تجاوز إلى المحتوى

من «تحفة القادم» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)

ابن أبي ركب

أبو الطاهر إسماعيل بن مسعود الخُشني ابن أبي رُكَب، من أهل جَيّان. هو عَمّ أبي ذَرّ. من قوله:

يقولُ النَّاسُ في مَثَلٍتذكَّرْ غائباً تَرَهْ
فما لي لا أرى سَكنيولا أنسَى تذكُّرهْ

أنشدناه أبو الربيع عن ابن حُميد قال: أنشدناه أبو بكر ابن مسعود لأخيه إسماعيل.

وحدثني أبو الربيع بلفظه قال: حدثني أبو الحسين ابن زرقون أن أباه

شيخنا، ﵀ حدَّثه قال: كنَّا يوماً بسَبتة في جُملة من الطلبة، ومعنا أبو الطاهر إسماعيل بن مسعود، وكان أبو الطاهر هذا أديباً شاعراً فاضلاً، فمرَّ بنا رجل صَنَع، وفي يده مِحبرة أبنوس، وقد احتفل في عملها وتأَنق في حِليتها، فأراناها وقال: إن هذه المحبرة أريد أن أقصد بها بعض الكُبراء وأرغب أن تُتِمُّوا لي احتفالي فيها، بأن تصنعوا لي بينكم أبياتَ شعرٍ أدفعها معها، رجاءَ أن يكون ذلك أنجحَ لغرضي منها. قال أبي: فأطرقنا نفكِّرُ في مَطلبه، وبَدَرَنا أبو الطاهر، فقال:

وافْتك من عُددِ العُلا زِنجيَّةٌفي حُلّةٍ من حِليةٍ تتبخترُ
سوداءُ صفراءُ الحليِّ كأنَّهاليلٌ تُطرِّزُهُ نجومٌ تَزْهر

فسُرَّ الرَّجُل بها وسأل كَتْبَها، فكُتبت له. وانفصل عنَّا شاكراً ما كان من إسعافه. فلم يغبْ عنَّا إلاَّ يسيراً، وإذا به قد عاد إلينا وفي يده قلم نُحاس مُذهَّبٌ، فقال لنا: وهذا مما أعددته للدفع مع هذه المِحبرة، وأُنسيت قبلُ ذِكرَهُ لكم، فتفضَّلوا بإكمال الصنيعة، فبَدَرَ أيضاً أبو الطاهر وقال:

حَملتْ بأصفرَ من نِجَارِ حُلِيِّهاتُخفيهِ أحياناً وحيناً يظهرُ
خَرسانُ إلاَّ حين يرضعُ ثَديهافتراه يَنْطِقُ ما يشاءُ ويَذْكر

وحُكي لي أن أبا الطاهر هذا حضر مع جماعة من أصحابه، فيهم أبو عبد الله ابن زرقون متنزِّهاً في بعض الأعوام، وفي عَقب شعبان منه. فلما تملأوا بالطعام، قال أبو الطاهر لابن زرقون: أجزْ يا أبا عبد الله، فقال:

حَمِدْتُ لشعبانَ المُباركِ شَبعةًتُسهِّلُ عندي الجُوعَ في رمضانِ
كما حَمِدَ الصَّبُّ المُتَيَّمُ زَورةًتحمَّل فيها الهجرَ طولَ زمانِ

فقال أبو الطاهر:

دَعَوْها بشَعبانيَّة ولوَ انَّهمدَعَوْها بشَبْعانيّة لشَفاني

وحدثني بهذه الحكاية شيخُنا أبو الربيع، وأنشدني الأبيات لابن زرقون، وقال: " أكلة " مكان " شبعة ".

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٠٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحفة القادم»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.