من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الأديب أبو بكر الداني المعروف بابن اللبانة رحمه الله تعالى
المديد الباع، الفريد الانطباع، الذي ملك للمحاسن مقادا، وغدا له البديع منقادا، أي مقال: ينبئ عن معناه وفصله، وأي أرقال: ينتهي إلى مداه وخصله، وقد يشذ فما يشرك، ويبد فما يدرك، رقى إلى ما أحبه، وقطع سنام كل معارض وجبه، وتقلد النظام حساماً لا تنبو مضاربه، وولد غرضاً لا يدانيه أحد ولا يقاربه، فبدا سابقاً، وغدا لفظه لمعناه مطابقا، وقد أثبت له ما تبصر له لمعا وشروقا، وتهصر غصنه ناعما وريقا، كان المعتمد على الله يميزه بالتقريب، ويستغرب ما يأتي به من النادر والغريب، ويوليه أنعاما وإحسانا، ويريد الزمان كله إذارا ونيسانا، فلما نبت صعاده، وأعوزه من دهره إسعاده، ورُحل به إلى المغرب، وحل فيه محل النازح المغترب، وغدرته الأيام غدر أهل خراسان لقتيبة، وفي له أبو بكر بالرحلة إليه وفاء الظعينة لعتيبة، وتراسلا هناك
بإشعار شفى بها المعتمد نفسه، واستوفى سلوه وأنسه، وشكر له ما ناله من مسلانه، وحمد عقد موالاته، وصار له بذلك حق مشهور، وفخر لا تبليه الدهور، وقد أوردنا من ذلك في أخبار المعتمد أعدل شاهد، ووصفنا تلك المحاضر والمشاهد، ومن بديع قوله يتغزل:
تولي السرب خيفة من يليهوأفلت من حبائل قانصيه
على شرف الخميلة كان حتىتوجس نبأة من خاتليه
فمرّ على مهب الريح يعدوبأسرع من مدامع عاشقيه
تعلّق آخر البطحاء هضباتأمل منه خيبة عامليه
وصادف عنك مرمى مريعافأصبح يشرئب ويرتعيه
توجه حيث لم تقفى خطاهبمنسوب إلى عال الوجيه
بمياع الأديم يكاد يغشيبنقبته لواحظ مبصريه
ودخل ميورقة في عهد ناصرها، وسلامة مقاصرها، وهي باهرة الجمال، عاطرة الصبا والشمال، تقيد الناظر ببهجتها، وتتيه بندى ملكها على لجتها، فتلقاه ناصر الدولة بمعهود إجماله، وصدق له ظنون عامله، فقال يمدحه:
حنيت جوانحه على جمر الغضالما رأى برقا أضاء بذي الاضا
واشتم في ريح الصبا أرج الصبافقضى حقوق الشوق فيه بان قضى
والتف في عبراته فحسبتهامن فوق عطفيه رداء فضفضا
قالوا الخيال حياته لو زارهقلت الحقيقة فلتم لو غمضا
بهوى العقيق وساكنيه وإن يكنخبر العقيق وساكنيه قد انقضى
ويود عودته إلى ما اعتادهولقلما عاد الشباب وقد مضى
ألف السرى فكان نجماً ثاقباصدع الدجا منه وبرقا مومضا
طلب الغنى من ليله ونهارهفله على القمرين مال يُقتضى
مهما بدت شمس يكون مذهبوإذا بدا بدر يكون مفضضا
هذا أفاد وفاد غير مقصرجهد المقل بأن يموت مفوضا
ولرب ربه خانه نبهتهاوالجو لؤلؤ طله قد رضوضا
وقد انطفت نار القرى وبقي علىمسك الدجا مذرور كافور الغضا
واليل قد سدى والحم ثوبهوالفجر يرسل فيه خيطا أبيضا
ومتى ركبت لها أعالي أيكةنشرت جناحا للرياح معرضا
والبحر يسكن خيفة من ناصرأرضى الرياسة بعد موت المرتضى
