ بشاشة منطقيوذوى قضيب الروضة الغناء
وله في غلام مغن قام يرقص:
بأبي قضيب البان بثنيه الصباعوض الصَّبا في الروضة الغنّاء
نادمته سحرا فأمتع مسمعيبترّنم كترنّم الورقاء
وكأنّما أكمامه في رقصهتتعلّم الخفقان من أحشائي
ويمرّ يلتقط الزجاج بذيلهمرّ النسيم على حباب الماء
وله منحيا على أهل المغرب وفد ذم عندهم مثواه، وصفرت من نائلهم يداه. بسيط
أقمت فيكم على الأقتار والعدمِلو كنت حرّا أبّي النفس لم أقمِ
وظلت أبكي لكم عذرا لعلّكمُتستيقظون وقد نمتم عن الكرمِ
فلا حديقتكم يجنى بها ثمرولا سماؤكمُ تنهلّ بالديمِ
لا رزق عندكم لكن سأطلبهفي الأرض أن كانت الأرزاق بالقسمِ
أنا أمرؤ أن نبت بي أرض أندلسِجئت العراق فقامت لي على قدمِ
أين الرجا والعلى من حازم يقظيغزو أعاديه في الأشهر الحرمِ
أن كان سهما فلا تنمي رمّيتهأو كان سيفا فمسلول على البهمِ
لا يكسر الله متن الرمح أنّ بهنيل العلى وأتاح الكسر للقلمِ
ولا أراق دما من باسل بطلومات كلّ أديب عبطةً بدمِ
أوغلت في المغرب الأقصى وأعجزنينيل الرغائب حتّى أبتُ بالندمِ
ومنها:
وساقط نال من عرضي فقلت لهإليك عنّي فليس السبّ من شيمي
أعرضت عنه ولو أني عرضت لهسقيته حّنة الأفعى من الكلمِ
وله من أخرى:
ولي هممٌ ستقذف بي بلادانأت أمّا العراق أو الشاما
والحق بالأعاريب اعتلاءبهم واجيد مدحهم اهتماما
لكيما تحمل الركبان شعريبوادي الطلح أو وادي الخزاما
وكيما تعلم الفصحاء أنّيخطيب علّم السجع الحماما
وقد أطلعتهن بكلّ أرضبدورا لا يفارقن التماما
فلم أعدم وأيّاها حسوداكما لا تعدم الحسناء ذاما
وله من أخرى:
أجلاّي والآداب تجمع بينناوبعض طباع لست أقضي على كلّ
ذوى أملي عند اهتزاز غصونهوارخصني الدهر الذي كان بي يغلي
منى النفس في حمص وحمص لذي الحجىفروك لأمر ما تصدّ عن البعلِ
نبت بي كما ينبو الجبان بنصلهويحمل ما يأتيه ذنبا على النصلِ
وأيأسني من كلّ خير رجوتهكثير وما شاحيت في الكثر والقلِّ
أناس كما شاء الزمان ولا كماتشاء المعالي عقدهم بيد الحلّ
أزورهم لا للوداد وقد دروافيلقونني بين التودّد والغلِّ
وأمدحهم يا حسبي الله كاذبافيجزونني بالمنع شكلا إلى شكلِ
وما نقموا منّي سوى بعد هّمتيوأني أخيراً جئت أخلف من قليِ
وله من قصيدة يمدح بها أبا العباس بن علي رحمه الله تعالى:
ونوبة من صهيل الخيل يسمعهابالرمل أطيب الحانا من الرملِ
لا ينفذ العزم إلاّ أن ينفذهوالسيف يكهم إلاّ في يد البطلِ
يا كوكبا بغرق العافون في دفعَمنه وتحترق الأعداء في شعلش
تهويمة في بساط البيد يهجعهاأشهى إليه من التهويم في الكللِ
لا يدرك الناس لو راموا ولو جهدوابالريث بعض الذي أدركت بالعجلِ
النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع