من «قلائد العقيان في محاسن الأعيان» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الأديب الحكيم أبو الفضل بن شرف أعزه الله تعالى
الناظم الناثر، الكثير المعالي والمآثر، الذي لا يدرك باعه، ولا يترك اقتفاؤه واتباعه، أن نثر رأيت بحراً يزخر، وأن نظم قلد الأجياد درا تباهى به وتفخر، وأن تكلم في علوم الأوائل بهرج الأذهان والألباب، وولج منها في كل باب، وقد كان أول من نجم بالأندلس وظهر، وتسمى بحوك القريض واشتهر، تسدد إليه السهام، وتتقده الخواطر والأوهام، فلا يصاب له غرض، ولا يوجد في جوهر إحسانه عرض، وهو اليوم بدر هذه الآفاق، وموقف الاختلاف والاتفاق، مع جري في ميدان الطب إلى منتهاه، وتصرف بين سماكه وسهاه، وتصانيف في الحكم ألف منها ما ألف، وتقدم فيها ما تخلف، فمنها كتابه المسمى بسر البر ورجزة الملقب بنجح النصح وسواها، من تصانيف اشتمل عليها الأوان وحواها، فمن حكمه قوله العالم مع العلم كالناظر للبحر يستعظم ما يرى ما غاب عنه أكثر، ومنها الفاضل في الزمن السوء كالمصباح، في البراح، قد كان يضيء لو تركته الرياح، ومنها لتكن بالحال المتزايدة، اغبط منك بالحال المتناهية، فالقمر آخر أبداره، أول أبداره، ومنها لتكن بقليلك، اغبط منك بكثير غيرك، فإن الحي برجليه وهما ثنتان، أقوى من الميت على إقدام الحملة وهي ثمان، ومنها المتلبس بمال السلطان كالسفينة في البحران أدخلت بعضه في جوفها أدخل جميعها في جوفه، ومنها التعليم فلاحة الأذهان وليست كل أرض منبتة، ومنها الحازم من شك فروى وأيقن فبادر، ومنها قول الحق من كرم العنصر كالمرءاة، كلما كرم حديدها أرت حقائق الصفات، ومنها رب سامح بالعطاء على باخل بالقبول، ومنها ليس المحروم
من سال فلم يعط وإنما المحروم من أعطي فلم يأخذ، ومنها يا ابن آدم تذم أهل زمانك وأنت منهم كأنك وحدك البري، وجميعهم الجري، كلا بل جنيت وجني عليك، فذكرت مل لديهم ونسيت ما لديك، ومنها اعلم أن الفاضل الزكي لا يرتفع أمره، أو يظهر قدره، كالسراج لا تظهر أنواره، أو يرفع مناره، والناقص الدني لا يبلغ لنفعه، إلا بوضعه، كهوجل السفينة لا ينتفع بضبطه، إلا بعد الغاية من حطه، ول قصل من رسالة،، توسل الهمم، أعزك الله توسل الذمم، ورب راق، بوسيلة، ذي اشتياق واستباق، إلى فضليه، رصد، فقصد، واحتشد، فتحرى الرشد، ولما طلع بك المجد، من معالمه، وأينع لك الحمد، من كمائمه، فلاح محياك قمراً زاهراً، وفاحت سجاياك سحراً عاطراً، وأنار بأفقك منار الأنوار، ودار على قطبك مدار الفخار، وخف لديك بالقلوب وارتياحها، وصار إليك بالنفوس جناحها، فجوامع الجوانح لديك حضور، ونواظر الخواطر إليك صور، وقد تخيلتك نظرات الغيوب، وتيمتك خطرات القلوب، فحنت إليك حنين اليفن إلى صباه، واهتزت اهتزاز الغصن إلى صباه، ولا غرو أن أرمت أليك القلوب بأرواحها، وتلقتك العيون بالتماحها، فقد يرقب الصباح، ويلمح القمر اللياح، وليس على عاشق الفضل جناح، وكتب إلى وزير، أطال الله بقاء الوزير الأمجد، الأجل الأوحد، وأعلى مرتقاه في رفعة العز، ومنعة الحرز، الوزير الأمجد دام الله عزه كالمطر الجود يملأ الحياض، وينبت الرياض، بل كالقمر يقذف بالنور، ويذهب بالديجور، وقد أتحفني في سناه، وسقاني من سقياه، بما أنار فأضوى، وجاد فأروى، فلله إيادي الوزير ما أنزلها بكل فناء، واسمعها لكل نداء، حين رعى قصدي وهو مجفي، ووعى صوتي وهو خفي، فالآن أدام الله رفعة الوزير أضرب بحسام، اعتناؤه جرده، حتى أظهر في سمائه، واشتهر بأرفع أسمائه،، ومن بديع قوله في قصيدة أولها، بسيط
قامت تجر ذيول العصب والحبرضعيفة الخطو والميثاق والنظر
تخطو فتولي الحصى من حليها نبذاوتخلط العنبر الوردي بالعفر
غيرى الخلي بما تبديه من قلقفي الوشح أوغصص تخفيه في الأزر
لم ادرهل حنق الخلخال من غضبعليه أم لعب الزنار من أشر
تلفتت عن طلى سنان وابتسمتعن واضح مثل نور الروضة العطر
إن نلت رياء لم أطمع بمطمعهلأن الروض الصبا نور الروضة العطر
ما لذ للعين نوم بعد ما ذكرتليلا سمرناه بين الضال والسمر
تساقط الطل من فوفق النحور بهتساقط الدر في اللبات والثغر
ومفرق الليل قد شابت ذوائبهفبت أدعو له بالطول في العمر
والليل يعجب الظلماء جانحةمن ساهر يشتكي لليل بالقصر
فبت أجرع من ليل لواضحةتبدو وأبخل من روض على سحر
يا من جفا فجفاني الطيف هجرك ليبأي عذر فعذر الضيف في السهر
ذكرت بالسفح شملا غير منصدعبالنائبات ونظما غير منتشر
بكل بيضاء خود خلتها جمدتمن السكينة أو ذابت من الخفر
ومنها في وصف السيف:
إن قلت نارا انتدى النار ملهبةأو قلت ماء يرمي الماء بالشرور
ومنها في وصف الدرع:
من كل ماذية انثى فيا عجباكيف استهانت بوقع الصارم الذكر
وله من قصيدة أخرى أولها:
ما الرسم من حاجة المهرية الرسمولا مرام المطايا عند ذي ارم
ردي شبا الخط تهدين الركاب فمابالبيد للركب من هاد ولا علم
حثي المطي وشدي في دوائرهاهذا أوان اقتضاء الشد من زيم
ريعت لنبأة سام السوط فالتفتتصغر الخدود إلى سواقة حطم
ثبت على صهوات الناجيات وقدأخفت سروح المطايا صولة اللجم
منوطة بغواشي البيض راحتهكأنما اختلطت بالصارم الخذم
بتنا نكالئ طرف العين عن سنةوالطيف يستأذن الأجفان في الحلم
معرسين بإغفال البطاح سالكةبين السبيلين لم تقعد ولم تقم
ظنت بي العجز وارتابت فخاصمهاجور الزمان فلم تعذر ولم تلم
إني وإن غرني نيل المنى لأرىحرص الفتى خلة زيدت إلى العدم
فكما عكفت بآمالي على وثنولا سجدت بأشعاري إلى صنم
أهل المناظر والألباب خاليةلا يعدمون من الدنيا سوى الفهم
نالوا الخطوط فحازوها موافقةكما تقاسمت الأيسار بالزلم
لما رأيت الليالي قد طبعن علىجدب الأسود وخصب الشاء والنعم
رجعت أضحك والأعوال أجدر بيمن ميسر كان فيه الفوز للبرم
تقلدتني الليالي وهي مدبرةكأنني صارم في كف منهزم
ذهبت بالنفس لا الوي على نشبوإن دعيت به ابن المجد والكرم
فللمصارع وأطراف اليراع يدبنت لي المجدبين السيف والقلم
ومن مديحها:
وإن أحمد في الدنيا وإن عظمتلواحد مفرد في عالم أمم
تهدي الملوك به من بعد ما نكصتكما تراجع فل الجيش للعلم
رحب الذراع طويل الباع متضحكأن غرته نار على علم
من الملوك الألى اعتاد أوائلهمسحب البرود ومسح المسك باللمم
زادت مرور الليالي بينهم شرفاًكالسيف يزداد إرهافاً على القدم
تسنموا نكبات الدهر واختلطوامع الخطوب اختلاط البرء بالسقم
معوق السيل لا تنفك راحتهمن كف معتلق أو ثغر مستلم
مكارم حكمت في ذاته يدهافكدت أرحمها من سطوة الكرم
أضنى فؤادي واوهاه تحملهاحتى وضعت يدي منه على ألمي
كأنني إذا أوالي قبل راحتهعجزت عن شكره حتى سددت فمي
ومن أخرى أولها:
سروا ما امتطوا ألا الظلام ركابياولا اتخذوا ألا النجوم صواحبا
وقد وخطت أرماحهم مفرق الدجافبات بأطراف الألسنة شآيبا
وليل كطي المسح جبنا سوادهكانا امتطيا من دجاه النوائبا
خبطنا به الظلماء حتى كأنماضربنا بايدي العيس أبلا غرائبا
وركب كان البيض أمست ضرائبالهم وهم أمسوا لهن ضرائبا
إذا أوبوا صاروا شموساً منيرةوإن أدلجوا أمسوا نجوما ثواقبا
طوال طوال الباع والخيل والقناتخالهم فوق الجياد أهاضبا
فما يحملون السمر إلا عوالياولا يركبون الخيل إلا سلاهبا
إذا اعتقلوا للطعن سمرا عوالياأو اتشحوا للضرب بيضا قواضبا
وطال بليل الدارهم أبت لهنجوم الدياجي أن تعود غواربا
ومذ وطئت مروان ذروةمن الشرق ألت تحب المغاربا
ثوابت في جو السماء تخالهابها لبني عبد العزيز مناقبا
وله من أخرى أولها:
أرح خطاك فحلي النجم قد نهباوقد قضي الشرق من وصل الدجا أربا
أنا ركبنا من الظلماء جانحةكأننا من دجاه نمتطي نوبا
سل النجوم هل ارتابت بصحتنالما أثرن اليهن من آثارها ندبا
تهفوا الركاب فتهدينا اسنتناكأنما عارضت أطرافها الشهبا
وباتت الخيل يقدحن الحصا حنقاًحتى تضرم ذيل اليل والتهبا
تلك الفوارس لا تثني أعنتهاعن وجهة أو ينال السيف ما طلبا
باتوا على نشوة ما هاجها طربوقد أرادوا بطاسات السرى نغبا
إذا أثاروا القنا عن جنح مظلمةشالوا النجوم على أطرافها عذبا
وله:
خيال زارني عند الصباحوثغر الشرق يبسم عن أقاح
وقد حشر الصباح له ونادىفأصغى النجم منه إلى الصباح
وفاض على الكواكب وهو طامفطار النسر مبلول الجناح
وزائرة طردت لي مناميوقد عقد الكرى راحا براح
وأدناها الهوى حتى أذلتوباتت بين ريحان وراح
تهز الغصن في حقفوتفري الليل عن قمر لياح
وأضناني الهوى فنعت نحوليول ينعى النحول إلى الصفاح
وحملت عبء الحب ضعفيكحمل الخصر للكفل الرداح
أخن إلى رضاك وفيه برئكما حن العلميل إلى الصباح
وقد أحللت حبك من فؤاديمحل المال من أيدي الشحاح
سأفزع في هواك لحسن صبريما فزع الجبان إلى السلاح
واقتدح الرغيبة من ركاببراهن السري برئ القداح
تعنف إن رأت شاؤا بعيداًومن يثني الجواد عن الجماح
سرى جنبا به الظلماء حتىسبقنا البائتين إلى الصباح
إذا ونت الكواكب عن مداهاحفزناها بأطراف الرماح
ومن كان الوزير له ظهيراًيسم راعيه في حي لقاح
بحيث الرعي في أحوى أحموحيث الورد في شيم قراح
من القوم العزيزيين أهل العلى والطول والنسب الصراح
أقاموا المجد من سمك عليومدوا العز في أرض فياح
فأوى كل عاف من ذراهمإلى بيض اللمى خضر البطاح
وقد قام العلى عنهم خطيباوصاح الجود حي على الفلاح
بأبنية وأعمدة طوالوراحات وساحات فساح
أبا بكر كتمت علاك حلمافنم على الري طيب الفواح
فكم تحيي الموالي بامتنانوكم تردي المعادي باجتياح
يمين ملكت رق المساعيوكف أعذبت ماء السماح
وفضل لا ينيب إلى نصيحوجود لا يصيح لقول لاح
وحلم أوسع الدنيا وقاراوقد خفقت له خفق الجناح
لأعمى الفكر عن عيب المواليأصم الجود عن قول اللواح
فتى تجد الأماني في يديهوجود الري في الماء القراح
يجلو حادث الدنيا بوجهكان جبينه فلق الصباح
أضاء بوجهه أفق الدياجيوقام بكفه علم النجاح
طلعت على العلى من كل بابوحزت المجد من كل النواحي
وجاء بك الزمان على اكتهالفكنت الروض فاح مع الرواح
فكف للسيادة ذا بسطوطرف للمعالي ذو طماح
غضبت لكل حق مستباحولم تغضب لمال مستباح
فكيف نصرت كل حمى مدالولم تنصر حمى المال المباح
نوالك من ولاتك ذو تدانوقدرك عن عداتك ذو انتزاح
تداركت انصداعاً بانشعابوصيرت الفساد إلى الصلاح
فقد بدلت كربا بانفراجوقد عوضت ضيقاً بانفساح
وداويت الليالي من رداهاوقد نادتك يا آسى الجراح
فقد أشفيتها من كل داءوقد أسقيتها بعد التياح
دعوت المعتفين لخير ماوىوأحللت الطريد أعز ساح
فما للفضل فيها زوالوما للمجد عنها من براح
لقد أنسى زمانك كل عيدبعز ثابت واسى مزاح
وذي الأيام أعياد الأياديفكيف تضيفهن إلى الأضاحي
وله فضل من رقعة،، مثلي أعزك الله في عناء، بلا غناء، كمن خض لماء يريد الزبد، ووعده للأبد، بل لا والله، واستغفر الله، ما استضاءت بغير منار، ولا اقتدحت بغير عفار، ولكن حرمت الدر والضرع حافل، طويل
وما يوجع الحرمان من كف حارمكما يوجع الحرمان من كف رازق
ومل فعلت أبا عبد الله تلك الأبيات، والرجاء الذي في بطون الحاملات، أأزعجته الأرحام، أم كره الزحام، أم استقر به المقام، فاقام، وتلك النتيجة هي حان نفاسها، أم خانها احتباسها، أم ولدت، ثم وئدت، أم وضعت ليلاً، وأرضعت غيلاً، في لا تدب، ولا تشب، والنجم أفل، والكفيل غافل، ومهما يكن من أمر فما ضاعت، إلا في ضمانك، ولا جاعت، إلا على خوانك، هلا حلبت أبا عبد الله ما در وطب، وطبعت والطين رطب، فلا أمان، من الزمان، ومن ذا الذي يبقى على الحدثان،، وكتب إليه ابن اللبانة:
يا روضة أضحى النسيم لسانهايصف الذي تهديه من أرجائها
ومن اغتدى واهتدى لطريقةما ضل من يسعى على منهاجها
طافت بكعبتك المعالي إذ رأتأن النجوم الزهر في حجاجها
شغلت قضيتك النفوس فأصبحتمرضى وفي كفيك سر علاجها
هلا كتبت إلى الوزير برقعةتصبو معاطفه إلى ديباجها
تجد السبيل لهم ولا تك للمنىوينير سعيهم بنور سراجها
أنت المساء فما بانت لها رقعةاطلع عليه الشهب من أبراجها
وضجت مفارق كل فضل عندهفاجعل قريضك دره في تاجها
فراجعه أبو الفضل:
يا منجدي والدهر يبعث حربهشعثاء قد لبست رداء عجاجها
لله درك إذ بسطت إلى الرضىنفسا تمادى الدهر في إحراجها
وأرقت ماء الود في نار الأسىكالراح يكسر وحدها بمزاجها
فياتني تلك الغمام فبردتمن علة كالنار في إنضاجها
فأويت تحت ضلالها ووجدت برمنسيمها وكرغت في ثجاجها
حاولت مني أن أطارد حاجةمرضت فأعيا الناس باب علاجها
قل كيف تنعش بعد ول عثارهاأم كيف تفتح بعد سد رتاجها
هيهات لا تثني النفوس لوجهةمن بعد ما رجعت على أدبارها
لا زيد في أمري وضوحاً بعد ماقامت براهينه على منهاجها
فأكون إن زدت الصباح أدلةخرقاء تمشي في الضحى بسراجها
دعني أبرد بالقناعة غلةيأس النفوس أحق في أثلاجها
بكر بخلت على الأنام بوجههاومنعتها من ليس من أزواجها
وصرفتها محجوبة بصوانهامثل السلوك تصان في أدراجها
كالنور في أكمامها والبيض فيأغمادها والغيد في أدراجها
فالنفس إن ثبتت على أخلاقهاأعيا على النصاح طول لجاجها
وله وقد استدعاه المتوكل في يوم ماطر، ونسيم روض عاطر، فصحبته في ممشاه إليه سحابة، وبلت عليه ثيابه، فلما دخل على المتوكل أدناه، وأكرم مثواه، وهز إلى القول في ذلك فاهتز، وأتى بما طبق مفصل الإبداع وحز، سريع
صاحبنا الغيث إلى الغيثلكنه غيث بلا غيث
سحابة تهمي حياها سرىلا تخلط الاعجال بالريث
يا ليث غاب حسنه باهروالحسن لا يعرف لليث
أجلني قربك في موضعيجل عن أين وعن حيث
النص من طبعة بولاق (١٢٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع