من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الفقيه الأديب أبو إسحق بن خفاجه
مالك أعنه المحاسن وناهج طريقها، العارف بترصيعها وتنميقها=الناظم لعقودها، الراقم لبروها، المجيد لإرهافها، العالم بجلائها وزفافها، تصرف في فنون الإبداع كيف شاء، وأبلغ دلوة من الإجادة الرشاء، فشعشع القول ورقمه، ومد في ميدان الإعجاز طلقه، فجاء نظامه أرق من النسيم العليل، وأنفق من الروض البليل، يكاد يمتزج بالروح، وترتاح الله النفس مكالغصن المروح، إن شبب فغمزان الجفون الوطف، أو اشارت البنان التي تكاد تعقد من اللطف، وإن وصف سراه والليل بهيم ما فيه وضوح، وخد الثريا بالندى منضوح، فناهيك من غرض انفرد بمضماره، وتجرة لحمي ذمارة، وإن مدح فلا الأعشى
للمحلق، ولا حسان لأهل جلق، وإن تصرف في فنون الأوصاف، فهو فيها كفارس خصاف، وكان في شبيبته مخلوع الرسن، في ميدان مجونه، كثير الوسن، بين صفا الانتهاك وحجونه، لا يبالي بمن التبس، ولا أي نار اقتبس، إلا أنه قد نسك اليوم نسك ابن أذينة، وغض عن إرسال نظرة في أعقاب الهوى عينه، وقد أثبت له ما يقف عليه اللواء، وتصرف غليه الأهواء، أخبرني إنه لما أقلع عن صبوته، وطلع ثنيه سلوته، والكهولة قد حنكته، وأسلكته من طرق الأرعواء حيث اسلكته، نام فرأى أنه مستيقظ وجعل يفكر فيما مضى من شبابه، وفي من ذهب من أحبابه، ويبكي على أيام لهوه، وأوان غفلته وسهوه، ويتوجع لسالف ذلك الزمان، ويتبع الذكر دمعاً كواهي الجمان، ثم استيقظ وهو يقول،
ألا ساجل دموعي يا غمامُوطارحني بشجوك يا جامُ
فقد وفيتها ستين حولاًونادتني ورائي هل أمامُ
وكنت ومن لبانات لبينيهناك ومن مواضعي المدامُ
يطالعنا الصباح ببطن حزوىفينكرنا ويعرفنا الظلامُ
وكان لي البشام مراح أنسفماذا بعدنا فعل البشامُ
فانتزح الشباب إلا لقاءيُبل به على برح أوام
ويا ظل الشباب وكنت تنديعلى إقياء سرحتك السلام
وأخبرني أنه لقي عبد الجليل الشاعر بين لورقة والمرية والعدو يلبط لا يريم يفرع تلك الربى، ولا يزال يروع حتى مهب الصبا، فباتا ليلتهما بلورقة يتعاطيان أحاديث حلوة المساق، ويواليان أناشد بديعة الاتساق، إلى أن طلع لهم الصباح أو كاد، وخوفهم تلك الأنكاد، فقام الناس إلى رحالهم فشدوها، وافتقدوا أسلحتهم فاعدوها، وساروا يطيرون وجلا، وأن رأوا غير شيء ظنوه رجلا، فمال إليه عبد الجليل وفؤاده يطير، وهو كالطايا في اليوم العاصف المطير، فجعل، يؤمنه فلا يسكن فرقه، ويرنسه فيتنفس الصعدا نثيرهر حرقه، فأخذ في أساليب من القريض يسليه بأشغاله بها، وإيغاله في شعبها، فأحيل على تذييل وإجازة، واختبل حتى لم يدر حقيقة النظم ولا مجازة، إلى أن أمراً بمشهدين عليهما راسان باديان، وكأنهما بالتحذير لهما مناديان، فقال أبو إسحق مؤتجلاً،
ويا رب رأس لا تزاور بينهوبين أخير والمزار قريبُ
أناف به صلد الصفا فهو منبروقام على أعلاه وهو خطيبُ
فقال عبد الجليل مسرعاً:
يقول حذار الاغترار فطالماأناخ قتيل بي ومر سليبُ
وينشد كلانا غربيان هاهناوكل غريب للغريب نسبُ
فإن لم يزره صاحب أو خليلهفقد زاره نسر هناك وذيبُ
فما تم قوله حتى لاح قتام، كأنه أغنام، فانقشع عن سربة خيل، كقطع إليل، فما انجلت إلا عبد الجليل قتيل وابن خفاجة سليب وهذا من أغرب تقول، واصدق تقول، وبلغمني ذكرته في هذا الكتاب بقبيح، وأتيت في وصف أيام فتوته بتندير وتمليح، فكتب إلي يعاتبني،
خذها يرن بها الجواد سهيلاوتسيل ماء في الحسام صقيلا
بسامة تسبي الحليم وسامةلولا المشيب لسمتها تقبيلا
حملتها شوقاً إليك تحيةحملتها عتباً إليك ثقيلا
من كل بيت لو تدفق طبعهماء لغص به الفضاء مسيلا
أيه وما بين الجوانح قلةلو كنت أنفع بالعتاب عليلا
ما للصديق وقيت تأكل لحمهحيا وتجعل عرضه منديلا
أقبلته صدر الحسام وطالماأضفيته درعاً عليه طويلا
ماذا ثناك عن الثناء ونشرهبردا على الرسم الجميل جميلا
أرجاكما عثر النسيم بروضةرطباً كما نضح الغمام مقيلا
أعد التفاتك واذكرنها خلةلا تستقل به علاك مميلا
واصح إلى سجع القريض فربماندب القريض من الوفاء هديلا
وعج المطي على الوداد وحيهطللا على حكم الزمان محيلا
وأبعث بطيفك واعتقدها زورةوصل السلام على النوى تعليلا
ولئن سألت بك الغمامة وأبلايسم الجديب لما سالت بخيلا
وإذا دعبت ولا دعابة غيبةفاغضض هناك من العنان قليلا
واصحب وكرك من هجير لافحذكرا كما سرت القبول بليلا
فلقد حللت مع الشباب بمنزليرتد طرف النجم عند كليلا
وبدهت لا نزر المحاسن مجبلاومضيت لا قصم الغرار فليلا
متدفقاً اعيا العقول طريقةفكأنما ركب المجر سبيلا
يستوقف العليا جلالا كلماسجد اليراع بكفه تقبيلا
لا تستنير بك السيادة غرةحتى يسيل بك الندى تحجيلا
وسواي ينشد في سواك ندامةيا ليتني لم اتخذك خليلا
وله في وصف ورد نثر عليه نوار نارنج:
وندي أنس هزنيهز الشباب من الشباب
واليل وضاح الجينقصير أذيال الثيابِ
فقنصت منه حمامةبيضاء تنسخ من غرابِ
والنور مبتسم وخدد الورد محطوط النقابِ
يندي بأخلاق الصحابِهناك لا بندى السحابِ
وكلاهما نثركمانثروا الوافي في الخطابِ
فكان كاس سلافةضحكت إليهم عن حبابِ
وله في صفته أيضاً:
وصدر ناد نظمناله القوافي عقدا
في منزل قد سحبنابظله العزّ بردا
تذكر به الشهب جمراويعبق اليل ندا
وقد تارج نورغصّ يخالط وردا
كما تبسّم ثغرعذب يقبل خدا
وكتب إليّ معاتباً على مخاطبة لم ر لها جواباً، ولا قرع لا نبأي بها بابا، فكتبت إليه معتذراً بطول اغترابي، وتوالي اضطرابي، وإني ما استقررت يوماً، ولا نقعت في منهل الثواء ظمأ ولا جوعا، فكتب إلي،، يا سيدي الأعلى، وعلقي الأغلى، حلي بك وطنك، ولا خلا منك عطنك، كتبت والود على أولاه، والعهد بحلاه، ترف زهرة ذكراه، ويمج الري ثراه، منطوياً على لدغة حرقه، بل لوعة فرقة، أبيت بها بليل لا يندى جناحه، ولا يتنفس صباحه، فها أنا كلما تناوحت الرياح أصيلا، وتنفست نفساً عليلا، أصانع البرحاء تنشقا، وأتنفس الصعدا تشوقا، فهل تجد على الشمال نفحة، كما أجد على الجنوب لفحة، أم هل تحس لذلك الوهج الما، كما
أجد الأرج مما، وأما وحقك قسما، يشتمل على الإيمان لزما، إن في أدنى هذه اللواعج، ما يقتضي أنصاء هذه النواعر، ويحمل على حزق، جيب الخرق، وجر ذيل، برد اليل، حتى أهبط أرض ذلك الفضل، فاغتبط وارد، مشرع ذلك النبل، فانبرد، وعسى الله بلطفه أن ينظم هذا البدد، ويعيد ذلك الود، فيبرد الأحشاء، كيف شاء، بمنه وأن طتابك الكريم وفإني تحية، هزتني أريحية، هز المدامة تتمنى، والحمامة تتغنى، فلولا أن يقال صبا للزمت سطوره، ولثمت مسطوره، وما أنطقتني صبوة استفزتني، فهزتني، ولكن فضله راح في كاس العلا تناولتها، فكلما شربت، طربت، فلولا وقوع غمرات الشيب، لابتذرت ش الجيب، ثم صحت واطرباه، وناديت وأحر قلباه، وبعد فإني وقفت من جملته على ما وقع موقع القطر، وحسبك ثلجا، وطلع طلوع هلال الفطر، وكفاك مبتهجا، وما أعرب عنه من تفسير حالك، وتفصيل حلك وترحالك، ولا غروان تجذبك الرواحل، وتتهاداك المراحل، فما للنجم أخيك من دار، ولا في غير الشرف من مدار، فقع أني شئت وأرتع وطِر، حيث أحببت أو طر، فما انتصتك يد المغارب، إلا ماضي المضارب، ولا تعاطتك أقطار البلاد، لا طيب الميلاد، فما صار أن نعق ببينك غراب، وخفق برحلك سراب، إذ لم يقص من فضلك اغتراب، ولا أخل بنصلك ضراب، لازلت مخيماً بمنزلة مجد تجمع من اتساع، في ارتفاع، وأمتاع، في امتناع، بين امرة بغدان، ومنعة عمدان، بحول الله تعالى وبركاته والسلام، وله في وصف شجرة نارنج:
لا أفصح الطير حتى خطبوخف له الغصن حتى اضطرب
فمل طربا بين ظل هفاوطيب وماء هناك انعب
وجل في الحديقة أخت المنىودن بالمدامة أم الطرب
وحاملة من بنات القناأماليد تحمل خضر العذب
تنوب مورقة عن عذاروتضحك زاهرة عن شنبِ
وتندى بها في مهب الصبازبرجدة أثمرت بالذهب
فطوراً تفاوح أنفاسهاوطوراً تغازلها من كثب
فتبسم في حالة عن رضىوتنظر آونة عن غضبِ
وله يتغزل:
وا هيفٍ قام يسقيوالسكر يعطف قدة
وقد ترنح غصناواحمرت الكاس وردة
والهب السكر جداًأورى به الوجد زندة
فكاد يشرب نفسيوكدت أشرب خدة
وله في مثله:
يا نزهة النفس يا مناهايا قرة العن يا كراها
أما ترى لي رضاك أهلاوهذه حالتي تراها
فاستدرك الفضل يا أباهفي رمق النفس يا أخاها
قسوت قلبا ولنت عطفاوعفت من تمرة نواها
قال يندب معاهد الشباب، ويتفجع لوفاة الإخوان والأحباب، بعقب سيل عاد لديار آثارا، وقضى عليها وهيا انتثارا،
ألا عرّس الإخوان في ساحة البلاوما رفعوا غير القبور قبابا
فدمع كما سح الغمام ولوعةكما ضرمت ريح الشمال شهابا
إذا استوقفتني في الديار عشيةتلذذت فيها جية وذهابا
أكر بطرفي في معاهد فتيةثكلتهم بيض الوجوه شباب
فطال وقوفي بين وجد وزفرةأنادي رسوما لا تجيز جوابا
وأمحو جميل الصبر طوراً بعبرةأخط بها في صفحتي كتابا
وقد درست أجسامهم وديارهمفلم أر إلا أعظماً ويبابا
وحسبي شجوان أن أرى الدار بلقعاخلاء وأشلاء الصديق ترابا
ولقد أحلني أحد الديار المندوبة وهي كعهدها في جودة مبناها، وعودة سناها، في ليلة انتحلت ظلامها أثمدا، ومحونا بها من نفوسنا كمدا، ولم يزل ذلك الأنس يبسطه، والسرور ينشطه، حتى نشر لي ما طواه، وبث مكتوم لوعته وجواه، وأعلمني بلياليه فيها مع أترابه، وما قضى بها من أطرابه، وكان هذا المنزل اشهى إليه من سواه، وأخص بهواه، لأنه كان كلفا بربه، مسرفاً في حبه، وفيه يقول وقد مات باغمات،
أرقت أكف الدمع طورا وأسفحوأنضح خدي تارة ثم أمسح
ودونك طماح من الماء مائحيعب ومغبر من البيد أفيح
وإني إذا ما الليل جاء بفحمةلاوري زناد ألهم فيها فاقدح
واتبع طيب الذكر أنه موجعفينفح هذا حيث هاتيك تلفحُ
وألقى بياض الصبح يسود وحشةفاحسبني أمسي على حين أصبحُ
ويوحشني ناع من الليل ناعبفازجر منه بارحا ليس يبرحُ
واستقبل الدنيا بذكر محمدفييقبح في عيني ما كان يملحُ
وأشفق من موت الصبا ثم أننيلآمل أن الله يعفو ويصفح
غلام كما استحسنت جانب هضةولأن على طش من الماء أبطح
أقول وقد وافى كتاب نعيهيجمجم في ألفاظه فيصرّح
أرام باغمات يسدد سهمهفيرمي وقلب بالجزيرة يجرح
فيالغريب فاجأته منيةأتته على عهد الشباب تجلح
كان لهيبا بين جنبي واقداًبه وركابا بين جفني تمتح
جلست أسوم الدهر فيه ملامةوكنت كما قد قمت أثني وأمدح
غريقا ببحر الدمع واللهم والدجالو كان بحراً واحداً كنت أسبح
ففي ناظري لليل مربط أدهموفي وجنتي للصبح أشهب يجمح
إذا كان قصد الأنس بالألف وحشةفما أشتهي أني اسر فافرح
فيا عارضاً يستقبل الليل والبلاويسري فيطوى الأطولين ويمسح
تحمل إلى قبر الغريب مزادةمن الدمع تندى حيث سرت وتنضح
وطيب سلام يعبر البحر دونهفيندى وأزهار البطاح فتنفح
وعرج على قبر الحميم بنظرةتراه بها عني هناك وتلمح
وله في وردة طرأت في غير أوانها:
وغريبة هشت إلي غريرةفوددت لو نسخ الضياء ظلاما
طرأت علي مع المشيب تشوقنيشيخاً كما كانت تشوق غلاما
مقبولة أقبلتها عن لوعةنظراً يكون إذا اعتبرت كلاما
عذرت وقد أجللتها عن نشوةكبرا وأوسعت الزمان ملاما
عبقت وقد حنّ الربيع على النوىكرما فأهداها إليّ سلاما
وكانت بضفة الجزيرة أيكتر يانعة وكان هو ومن يهواه يقعدان لديها، ويوسدان خدودهما أبرديها، فمر بها ومحبوبه قد طواه الردى، ولواه عن ذلك المنتدى، فتذكر ذلك العهد وجماله، وأنكر صبره لفقده واحتماله، فقال:
أما وشباب قد ترامت به النوىفأرسلت في أعقابه نظرة عبرى
لقد ركبت ظهر السوى بي نومهفأصبحت في أرض وقد بت في أخرى
فها أنا لا نفس تخف بها المنىفتلهى ولا سمع تطور به بشرى
أقلب جفنا لا يجف فكلماتأوهت عن شكوى تأملت بي سكرا
وإني إذا ما شاقني بحمامةرنين وهزتني لبارقة ذكرا
لأجمع بين الماء والنار لوعةفمن مقلة ريا ومن كبد حرا
وقد خف خطب الشيب في جانب الردىفصارت به الصغرى التي كانت الكبرى
وللشعر عندي كلما ندب الصبافأبكى محل الحق الشعر بالشعري
فليت حديثاً للحداثة لو جرىفسلى وطيفا للشبيبة لو أسرى
وله يستطيل الليل:
يا ليل وجد بنجدأما لطيفك مسرى
وما لدمعي طليقاوأنجم الجو أسرى
وقد طمى بحر ليللم يعقب المد جزرا
لا يعبر الطرف فيهغير المجرة جسرا
وله في الشقيق:
يا حبذا والبرق يزحف بكرةجيشا رحيق دونه وحريق
حتى إذا ولى واسلم غنوةما شئت من سهل وذروة نيقُ
أخذ الربيع عليه كل ثنيةفبكل مرقية لواء شقيقُ
وله مما يتعلق بصفة نار:
ومعين ماء البشر أبرق هشةفكرعت من صفحاته في مشربِ
متهلل يندي حياء وجههفتراه بين مفضض ومذهب
أنضى الحسام حسادة ففرندهدمع ترقرق فوقه لم يسكب
خيمت منه بين طود شامخنال السماء وبين روض معشب
تهفو به نار القرى فكأنهامهما عشا ضيف إليها معشبِ
حمراء نازعت الظلام رداءهوهنا وزاحمت السماء بمنكب
ضربت سماء من دخان فوقهالم تذر فيها شعلة من كوكب
وتنفست عن كل لفحة جمرةٍباتت لها ريح الشمال بمرقبِ
مشبوبة وكأنما هي زفرةمن محنق أو نظرة من مغضبِ
قد ألهبت فتذهبت فكأنهالسكون شر شرارها لم تلهبِ
تذكر وراء رمادها فكأنهاشقراء تمرح في عجاج أكهبِ
والليل قد ولى يقلص بردهكبرا ويسحب ذيله في المغربِ
وكأنما نجم الثريا سحرةوكف تمسح من معاطف أشهبِ
ووصلت شاطبة في فطر سنة عشر وخمس ماية والأمير أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين أيده الله معيد بها، ومجدد ذاهب رتبها، وكان عيدا، كان عهد أهلها بمثله بعيدا، بل لم يعهد بالقطر شبيهه، ولم يحضر مثله خاملة ولا نبيهه، وكان ابن خفاجة هذا حاضراً لاستنجاز وعده، بالتوقيع على صك يحذى نعاله من عنده، فلما كان يوم العيد واحتفل جمعه واحتشد، قام أبو إسحق وأنشد،
سجعت وقد غنى الحمام فرجعاوما كنت لولا أن تغنى لاسجعا
وأندب عهدا بالمشقر سالفاوظل غمام للصبا قد تقشعا
ولم أدرِ ما أبكي أرسم شبيبةعفا أم مصيفا من سليمى ومربعا
وأوجع توديع الأحبة فرقةشباب على رغم الأحبة ودعا
وكان أشهى ذلك الليل مرقداوأندى محيا ذلك الصبح ومطلعا
وأقصر ذلك العهد يوما وليلةوأطيب ذاك العيش ظلاً ومكرعا
زمان نقضي غير ذكر معاهديسوم حصاة القلب أن يتصدعا
تحولت عنه لا اختيار وربماوجعت على طول التلذذ أخدعا
ومن لي ببرد الريح من أبرق الحمىوريا الخزاما من أجارع لعلعا
وقد فات ذاك العهد لا تذكرالو أني على ظهر المطي توجعا
وكنت جليد القلب والشمل جامعفما انقص حتى حان فارض أدمعا
وبلّت نجادي عبرة مستهلهأكفكف عنا بالبنان تصنعا
وأني وعيني بالظلام كحيلةلآبي لجنبي أن يلائم مضجعا
وابأي بنفسي أن أرى الصبح أبيضابعين ترى ربع الشبيبة بلقعا
كأني لم أذهب مع اللهو ليلةولم أتعاط البابلي المشعشعا
ولم أتخايل بين ظل لسرحةوسجع لغريد وماء بأجرعا
ولم أرمِ عاما لي بازرق صايبوأبيض بسام وأسمر اصلعا
وأبلق خوار العنان مطهمطويل الشوى والشأو أقود أتلعا
جرى وجرى البرق اليماني عشيةفابطأ عنه البرق عجزا وأسرعا
كان سحابا اسحما تحت لبدهتضاحك عن برق سرى فتصدعا
وحسب الأعادي منه أن يزجروا بهمغيراً عرابا صبح الحي أبقعا
كان على عطيفة من خلع السرىقميص ظلام بالصباح مرقعا
ركضت به بحراً تدفق مائجاوأقبلت أم الرال نكباء زعزعا
يولل من أذن فأذن تشوفاإلى صرخة من هاتف وتطلعا
كان له من عامل الرمح هاديامنيعا ومن ذلق الأسنة مسمعا
ولما انتحى ذكر الأمير استخفهفخفض من لحن الصهيل ورفعا
حنينا إلى الملك الأعز مردداوشجوا على المسرى القصي مرجعا
فعن حب أبراهيم أعرب صاهلاوفي نصر ابراهيم كر تشيعا
أمام يباهي الحمد وشيا مذهبابه وبراس المجد تاجا مرصعا
عشيت به أندى من المرن راحةوأطيب أفياء وأمرع مربعا
طمى الجود في يمناه بحراً وربماتدفق في أرجائه فتدفعا
وأغدا نداه الغيث فانهل واكفاوحسبك من سقياء أن أسجما معا
فربّ حديث عن علاه سمعتهوما طاير البشرى بأحسن مسمعا
فيا شائمي برق توضح موهناوقعقع أرعاد بنجد فاطمعا
إذا كف من قطريكما عارض الندىوأنكما برق البشاشة فاربعا
فإن أبا إسحق أخصب تلعهوأشهى مدى ظل وأعذب مربعا
وحسبكما أن قد تأسى به الحيافعاود من رحماه ما كان أقلعا
وعز الهدى منه بأوحد أمجدطويل نجاد السيف أبلح أدرعا
أحل به العود اليبيس سماحةوأخدم مطرود الظبي لا تورعا
إذا دب أخفى من حبال مكيدةيصوب أبرى من شهاب وأسرعا
وما السيف في كف الكمي مجردابأسطى وراء النقع منه وأسطعا
دعا باسمه داعي الحفيظة والندىفلبّى على شرح السباب وأقطعا
وهب كما هب الحسام استقامةوعبّ كما عب الخضم تبرعا
وجر به ذيل الخميس بن غابةتردى عغلاما بالعُلى وتلفّع
وداس العدى ركضا وأجرى الوغى دمابأطوع من يمناه فعلا وأطبعا
ولما تدرى منهما النصل منطقاسديدا فريدا أو حميدا مقطعا
فبيد في ذات المكارم وأنثنىوروة في جنب الإله ورفعا
وخفض من صوت الأبي وصيتهوزلزل من ذكر العصي وضعضعا
وألقت اليله بالمقادة قادةتطامن من أعراقها ما ترفعا
وذلل من أخلاقه كل ريضوأصحب خوار الشكيمة طيعا
فمن مبلغ الأيام عني أننيتبؤأت منه حيث شئت تمتعا
وطرت ثناء واطلعت ثنيةفأسرفت إيضاعاً وأشرفت موضعا
وهل بقيت للنفس إلا لطاعةإلى القلم الأعلى بخط موقعا
فما القمر الساري بأجمل غرةولا الوابل الغادي بأكرم مصنعا
وهُنئت عيدا قد تلقاك قادماًولم يك لولا أن طلعت ليطلعا
وحسبك جد قد أظلك خادماًفما هو إلا أن تقول فيسمعا
وجياك من فرع لا شرف دوحةنسيم كأنفاس العذارى تضوعا
يلاعب من خوط الأراكة معطفاويمسح من مسرى الغمامة أدمعا
وله في الأخذ بحظ من الجد والهزل، والزهد والغزل،
قل للقبيح القعال يا حسناملأت جفني ظلمة وسنا
قاسمني طرفك الصنا أفلاقاسم عيني ذلك الوسنا
أني وأن كنت هضبة جلدااعتز للحسن لوعة غصنا
قسوت باسا ولنت مكرمةلم التزم حالة ولا سننا
لست أحب الجمود في رجلتحسبه من جموده وثنا
لم يكحل السهد جفنه كلفاولا طوى جسمه الغرام ضنا
ممن عصى داعي الهوى فقساوكان صلدا من الصفا خشنا
فلي فؤاد أرق من ظبةيابي الدنايا ويعشق الحسنا
طوراً منيب وتارة غزليبكي الخطايا ويندب الدمنا
إذا اعترت خشية شكا فبكىأو أنتحت راحة دنا فجنا
كأنني غصن بأنه خضلتثنية ريح الصبا هنا وهنا
النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع