تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)

الأديب الحاج أبو عامر بن عيشون

رجل حل المشيدات والبلاقع، وحكى النسرين الطائر والواقع، واسيتمدر خلفي البوس والنهعيم، وقعد مقعد البائس والزعيم، فأونة في سماط، واخرى بين دارنك، وأنماط، ويماً في ناوس، وأخر في مجلس مانوس، رحل إلى المشرق فلم يحمد رحلته، ولم يعلق بأمل نحلته، فأرتد على عقبه، ورد من حباله الفوت إلى منتظره ومرتقبه، ومع هذا فله تحقق بالدب، وتدفق طبع إذا مدح أو نسب، وقد أثبت له ما تعلم به حقيقة نفاذه، وترى سرعة وخده في طرق الإحسان وأغذاذه، فمن ذلك ما كتب به إلي يستدعيني بفاس:

أيا موضع الشكوى أراح نجيهاغوارب آمالي عليّ شوارد
وروضة آداب تعهدها النهىفأزهارها تجنى تواما فواحدا
تهيم بعلياك النفوس جلالةفتحسد من حبّ عليك الحواسدا
تناهبن الأفكار انسى ولايداذود بها فكرا عن النس ذائدا
يطارحني الوسواس حتى كأنماأساور منها كلّ حين أساودا
سوى أنّ قربا منك أن سمحت بهليالٍ ضنينات وسمنَ مجاودا
فأجلو بمرأك البهيّ نواظراًتبيت برغم المجد رمدا سواهدا
هلم إلى ورد من الأنس سائغتظلّله الآداب هدلا موائدا
يرق جناها حكمة وبلاغةفتنظم مقطوعاتها والقصائدا
إذا أنتديت كابت قنا وقنابلاوأن عزلت كانت طلى وقلائدا
تثير على الأيّام حربا لعلّهاتفيد لنا يوما إلى البين فائدا
تتوج بالمدكسات منك أناملايظل لها تاج ابن ساسان ساجدا
وان أنا واقعت الجفاء فمغرمقد أورده حبّ المعالي المواردا

وأخبرني أنه دخل مصر وهو سار في ظلم البوس، عار من كل لبوس، قد خلا من

النقد كيسه، وتخلى عنه إلا تقديره وتنكيسه، فنزل بأحد شوارعها، لا يفترش إلا نكده، ولا يتوسد إلا عضده، وبات بليلة ابن عندل، تهب عليه صرصر لا ينفح منها عنبر ولا صندل، فلما كان من السحر دخل عليه ابن الطوفان فأشفق لحاله، وفرط أمحاله، وأعليه أن الأفضل استدعاه، ولو أرتاد بقطعة يغنيها له لاخصب مرعاه فصنه له في حينه. بسيط

قل للملوك وأن كانت لهم هممتأوي إليها الأماني غير متّئدِ
إذا وصلت بشاه شاه لي سببافلن أبالي بمن منهم نفضت يدي
من اوجه الشمس لم يعدجل بها قمرايعشو إلى ضوءه لو كان ذا رمدِ

فلما كان من الغد وافاه فدفع إليه خمسين مثقالا مصرية وكسوة وأعلمه انه غناه، وجود الإظهار لفظه ومعناه، وكرره حتى أثبته في سمعه وقرره، فسأله عن قائله فأعلمه يقتله، وكلمه في رفع خلته، فأمر له بذلك وكتب إلي يستعتبني:

كتب ولو وفّيت برّك حقّهلما اقتصرت كفّي على رقم قرطاسِ
ونابت عن الخطّ الخطا وتبادرتفطورا على عيني وطورا على راسي
سل الكاس عنّي هل أديرت فلم أصغمديحك ألحانا يسوغ بها كاسي
وهل نافح الآس الندامى فلم أدعثناءك أذكى من منافحة الآسِ

وله:

قصدت على أن الزيارة سنّةيؤكّدها قرض من الودّ واجبُ
فألفيت باب سهّل الله فتحهولكن عليه من عبوسك حاجبُ
موضت ومرّضت الكلام تثاقلاإليّ إلى أن خلت أنّك عايبُ
فلا تتكلّف للعبوس مشقّةًسأرضيك بالهجرانٍ إذ أنت غاضبُ
فما الأرض تدمير ولا أنت أهلهاولا الرزق أن أعرضت عنّي حاجبُ

وأرى علي غفارة وخاتما كلاهما مستغرب فوجه إلي في الغفارة فبعثتها غليه فكتب إلي:

نشقنا من المجد الموثلّ نفحةتزيد على الندّ المثلّث والمسكِ
وما ذاك إلاّ أن سالت فجاد ليأبو نصر الأعلى ببرنسه المسكِ
ينظم في جيد المعالي قلائدهي الدرّ للجدوى وعلياه للسلكِ
إذا ختمت يمناه منّي عاطلاخلعت على اليسرى به خاتم الملكِ
وأن محكت أيدي اللئام بشكرهامحكت فلم اجعل بلأي ولا محكم

النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الرابع من قلائد العقيان، ومحاسن الأعيان، في بدائع نبهاء الأدباء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.