من «تحفة القادم» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)
ابن طفيل
أبو بكر محمد بن عبد الملك بن طفيل القيسي، من أهل بَرشانة من عمل المريّة. وكان طبيباً أديباً كتب لوالي غرناطة وقتاً، وتوفي بمراكش سنة إحدى وثمانين وخمسمائة وحضر السلطان جنازته؛ وشعره في غاية الجودة وهو القائل:
أتذكرُ إذ مسحتَ بفيكَ عينيوقد حلَّ البكا فيها عقودَه
ذكرتُ بأنَّ ريقك ماء وردٍفقابلتُ الحرارة بالبرودَه
وقال:
يقولون لي ظمياءُ أضحتْ عليلةًفقلت فما بالي بقيت إذن حيّا
أتصبح شمسُ الأرضِ كاسفةَ السَّناولا يعتري جسمي لعلَّتها فيّا
إذا ما طوى عنِّي السقامُ وصالَهاطوى الميتُ روحي في ملاءتِهِ طيّا
وقال:
ألمَّتْ وقد نام الرقيبُ وهوَّماوأسرت إلى وادي العقيق من الحمى
وراحتْ إلى نجدٍ فراح مُنَجَّداًومرَّت بنعمانٍ فأضحى منعما
وجرَّتْ على تُرْبِ المحصّب ذيلَهافما زال ذاك التربُ نهباً مقسما
تناقلُهُ أيدي الرِّجالِ لطيبهويحمله الداريُّ أيَّانَ يمما
ولما رأتْ أن لا ظلامَ يُجِنُّهاوأن سُراها فيه لن يتكتما
سَرَتْ عذبات الريط عن حُرِّ وجههافأبدت شعاعاً يرجع الصُّبح معلما
فكان تجلِّيها حجابَ جمالهاكشمس الضُّحى يعشَى بها الطَّرف كلَّما
ولما رأتْ زُهرَ الكواكبِ أنَّهاهي النيِّرُ الأسمى وإن كنَّ بالسَّما
بكتْ أسفاً أن لم تَفُزْ بجوارهاوأسعدَها صوبُ الغمامِ فأسْجَما
تجلَّت يمُجُّ القطرَ ريَّانُ بُرْدهافتنفضُهُ كالدُّرّ فذاً وتوأما
يضم عليها الماء فضل ثيابهاكما بلَّ سِقْطُ الطّلِّ نَوْراً مُكمَّما
ويَفتَقُ نَضْحُ الغيثِ طيّبَ عَرفهانسيم الصّبا بين العَرار تنسّما
جلَتْ عن ثناياها وأومَضَ برقُهافلم أدر من شَقَّ الدُّجُنَّةَ منهما
وساعدني جَفْنُ الغمام على البكافلم أدر وَجْداً أيَّنا كانَ أسجَمَا
ونظَّمَ سِمْطَيْ ثغرها ووشاحهافأبصرتُ دُرَّ الثغر أحلَى وأنْظما
تقول وقد ألْمَمْتُ أطرافَ كمِّهايديَّ وقد أنْعَلْتُ أخمصَها الفما
نشدتُك لا يذْهَبْ بك الشوق مذْهباًيُسهِّلُ صعباً أو يُرخِّصُ مَأْثَما
فأقصرتُ لا مُستغنياً عن نوالهاولكن رأيت الصَّبر أوفى وأكرما
وهو القائل من قصيدة في فتح قَفْصة سنة ست وأربعين وأُنْفِذت إلى البلاد:
ولما انقضى الفتحُ الَّذي كانَ يُرتجىوأصبحَ حزبُ اللهِ أغلبَ غالبِ
وأنجزَنا وعدٌ من اللهِ صادقٌكفيلٌ بإبطال الظنون الكواذب
وساعدنا التَّوفيقُ حتَّى تبيَّنتمقاصدنا مشروحةً بالعواقب
وأذعن من عُليا هلال بن عامرأبيٌّ ولبَّى الأمرَ كلُّ مجانبِ
وهبُّوا إذا هبَّ النسيم كما سرىولم يتركوا بالشَّرقِ عُلْقة آيب
يَغَصُّ بهم عُرضُ الفَلاَ وهو واسعوقد زحموا الآفاقَ من كلِّ جانب
كأنَّ بسيطَ الأرضِ حَلْقَةُ خاتمٍبهم وخِضَمُّ البحرِ بعضُ المذانب
ومدَّ على حكمِ الصَّغارِ لسلمنايَدَيهِ عظيمُ الرُّومِ في حال راغب
يُصرِّحُ بالرؤيا وبين ضلوعهتنفُّسُ مذعورٍ وزفرةُ راهب
وَعَى من لسانِ الحالِ أفصحَ خُطْبةوما ضمنت عنه فِصاح القَواضب
وأبصَرَ مَتْن الأرضِ كِفَّةَ حابلٍعليه وما ضرَّاه في كفِّ حالب
أشَرْنا بأعناقِ الجياد إليكموعُجْنا عليكم من صدور الرّكائب
إلى بُقعةٍ قد بيَّنَ اللهُ فضلهابمن حلَّ فيها من وليٍّ وصاحب
على الصَّفوة الأدْنَين منَّا تحيَّةٌتوافيهمُ بين الصَّبا والجَنائب
وقال:
سألتُ من المليحةِ بُرءَ دائيبرَشْفِ بَرُودِها العذبِ المزاج
فما زالتْ تُقبِّلُ في جفونيوتَبْهرني بأصناف الحِجاج
وقالت إن طَرْفك كانَ أصلاًلدائك فلْيقَدَّم في العلاج
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٠٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع