تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)

الأديب أبو القاسم بن العطار رحمه الله تعالى

أحد أدباء أشبيلية ونحاتها، العامرين لأرجاء المعارف وساحاتها، لولا مواصلة راحاته، وتعطيل بكره وروحاته، وموالاته للفرج، ومغالاته في عرف لأنس أو أرج، لا يعرج، إلا على ضفة نهر، ولا يلهج، إلا بقطعة زهر، ولا يحفل بملام، ولا ينتقل إلا في طاعة غلام، ناهيك من رجل مخلوع العنان في ميدان الصبابة، مغرم بالمحاسن غرام يزيد بحبابة، لا تراه إلا في ذمة انهماك، ولا تلقاه إلا في لمة انتهاك، رافعا لرايات الهوى، قارعا لثنيات الجوى، لا يقفر فؤاده من كلف، ولا يبيت إلا رهن تلف، أكثر خلق الله علاقة، وأحضرهم لمشهد خلاقة، مع جزالة تحرك السكون، وتضحك الطير في الركون، وقد أثبت له ما يرتحله في أوقات انسه وساعاته، وينفث به أثناء زفراته ولوعاته، فمن ذلك ما قاله في يوم ركب فيه النهر على عادة أنكشافه وارتضاعه لشغور اللذات وارتشافه. طويل

ركبنا على اسم الله نهر كانّهحباب على عطفه وشي حبابٍ
وإلاّ حسام جال فيه فرندهله من مديد الظلّ أيّ قرابٍ

وله في ذلك اليوم:

عبرنا سماء النهر والجوّ مشرقوليس لنّا إلا الحباب نجومُ
وقد ألبسته الإيك برد ظلالهاوللشمس في تلك البرزد رقومُ

وله فيه:

لله بهجة منزه ضربت بهفوق الغدير رواقها النشامُ
فمع الأصيل النر درع سابغومع الضحا يلتاح فيه حسامُ

وله فيه:

مررنا بشاطي النهر بين حدائقبها حدق الأزهار تستوقف الحدق
وقد نسجت كفّ النسيم مفاضةعليه وما غير الحباب لها حلق

وله فيه:

هبتّ الريح بالعشّي فحاكتزردا للغدير ناهيك جنّة
وانجلى البدر بعد هدء فصاغتكفّه للقتال منه أسنه

وله فيه:

لله حسن حديقة بسطت لنامنها النفوسَ سوالفُ ومعاطفُ
تختال في حلل الربيع وحيلهومن الربيع قلائدٌ ومطارفُ

وله متشكيا من وجده وغرامه، متبكيا لظبائه وأرامه، على عادته في بوحه وسجيته في عومله ونوحه:

لابد للدمع بعد الجري أن يقفاوهبه سال فؤادي عنده أسفا
وبي غزال غذا صادفت غرتهجنيت من وجنتيه روضة أنفا
كالبدر مكتملا كالظبي ملتفتاكالروض مبتسما كالغصن منعطفا
ما همت فيه ولا هام الأنام بهحتّى غدا الدهر مشغوفا به كلفا
للشاعر حسن حسني الطويراني، اقرأ القصيدة
أيرتضي الفضل أن أطوى على حرقوفي مراشفه اللعس الشفاه شفا
ما صافح الروض مكفّ المزن ترمقهإلاّ أرتنا به من خطّه صحفا

وله في مثله:

إلا يا نسيم الريح بلّغ تحيتيفمالي إلى ألفي سواك رسولُ
وقل لعيل الطرف عنّي بأننّيصحيح التصابي والفؤاد عليلُ
أينشر ما بيني وبينك في الهوىوسرّك في طيّ الضلوع قتيلُ

وله في مثله: كامل بأبي غزال ساحر الأحداقِ=مثل الغزالة في سنا الأشراقِ

شمس لها الجيوب مشارقومغاربٌ بجوانح العشّاقِ
نثر العقيق ونظم درّ رائقٍفي مرشفيه وثغره البرّاقِ
عقد من السحر الحلال بلفظهوبها تحلّ معاقد الميثاقِ
هلاّ وقد مدّت إليه ضراعتييدها تصافحها يد الأشفاقِ
ديم الغمام يرعدها وببرقهاكاثرتها بسحائب الأشواقِ
ما أدمعي تنهلذ سحّا إنّماهي مهجتي سالت على الآماقِ

وله:

الحبّ تسبح في أمواجه المهجلو مدّ كفذا إلى الفرقى به الفرجُ
بحر الهوى غرقت في سواحلهفهل سمعتم ببحر كلّه لججُ
بين الهوى والردى في لحظه نسبهذي القلوب وهذي الأعين الدعجُ
دين الهوى شرعه عقل بلا كتبكما مسائله ليست لها حججُ
لا العدل يدخل في مسع المشوق ولاشخص السلوّ على باب الهوى يلحُ
كانّ عيني وقد سالت مدامعهابحر يفيض ومن آماقها خلجُ
جار الزمان على أبنائه وكذاتغتال أعمارنا الآصال والدلجُ
بين الورى وصروف الدهر ملحمةوإنّما الشيب في هاماتهم رهجُ

وله يتغزل:

رقّت محاسنه وراق نعيمهافكأنّما ماء الحيوة اديمها
رشا إذا أهدى السلام بمقلةولّي بلبّ سليمها تسليمها
سكرى ولكن من مدامة لحظهفأغضض جفونك فالمنون نديمها

وله في الوزير الجل أبي حفص الهوزني ﵀ وقد مات بنهر طلبيرة عند أفتتاحها قصيدة طويلة منها:

وفي كفّه من مائع الهند جدولعليه لارواح العداة تحوّمُ
بحيث الصدى بين الجوانح يلتظيونار الوغى بين الأسنة تضرمُ
وما من قليب غير قلب مدجّجولا شطن غلاّ الوشيح المقوّمُ
ووجه الضحى من ساطع النقع كاسفبيوم لاه زرق الأسنّة انجمُ
ولمّا رأوا إلا مقرّ لسيفهسوى هامهم لذوا بأجراء منهم
فكان من النهر معينهمومن ثلم السدّ الحسام المثلّمُ
فهلاّ ثنى عنه الردى في زلالهرداء برقراق الفقاقيع معلمُ
فياعجبا للبحر غالته نطفةوللأسد الضرغام أداه أرقمُ

وله يتعزل أيضاً:

ليل يعارضه الزمان بطولهما لي به إلا الأسى من مسعدِ
نظّمت لؤلؤ معي في جيدهفكأنها فيه النجوم الأسعدِ

وله أيضاً:

وسنان ما أن يزال عارضهيعطف قلبي بعطفة اللامِ
أسلمني للهوى فواحزناأن يزّني عفتي وإسلامي
لحاطه السهم وحاجبةوإنسان عينه رامِ

النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الرابع من قلائد العقيان، ومحاسن الأعيان، في بدائع نبهاء الأدباء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.