من «تحفة القادم» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)
ابن ذمام
أبو محمد عبد الله بن محمد بن ذِمَامٍ، الكاتب المُرسي: من أهل لَقَنْت - بفتح اللام والقاف وسكون النون وبعدها تاءٌ ثالثةُ الحروف - من عمل مرسية وسكن مالقة. وكان في أول أمره توجَّه إلى مرّاكش وتعلَّق بخدمة أبي الغَمر هلال ابن الأمير محمد بن مَرْدنيش، فكتب إليه أبوه الأستاذ أبو عبد الله مع رسالة يُشعره اللّحاقَ به وقد رغب إليه فيه:
إلى الحضرةِ العُليا المَسيرُ المحقَّقُبها أملٌ إنْ شاءهُ اللهُ يلحقُ
بها كعبةُ الآمال طُوبى لطائفٍيُقبِّلُ أرْكاناً لها ويُخلِّقُ
فطوبى لمنْ أمسى وقد حطَّ رَحْلَهُبساحةِ بابٍ للهُدى ليس يُغلَقُ
وتعساً لمنْ لم ينظِم الدَّهرُ شملَهُبمرّاكُشَ الغرَّاء حيث التأنُّقُ
فراجعه برسالةٍ يقول فيها:
بنانُك منْ بَحْر المعارِفِ تُنفقُوذهنُكَ للمعنى البديع موفَّقُ
فنظمُكَ درٌّ أنفَسُ الدُّرِّ دونَهونثرُكَ مِسكٌ طيِّبُ العَرْف يَعْبَقُ
وأنتَ مليكٌ للبلاغة كلِّهاوراياتُها من فوق رأسِكَ تخفِقُ
وللهِ بِكْرٌ بنتُ عشرٍ زفَفْتَهاتُعبِّر عن سحرٍ حَلالٍ وتنطِقُ
تجلَّتْ فجلَّتْ أن يُعارضَ حُسنُهاوكيف وفيها للمعالي تأنُّقُ
وما هو إلاَّ أن فضضْتُ ختامهافهيَّجَ بلبالي إليك التَّشوُّقُ
فيا ليتَ مُرَّ الشوقِ لم تَدْرِ طعمَهُويا ليتَ هذا البينَ لم يكُ يُخلقُ
فذاكَ للذَّاتِ التَّواصُلِ قاطعٌوهذا لشمل الأقرَبينَ مفرِّقُ
واقترح عليه أبو الغَمر المذكور أن يعارض أربعةً من أشعار الغناء، أولها:
يخُطُّ الشَّوقُ شَخْصَك في ضَميريعلى بُعْدِ التَّزاوُرِ خَطَّ زُورِ
فقال:
ملكتَ الفضلَ يا نَجْلَ ابنِ سَعْدٍفما لكَ في الأكارمِ من نَظيرِ
حُسامكَ حاسمٌ عَدْوَ الأعاديومالُكَ مُذْهِبٌ عُدْمَ الفقيرِ
ووَجهكَ إن تبدَّى في ظلامٍتجلَّى عن سنا قمرٍ مُنيرِ
لِذا سمَّاكَ مَنْ سمَّى هلالاًلإشراقٍ حُبيتَ به ونورِ
وثانيها:
أشاقك طيفٌ أخرَ اللَّيل منْ هندضمانٌ عليه أن يزورَ على بُعْدِ
فقال:
حكى دَمْعُها الجاري على صفحَةِ الخدِّنَثيرَ جُمانٍ قد تساقطَ من عِقْدِ
فقلتُ لها ما بالُ دمعِكِ جارياًفقالتْ لِما في القلب من ألم الوَجْدِ
ولولا لهيبٌ ظلَّ بين جَوانحييُجفِّفُ دمعي كان كالسيل في المدِّ
وما يُطفئُ الجَمْرَ المضرَّمَ في الحشاسوى وصلِ مَوْلانا هلالٍ أبي سَعْدِ
وثالثُها:
أُعانِقُ غُصْنَ البانِ منها تعلُّلاًفأُنكرُهُ مَسّاً وأعرفُهُ قدّا
فقال:
شكتْ يا لها تشكو لفَرْطِ صبابةٍولوعةِ وجدٍ ألبستها الضَّنى بُرْدا
وقالتْ ودمعُ العينِ في وَرْدِ خدِّهايُريكَ جُمان الطَّلِّ إذْ بلَّلَ الوَرْدا
أيا قمرٌ رِفْقاً على القلبِ إنَّهسَقيمٌ ضعيفٌ ليس يَحتمِلُ الصَّدَّا
فلو حمّلتْ شُمُّ الجِبال من الهوَىكبعض الَّذي حُمّلتهُ هدَّها هدَّا
ورابعُها:
صحا القلبُ عن سلمى وعُلِّق زَيْنَباوعاودَهُ أضعافُ ما قد تجنَّبا
فقال:
إذا نَمَّتِ الأزهارُ واعتلَّتِ الصَّباوهيَّجتِ الألحانُ أشْجانَ منْ صبا
ودارَتْ كؤوسٌ للمُدامِ تَخالُهالرِقَّةِ ما فيها لُجَيْناً مُذَهَّبا
تهُزُّ هلالاً للمكارمِ هزَّةًكهزّ القنا يومَ الكريهةِ والظُّبا
ففي حالةِ الإفضال يشبهُ حاتماًوفي حالة الإقْدام يحكي المُهَلَّبا
ومن شعره والرابع مُضَمَّن:
نَفى نَوْمي وهيَّجَ لي خياليفِراقٌ لم يكنْ يجري ببالي
وكنَّا قبلَه في خَفْضِ عَيْشٍوأُنْسٍ وانتظامٍ واتّصالِ
فشتّتنا الفِراقُ وروَّعَتْنامَطيُّ البَيْنِ تُدْنى لارتحالِ
فلو نُعْطى الخيارَ لما افترَقْناولكن لا خيارَ مع اللَّيالي
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٠٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع