تجاوز إلى المحتوى

من «تحفة القادم» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)

العبدري

أبو الأصبغ عيسى بن محمد العَبدريّ، المعروف بابن الواعظ، من أهل المرية سكن أَلشْ من أعمال مُرسية، وأنشدني أبو الربيع ابن سالم، قال: أنشدني أبو القاسم ابن الحذاء المُرسي، قال: أنشدنا أبو الأصبغ عيسى بن محمد بن عبد الله بن الواعظ العَبدريّ لنفسه في سُكناه بأَلش، وكان أصله من المرية:

عَدِمتُ بإخمالي وجوهاً من الإنْسفها أنا في الأيَّام مُستوحشُ النَّفسِ
برئتُ زماناً من حوادثَ أمرضتْوأَلشُ لَعمري أسلمتْني إلى النُّكس
أقمتُ بها كالسَّيفِ لازمَ جَفنَهوإن كنتُ حيّاً مثلَ مَن دُسَّ في رَمْس
فإنِّي بآدابي أتيتُ جزيرةًفعُوقبتُ منها بالإقامةِ في حَبسِ
وهل وحشةُ الإنسانِ إلاَّ بمثلهافَصِيح لسانٍ بين ألسنةٍ خُرْس
شَرَوْني رَخيصاً ليس يَدْرون قيمتيوقد تُشْتَرى الأعلاقُ بالثَّمنِ البَخسِ

ومن شعره مما ذكره عنه أبو عبد الله ابن عيّاد في مشيخة أبيه أبي عمر:

إن قيل في الصَّيف رَيحانٌ وفاكهةٌفالأرضُ مُغبرَّة والجوُّ مَحْرورُ
وإن يكُن في الخريفِ النخلُ مُختَرَفاًفالأرضُ مُربدَّةٌ والجوُّ مأسور
وإن يكُن في الشِّتاء الغيثُ مُنسكباًفالأرضُ مُبتلَّةٌ والجوُّ مَقْرور
ما الدَّهر إلاَّ الرَّبيع المُستنير إذاأتى الرَّبيعُ أتاكَ النَّوْرُ والنُّورُ
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
الأرضُ سُندسةٌ والجوُّ لُؤْلُؤَةٌوالنَّورُ فَيروزجٌ والماءُ بلّور
مَن شمَّ ريحَ تحيَّاتِ الرِّياضِ يَقُلْلا المسكُ مسكٌ ولا الكافورُ كافور

وكتب أبو بكر مالك ابن حِمير من أهل أَرْيُولة إلى أبي الأصبغ هذا:

رحلتُ وإنَّني من غير زادِوما قدَّمتُ شيئاً للمَعادِ
ولكنّي وثقتُ بجُودِ ربِّيوهل يَشقَى المُقِلُّ مع الجَوادِ

فقال في معناه:

رحلتُ بغير زادٍ للمَعادِولكنَّني نزلتُ على جوادِ
ومَن يرحلْ إلى مولًى كريمٍفما يحتاجُ في سَفَرٍ لزادِ

ولابن شرف في هذا المعنى، وأنشدناه أبو الرَّبيع عن أبي عبد الله:

رحلتُ وكنتُ ما أعددتُ زاداًولا قصَّرتُ في قُوتِ المُقيمِ
فها أنا ذا رحلتُ بغير زادٍولكنَّني نزلتُ على كريمِ

وذكرتُ أبيات المُصنفي في هذا المعنى:

قالتْ ليَ النَّفسُ أتاكَ الرَّدىوأنتَ في بحرِ الخَطايا مُقيمْ
وما ادّخرتَ الزّادَ قلتُ اقصريهل يُحملُ الزادُ لدارِ الكريمْ
واخَجْلتا منه إذ جئتُهوالعبدُ مطلوبٌ بدَينٍ قديمْ
وما أرى يطلبُني قد دَرىأنِّيَ محتاجٌ إليه عَديمْ
ولستُ محتاجاً إلى شاهدٍلأنَّ مولايَ بحالي عليمْ
للشاعر ابن الصباغ الجذامي، اقرأ القصيدة
وحكمه القِسْطُ ولا يَقتضيهلاكَ مِدْيانٍ بمال الغَريمْ

هي من آخر كلامه، متصلة بمَشهد حِمَامه.

وقد نظم الرئيسُ ﵀ صاحب مَنُورقة، أبو عثمان سعيد بن حكم القُرشي، في هذا المعنى:

يا رَبِّ إنِّي راحلٌ والزادُ ماعنديَ منه للرَّحيلِ عَتادُ
والوقتُ عنه ضَيِّق ولديك مايَسَعُ الوَرَى لهُمُ وأنت جَوادُ

وله أيضاً:

حان قُدومي على القديمِويَحسُن الظنُّ بالكريمِ
إن كانَ ذَنبي عظيماً اضحىفأين منه عَفْوُ العظيمِ
حَسْبِيَ أنِّي أَرجو لديهفضلَ غنيٍّ على عَديم

أفسد في صدر البيت الثاني والثالث من حيث الوزن، وقد وقع فيه جمهور من الشعراء.

قال ابن عيّاد: ومن شعره ما كتبه لأبي بخطّه ونقلتُه منه:

لا تَصحبِ السُّلطانَ في حالةٍصاحبُه ليثَ الشَّرى يَركبُ
يهابُهُ النَّاسُ لمركوبِهِوهْوَ لما يركبُهُ أهيبُ

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٠٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحفة القادم»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.