ملك سمت علياه حتى دوحتوزكا ثرى نُعماه حتى روضا
ماء الغمائم جرعة مما سقىفكان صلا نحو صل نضنضا
وكان المرتضى ﵀ الذي أورث ناصر الدولة الملك، ونظم بلبته ذلك السلك، فلك يكفريك، ولم ينثن عن مجازاة ما قلك، ولم يزل يتعهد سافتة، ويعتقدها، ويبر من كان يوالي دولته ويعتقدها، إلى أن ماتت أخته فاحتفل في جنازتها احتفالاً شكر فيه فعله، ومشى إلى لحدها وما ركب إلا نعله، وندب الشعراء إلى رثايها وتابينها، وإيضاح فضائلها وتبيينها، فقام أبو بكر على قبرها وقال:
أبنت الهدى جددت منعا على منعامضى المرتضى أصلاً واتبعه فرعا
جرى الموت جري الريح في منبتيكمافأذواك ريحانا وكسرة نبعا
على نسق جاء المصاب وإنماتقدم وتراً واتبعته شفعا
وقال يمدحه بقصيدة أولها:
هلا ثناك علي قلب مشفقُفترى فراشا في فراش يحرقُ
أنت المنية والمنى فيك استوىظل الغمامة والهجير المحرقُ
لك قد ذابلة الوشيح ولونهالكن سنانك أكحل لا أزرقُ
ويقال أنك أيكة حتى إذاغنيت قيل هو الحمام الأورقُ
يا من رشقت إلى السلو فردنيسبقت جفونك كل سهم يرشقُ
لو في يدي سحر وعندي أخذةلجعلت قلبك بعض وحين يعشقُ
جسدي من الأعداء فيك لأنهلا يستبين لطرف طيف يرمقُ
لم يدر طيفك موضعي من مضجعيفعذرته في أنه لا يطرقُ
جفت لديك منابعي، ومنابتيفالدمع ينشع والصبابة تورقُ
وكان أعلام الأمير مبشرنشرت على قلبي فاصبح يخفقُ
الخيزرانة تلتظي في كفهوالتاج فوق جبينه يتألق
وكان صوب حيا وصعقة بارقما ضم منه نديه والمازق
متباعد الطرفين جود غافلعما يحل به وعزم مطرق
باس كما جمد الحديد ورآءهكرم يسيل كما يسيل الزئبق
لا يعجب الأملاك كثرة مالهمالنبع أصلب والأراكة أورق
ضدان فيه لمعتد ولمعتفٍوالسيف يجمع والعطآء يفرق
وبنو الحروب على الحرابي التيتردي كما تردي الجياد السبق
خاضت غدير الماء سابحة بهفكأنما هي سراب أنيق
ملأ الكمأة ظهورها وبطونهافاتت كما ياتي السحاب المغدق
وله:
رأت بك أوجه العليا مناهاوعاد على لواحظها كراها
وجاءت فيك السنة المعاليبأيات تشرق من تلاها
ساك يسير في أرض فأماخطاك فبالمجرة لا سواها
كان الشهب إذ تجري لسعدتخط لك الطريق على ذراها
وله أيضاً:
بكت عند توديعي فما علم الركبأذاك سقيط الدرام لؤلؤ رطب
وتابعها سرب لمخطئنجوم الدياجي لا يقال لها سرب
لئن وقفت شمس النهار ليوشعفقد وقفت شمس الهدى لي والشهب
عقيلة بيت المجد لم ترها الدجىولا لمحتها الشمس وهي لها ترب
ظبي الهند مما ذب عنها وإنماتلطف لي فيها بخدعته الحب
سرت وبروج النيرات قبابهاوقدامها من كل خاطفة قب
وما دخلت إلا المجرة واديافليس لها إلا بأعطانها شرب
وبحر سوى بحر الهوى قد ركبتهلأمر كلا البحرين مركبه صعب
غريب على جنبي غراب نهوضهبقادمتي ورقآء مطلبها شعب
كأني قذى في مقلة وهو ناظربها والمجاذيف التي حولها هدب
ولما رأت عيني جناب ميورقأمنت وحسب المرء بغيته حسب
نزلت بكافور وتبر وجوهريقال لها الحصبآء والرمل والترب
وقلت المكان الرحب فيه فقيل ليذرى ناصر المعليآء أجمعه رحب
وسعي به ناصر الدولة وبغي، ونبذ حق نباهته والغي، فلم يرع انقطاعه، ولا جوزي إحسانه ولا إبداعه، وهجر هجر الجرب، وأقام مقام الحائر المضطرب،
وكانت عادة ناصر الدولة في غير طار ولا ضيف، النفي أو السيف، فلم يفتح مع أبي بكر في أحدهما باب، ولاأغبه جزع ولا ارتياب فكتب إليه يسترحه، متقارب
عسى رافة في سراح كريم، أبل ببرد نداه الغليلا
وعلي أراح من الطالبينفاسكن للأمن ظلال ظليلا
ومن بله الغيث في بطن وادبات لا يأمنن السيولا
لقد أوقدوا لي نيرانهمفصيرني الله فيها الخليلا
أفر بنفسي وإن أصجتميورق مصر وجدواك نيلا
وقال يمدحه كامل
عرج بمنفرجات واديهم عسىتلقاهم نزلوا الكثيب الأوعسا
اطلبهم حيث الرياض تفتحتوالريح فاحت والصباح تنفسا
مثل وجوههم بدورا طلعاوتخيل الخيلان شهبا كسنا
وإذا أردت تنعماً بقدودهمفاهصر بنعمان الغصون الميسا
بأبي غزال منهم لم يتخذإلا القنا من بعد قلبي مكنسا
لبس الحديد على لجين أديمهفعجبت من صبح توشح حندسا
وأنى يجر ذوآئبا وذوابلافرأيت روضاً بالصلال تحرسا
لا ترهب السيف الصقيل بكفهوارهب بعارضه العذار الأملسا
رام العدا قتلي عليه ففتهموالنجم ليس بممكن أن يلمسا
وفككت بغيهم وفزت وهكذافك الصحيفة قبلي المتلمسا
كابد إلى العز الهجير ولا تكنفي الذل ما بين الضلال معرسا
وإذا وصلت إلى الأمير مبشراًفاجعل بساطك في ثراه السندسا
نزع وجنس في مناك فإنهملك تنوع في العلى وتجنسا
وكان بينه وبين وزيرة أبي القاسم ذمام ايتلاف، ومعاطاة سلاف، وروحات، والتها بكر، وراحات، راح السرور عليها وابتكر، ووداد أشبه عصر الشباب، عهد أقفر من التعاهد حتى عاد كالفقر اليباب، فلما وصل ميورقة تجدد دارسه، وعادت أجاماً مكانسه، فكان أبو بكر يظن أن تلك الموات تنفقه وإن كسد، وتخلصه وإن حصل في لهوات الأسد، ولم يعلم أن لا جديد لمن لم تخلفه الأيام ولم تبله، ولم يسمع وحديث الناس أخبر تقله، فلما تغير له ناصر الدولة وتنكر، ورأى
من قعود أبي القاسم عنه ما أنكر، هب من غفلته، واحتال في نقلته، فلاذ بالفرار، وعاذ بيني حماد بحكم الاضطرار، وجعل يستنزله ويستعطفه، ويداريه من هناك ويستلطفه، ليمن بإعادته، بكل مقال يحل سخأيم الأحقاد، ولا تلين قناته لغمز الانتقاد، فمن بديع ذلك قوله، متقارب
نسيمك حتى مَ لا ينبريوطيفك حتى مَ لا يعتري
أعيذك من عرض أن يكونوأنت الذي كنت من جوهر
أتذكر أيامنا بالحمىوأيامنا بذوي الأعصر
ألا رافة من وفي صفيألا عطفة من سني سري
رمى زحل من أظفارهوحل يدا عني المشتري
عطارد هل لك من عودةفارجع منك إلى عنصري
سيطلبني الملك مهما أرادلباس نسيج من المفخر
ولو أن كل حصاة تزينلما جعل الفضل للجوهر
فلم يراجعه بحرف، ولم يعطه بنفس منه ولا عرف، فكتب إليه:
اذكر من لم ينس عهدا ولا ينسىوابسط في أكناف ساحته النفسا
وانشئها خلقا جديداً واغتديبظل علاه اعتدي معه الانسا
والبس ريعان الشباب وطالمالبست الخطوب الحمر ما دونه ورسا
وإني وإياه لمزن وروضةيباكرني سقيا وازكو له غرسا
صفى بيننا من خالص الوة جوهرغلبنا فيه بنور جوهرها الشمسا
وما أنا إلا من علاه مكونغدوت له نوعاً وأصبح لي جنسا
مكارمه مرعى إلى جنب معقلأرود إذا أضحى وءاوي إذا أمسى
وأرود خمسا كل يوم يمآئهوكم لي دهر قد مضى لم أرد خمسا
أبا القاسم أشرب قهوة العز وانتقلثنآءي ومن فضل الكؤوس اسقني كاسا
وخذ بيدي من ثغرة قصرت يديوكنت أخا باس فلم تبق لي باسا
رميت لها فضفاضتي ومهنديوخطيتي والنبل والقوس والترسا
ثغور المعالي قابلتك ضواحكافصل لثمها امصص مراشفها اللعسا
وأجيادها مالت عليك نواعماكما مالت الأغصان فانعم بها لمسا
ولا ذكر في لأفواه حاشاك إنماصفاتك آيات ولعنا بها درسا
اليك بها درا تلقب احرفاوقطعة ديباج يسمونها طرسا
وفضلك في الأغضآء عما بعثتهفليس يجيد الشعر من عدم الحسا
ولما نوى الانفصال، خاف الانتهاب والاستيصال، فأراد أن يكتم ذلك الفرار، ويطوي إعلانه في الأسرار، وخشي أن يفطن بخروجه، ويطلع علي من خلال فروجه، فعزم على موادعة بعض الإخوان، ومطالعة ما في ذلك الخوان، فكتب إليهم:
أقول تحية وهي الوداعخداع لي وما يعني الخداع
اعلل بالمنى قلبا شعاعاًولن يتعلل القلب الشعاع
واترك جيرة حاروا واشدواأضاعوني وأي فتى أضاعوا
إذا لم يرع لي أدب وباسفلا طال الحسام ولا اليراع
لقد باعتني الأيام بخساوعهدي بالذخائر لا تباع
أجفتني فلم تنبت ربيعوحطتني فلم يثبت يفاع
ومكنت العدى مني فعاثتبلحمي ضعف ما عاث السباع
ولما لم يره إعلانه وتصريحه، ولم تلق إعصارا ريحه، وأعلن بوداعه، وفتن بإحسانه وإبداعه، فقال يخاطت ناصر الدولة مودعاً ومعاتباً، متقارب
سلام على المجد يندى بليلاكنشر الربى بكرة وأصيلا
سلام وكنت أقول الوداعولكن أدرج قلبي قليلا
أخاف عليه انصداع الصفاةوألا يكون زجاجا عليلا
جرحت لديك وكنت البريكما يجرح اللحظ خدا أسيلا
ولو لم أكن ماضي الشفرتينلما فلني لدهر غضباً صقيلا
أنت ذلة منك محبوبةفلم أرض بالعز منها بديلا
تلفيت فيها سواد الخطوبفاشبه عندي طرفا كحيلا
وله متغزلاً قي صاحب خيلان، متقارب
رضى المتوكل فارقتهفلم يرضني بعده العالم
وكانت بطليوس لي جنةفجيئت بما جاءه آدم
وله يتغول في صبي نساخ:
أبصرت أحمد ناسخاً فرأيت ماأغمى واعيا أن يحد ويوصفا
فكأنما منح السماء صحيفةوالليل حبرا والكواكب أحرفا
وله:
أبصرته قصر في المشيهلما بدت في خده اللحية
قد كتب الشعر على خدهأو كالذي مر على قرية
وله:
غناه يلذ ولا أكوستسكن من أنفس طايشة
وأعجب كيف شدا طائربروض منابته عاطشة
النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع