من «تحفة القادم» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)
أبو الرَّبيع العبدري
أبو الرَّبيع سليمان بن أحمد بن عليّ بن أبي غالب العبدري الكاتب، من أهل دانية وسكن مرّاكش بعد تجوله ببلاد الأندلس، وكان جدّه عليّ وأبوه أحمد وأخواه محمد ويحيى شعراء ولبيتهم نباهة. وولي أبو العباس منهم قضاء مالقة وامتحن في قصّة عليّ الجزيري الثائر حين اشتدّ الطلب عليه وقد خيب من كان يجلس إليه، وقيل إنَّه أطلق أخاه من السجن بمالقة بألف دينار رشوةً فأُسلم إلى صاحب الشرطة فضربه ألف سوط فهلك قبل استيفائها، وأُمر به فصُلب بإزاء جذع الجزيري، وذلك في سنة ستّ وثمانين وخمسمائة، فقال ابنه أبو الرَّبيع هذا يرثيه:
يا من رأى بَدْرَ الدُّجى لِتمامهِعَبَثتْ بهِ أيْدي الزَّمان تصَرُّفا
ولَقدْ نظرتُ إليهِ يومَ أقلَّهُكالرمْحِ عُرِّضَ من سنانٍ أُرْهَفا
جَهِدَ الترابُ به ليستُرَ شخصَهُفإذا به قد كان منهُ ألْطَفا
وكأنَّه رام اللِّحاق بعالم العُلْوِ الَّذي هو منهمُ فاستوقِفا
وشجاه نَوحُ الباكياتِ لِفَقْدهفثوى هنالك رقَّةً وتعطُّفا
وقال فيه أيضاً:
جهلاً لمثلك أن يبكي لما قدراأو أن يقول أسًى يا ليته قبرا
لو لمْ تُقدَّرْ عليه ميتَةٌ سَبقتْورامها كلُّ أهْلِ الأرضِ ما قدرا
فاضَتْ جُفونُك أن قاموا بأعظُمهِوقد تطايرَ عنها اللَّحْمُ وانْتَثرا
وأوْثَقوه إلى جِذْعٍ بِموثقَةٍيُنكِّسُ الطَّرْفَ عنها كلُّ من نظرا
ضاقتْ به الأرضُ ممَّا كانَ حمَّلهامن الأيادي فمجَّتْ شِلْوَهُ ضَجرا
وعَزَّ إذ ذاك أنْ يَحْظى بهِ كَفنٌفما تَسَرْبلَ إلاَّ الشَّمسَ والقمرا
لم تَضْحَ أعْظُمهُ يوماً ولا ظَمِئتْقلبي لهُنَّ ودمْعي مُزْنَةٌ وثَرى
منها:
وليلةٍ من خطيئاتِ الزَّمان مَضتْحالفْتُ فيها الأسى والدَّمعَ والسَّهَرا
غنَّى بها الكَبْلُ إذ عنَّى فأسْمَعَنيفي رِجْل أحمدَ يحكي حيَّةً ذَكرا
يا أحمدَ بنَ عليٍّ هُبَّ من وَسنٍفما عَهِدْتُك تَكْرى قبْلها سَحرا
تاقَ الدُّجى والمُصلَّى تحت غَيْهَبهِإلى تِلاوتك الآياتِ والسُّوَرا
قدْ كنتَ فيه سِراجاً نستَضيءُ بهِحتَّى إذا ما خَبَتْ أنوارُك اعْتَكرا
وقال وقد أنزل من عوده ودفنه:
خليلي لو ترى في حمصَ دَفْنيأبي لَهَجرْتَ طُعْمَك والمناما
أُواريه بسَتْرٍ من ضريحٍكأنِّي مُغمدٌ منهُ حُساما
كأنَّ مَحاجري ودَقَتْ لديهِعشيّةَ قُمْتُ أدْفِنُه غَماما
وقال وقد توفّيت والدته:
طوى القَمرينِ التُّربُ عن أعين الورىبميْتِ عُلاً ماتت على إثْرِه العِرسُ
فأصْبَحتِ الغَبْراءُ خضراءَ منهُمابآيةِ ما قد حلَّها البدرُ والشَّمسُ
وقال يصف خيلاناً:
ولِلألبابِ من خَدَّيْ سُليْمىدواعٍ للجنونِ ولِلْفُتونِ
وما الخيلانُ أبْصرَ من رآهاألا رُدَّ الحديثَ إلى يقينِ
ولكنْ فوق صفحتِها صقالٌتمثَّلُ فيه أحْداقُ الجُفونِ
وله في شكوى الزمن:
أخي عوفيتَ والبلوى ضروبٌتعمُّ وتارة تأتي اختصاصا
تعالَ فخذْ بحظِّك من هموميودعْ أطلال هندٍ والعِراصا
وباكِ أخاك دنيا قد تولَّتْودهراً ينهكُ العمرَ انتقاصا
وما أنهيتُ نفسي في المعاليولا أدركتُ في ثأرٍ قصاصا
فليت العيشَ إذ لم يُقْضَ محضاًرُزِقْتُ إذا انقضى منه الخلاصا
وله يصف ناراً:
ولقد نعمتُ بنارِ فحمٍ أصبحتْتختالُ بين معصفرٍ ومورّدِ
إلاَّ بقايا كالدُّجى مسودةًأو مثلِ أصداغ الجواري الخرَّدِ
فكأنما يبدو لعيني منهماحبرٌ أُريقَ على سبائكِ عسجدِ
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٠٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع