تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)

الأديب أبو محمد عبد الجليل بن وهبون المرسي رحمه الله تعالى

أحد الفحول، البريء من المطروق والمنحول، تفتحت كمآثم رويته عن زهر المعاني، وأبدت قصايده غرض المداري لها المعاني، فما يبين في معناه انحلال معاقد، ولا تلين قناته لغمز ناقد، مع أدب منساب، تفرّع من دوحتي روية واكتساب وكان بينه وبن ابن عمار ذمام تذكره لما أسهل، وأعاد معلماً ذلك المجهل، فأعلقه بدولته، وألحقه بجملته، ونفّقه بعد الكساد، وطوّقه من استخلاصه ما أغاظ به الحساد، وكان يعتقد تقدمه، ويعقد بنواصي الشعراء قدمه، إلا أنه مع تمييزه له بالأخطاء، وتجويره إياه عند الاقتضاء، لم يوصله عندالمعتمد إلى حظ، ولم ينله إلاكرة لحظ، فمن بديعه الحسن ومطبوعه المستحسن، أنه ركب بأشبيلية زورقاً في النهر الذي لا تدانيه السرات، ولا يضاهيه الفرات، في ليلة تنقبت بظلمتها، ولم يبد وضح في دهمتها، وبين أيديهم شمعتان قد انعكس شعاعهما في اللجة، وزاد في تلك البهجة، فقال مرتجلاً في الحين،

كأنما الشمعتان إذ سمتاجيد غلام محسن الغيدِ
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة
وفي حشا النهر من شعاعهماطريق نار الهوى إلى كبدي
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة

وكان معه غلام البكري معاطياً للراح، وجاريا في ميدان ذلك المراح، فلما جاء عبد الجليل بما جاء، وحلى للإبداع الجوانب والأرجاء، حسده على ذلك الارتجال،

وقال بين البطي والاستعجال،

أعجب بمنظر ليلة ليلاءتُجنى بها اللذات فوق الماء
في زورق يزهى بغرة أغيديختال مثل البانة الغيناء
قرنت يداه الشمعتين بوجههكالبدر بين النسر والجوزاء
والتاج تحت الماء ضوء منهماكالبرق يخفق في غمام سماء

وساير الوزير الأستاذ أبا بكر بن القبطرنة وهو غلام يحار مجتليه، ويغار غصن البان من نثنيه، وقد وضع يمناه في شماله، وتضوع عرف أماله، والناس ينظرون هلال شوال، فقال:

يا هلال أستتر بوجهك عناإن مولاك قابض بشمالي
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة
هبك تحكي سناة خدا بخدقم فجئني لقده بمثالِ
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة

وله من قصيدة هو فريد:

بيني وبين الليالي همة جلللو نالها البدر لاستحذى له زُحلُ
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة
سرابُ كل بيات عندها شنبوهول كل ظلام عندها كحلُ
من أين أبخس لا في ساعدي قصرُعن المعالي ولا في مقولي خطلُ
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة
ذنبي إلى الدهر فلتكره سجيتهذنب الحسام إذا ما أحجم البطلُ

ومن هذه لقصيدة وهو بديع في بابه:

جيش فوارسه بيض كأنصلهوخيله كالقنا عسالة ذبلُ
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة
أشباه ما اعتقلوه من ذوابلهمفالحرب جاهلة من منهم الأسلُ
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة
يمشي على الأرض منهم كل ذي مرحكأنما التيه في أعطافه كسلُ
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة

ودخل المرية وقد أحرج المعتمد على الله وأضجره حتى أبعده وهجره فلما كان يوم العيد وحضر المعتصم شعراؤه، واجتمع كتابه ووزراؤه، بعث في عبد الجليل فتأخر، وزرى بالحال وسخر، وقال أبعد المعتمد أحضر منتدى واستمطر جودا أو ندى، وهل تروق الأعياد إلا في فنائه، أو تحسن الأمداح لا في سنائه، ثم قال:

دنا العيد لو تدنو لنا كعبة المنىوركن المعالي من ذوابة يعربِ
فوا أسفا للشعر ترمى جمارهويا بعد ما بيني وبين المخصّبِ

وكان كلفا بالغلمان، مكسفا بين الخوف والأمان، فإن الانفراد بهم كان

عليه محجورا، وكان من أجلهم ممقوتا مهجورا، فإنه اشتهر في حبهم أشد اشتهار، واستظهر على كلفه بهم بالشظف والاقتتار، فعلق بأشبيلية علاقة لم تدع له مجالاً، ولم يبق له روية ولا ارتجالا، فبينا هو يستدني منه عطفة المساعد ويجتني زهرات المنى بساحات المواعد، سنحت له رحلة ما أمهلته، ولا راعة منها إلا كل روعة أذهلته، فقال: وما عطل من حلي الإبداع ذلك المقال:

إن سرت عنك ففي يديك قياديوإن بنت عنك فما يبين فؤادي
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة
صيّرت فكري في بعادك مونسيوجعلت لحظي من بعادك زادي
وعلي إن أدري دموعي إن أناأبصرت شبهك في سبيل بعادي
كم في طريقي من قضيب يانعأبكي عليه ومن صباح بادِ
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة
تلقاك في طي النسيم تحيتيويصوب في ديم الغمام ودادي
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة

وله في غلام وسيم كان يشار به، فنام وتقلد سمطاً من در العرق شاربه،

وشادن قد كساه الروض حلتهيستوقف العين بين الغصن والكثبِ
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة
مموه الحسن لم يعدم مقبلهفي خده رونقا من ذلك الشنبِ
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة
تدعو إلى حبه لمياء كللهازبرجد النبت يجلو لؤلؤ الجمبِ
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة

وعلق بأشبيلية أحد فتيانها وأنجد عيانها، وكان أجمل من جال في خلد، واستظال على جلد، وهام به هيام الأخوص بدعد، والرعي بهند بني سعد، وكان الفتى ينافر وصله، ويطرد في مباعدته أصله، إلى أن أطل شعر عرضه، وذل لمعارضه، فعاد إلى مساعدته، واستعاد بدنوه من مباعدته، فقال:

يا نوم عاود جفونا طالما سهرتفإن باعث وجدي رق لي ورثا
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة
عانقته وهلال الأفق مطلعفعاد من حسدي حيران مكترثا
وكان للحسن سر فيه مكتتموشى به ناظري من طول ما بحثا
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة
لام يدل على بلبال مبصرهمازال يبعث وجدي كلما انبعثا
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة
من آل مدحج في شخص كلفت بهلم ينقض العهد من ودي ولا نكثا

وله يتغزل:

أهوى سكيران اللواحظ ما رناإلا وأسكر كل قلب صاحِ
أمل من الآمال أحور أهيفخلعت عليه لطافة الأرواحِ
متجند جعل الفؤاد وطيهولحاظه بدلاً من الأرماحِ
عليته سفك الدماء بمهجتيوتركته يجني بغير جناحِ

وله يصف بازيا:

وصارم في يديك منصلتلو كان للسيف في الوغى روحُ
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة
يجتاب مما لبست ضافيةلها على معطفيه توشيحُ
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة
متقد اللحظ من شهامتهفالجو من ناظريه مجروحُ
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة
والريح تهفو كأنما طلبتسليلها في يمينك الريحُ
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة

وله يصف حرشفة:

وحرشفة إن كنت ذا قدرة علىنفوذ إلى ذاك الجنى الحلو فانفذِ
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة
كأني قد توجهت منها ببيضةوقد وضعت للصون في جلد قنفذِ

وله وقد اجتاز على فرن ويده مرتبطة بيد أحد فتيان أهل أشبيلية يسمى ربيعاً فقال له صف لنا هذا الفرن فقال:

رب فرن رايته يتلظىوربيع مخالطي وعقيدي
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة
قالشبه فقلت صدر حسودخالطته مكارم المحسود

وله يتغزل:

سقى فسقى الله الزمان من أجلهبكاسين من لميائه وعقارة
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة
وحيا فحيا الله زهراً أتى بهبناسين من ريحانة وعذاره

النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الرابع من قلائد العقيان، ومحاسن الأعيان، في بدائع نبهاء الأدباء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.