تجاوز إلى المحتوى

من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

العيب فى الإعراب

فيه ٢٢ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وقد يضطرّ الشاعر فيسكّن ما كان ينبغى (له) أن يحرّكه، كقول لبيد:

ترّاك أمكنة إذا لم أرضهاأو يعتلق بعض النّفوس حمامها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

يريد: أترك المكان الذى لا أرضاه إلى أن أموت، لا أزال أفعل ذلك.

و «أو» هاهنا بمنزلة «حتى». وكقول امرئ القيس:

فاليوم أشرب غير مستحقبإثما من الله ولا واغل

ولولا أنّ النحويّين يذكرون هذا البيت ويحتجّون به فى تسكين المتحرّك لاجتماع الحركات، وأنّ كثيرا من الرواة يروونه هكذا، لظننته.

فاليوم أسقى غير مستحقب

قال أبو محمد: وقد رأيت سيبويه يذكر بيتا يحتجّ به فى نسق الاسم المنصوب على المخفوض، على المعنى لا على اللفظ، وهو قول الشاعر:

معاوى إنّنا بشر فأسجحفلسنا بالجبال ولا الحديدا
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة

قال: كأنّه أراد: لسنا الجبال ولا الحديدا، فردّ الحديد على المعنى قبل دخول الباء. وقد غلط على الشاعر، لأنّ هذا الشعر كلّه مخفوض.

قال الشاعر:

فهبها أمّة ذهبت ضياعايزيد أميرها وأبو يزيد
أكلتم أرضنا وجردتموهافهل منّ قائم أو من حصيد

ويحتجّ أيضا بقول الهذلىّ فى كتابه، وهو قوله:

يبيت على معارى فاخراتبهنّ ملوّب كدم العباط

وليست هاهنا ضرورة فيحتاج الشاعر إلى أن يترك صرف «معار» ولو قال

يبيت على معار فاخرات

كان الشعر موزونا والإعراب صحيحا.

قال أبو محمد: وهكذا قرأته على أصحاب الأصمعىّ.

وكقوله فى بيت آخر:

ليبك يزيد ضارع لخصومةومختبط ممّا تطيح الطوائح
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «لعمري لئن أمسى يزيد بن نهشل»

وكان الأصمعىّ ينكر هذا ويقول: ما اضطرّه إليه؟ وإنّما الرواية:

ليبك يزيد ضارع لخصومة

وكذلك قول الفرّاء:

فلئن قوم أصابوا عزّةوأصبنا من زمان رنقا
للقد كانوا لدى أزماتهلصنيعين لبأس وتقى

هو فلقد كانوا وهذا باطل.

وكذلك قوله:

من كان لا يزعم أنّى شاعرفيدن منّى تنهه المزاجر

إنّما هو فليدن منى وبه يصحّ أيضا وزن الشعر.

وكذلك قوله:

فقلت ادعى وأدع فإنّ أندىلصوت أن ينادى داعيان

إنما هو:

فقلت ادعى وأدعو إنّ أندى

(وكقول الفرزدق:

رحت وفى رجليك عقّالةوقد بدا هنك من المئزر
للشاعر الأُقَيشِرِ الأَسَدِيّ، اقرأ القصيدة

وقد يضطرّ الشاعر فيقصر الممدود، وليس له أن يمدّ المقصور. وقد يضطرّ فيصرف غير المصروف، وقبيح ألّا يصرف المصروف. وقد جاء فى الشعر، كقول العبّاس بن مرداس (السّلمىّ):

وما كان بدر ولا حابسيفوقان مرداس فى مجمع

وأمّا ترك الهمز من المهموز فكثير واسع، لا عيب فيه على الشاعر.

والذى لا يجوز أن يهمز غير المهموز.

وليس للمحدث أن يتّبع المتقدّم فى استعمال وحشىّ الكلام الذى لم يكثر، ككثير من أبنية سيبويه، واستعمال اللّغة القليلة فى العرب، كإبدالهم الجيم من الياء، كقول القائل

يا رب إن كنت قبلت حجّتج

يريد «حجّتى» وكقولهم «جمل بختجّ» يريدون «بختىّ» و «علجّ» يريدون «علىّ».

وإبدالهم الياء من الحرف فى الكلمة المخفوضة، كقول الشاعر:

لها أشارير من لحم تتمّرهمن الثّعالى ووخز من أرانيها

يريد «منّ أرانبها». وكقول الآخر:

ولضفادى جمّه نقانق

يريد «ضفادع ».

وكإبدالهم الواو من الألف، كقولهم «أفعو» و «حبلو» (يريدون أفعى وحبلى) وقال ابن عباس: لا بأس برمى الحدو (للمحرم).

وأستحبّ له ألّا يسلك فيما يقول الأساليب التى لا تصحّ فى الوزن ولا تحلو فى الأسماع، كقول القائل:

قل لسليمى إذا لاقيتهاهل تبلغنّ بلدة إلا بزاد
قل للصّعاليك لا تستحسروامن التماس وسير فى البلاد
فالغزو أحجى على ما خيّلتمن اضطجاع على غير وساد
لو وصل الغيث أبناء امرئكانت له قبّة سحق بجاد
وبلدة مقفر غيطانهاأصداؤها مغرب الشّمس تناد
قطعتها صاحبى حوشيّةفى مرفقيها عن الزّور تعاد

وكقول المرقّش:

هل بالدّيار أن تجيب صمملو أنّ حيّا ناطقا كلّم
يأبى الشّباب الأقورين ولاتغبط أخاك أن يقال حكم

قال أبو محمد: وهذا يكثر، وفيما ذكرت منه ما دلّك على ما أردت من اختيارك أحسن الروىّ، وأسهل الألفاظ، وأبعدها من التعقيد والاستكراه، وأقربها من إفهام العوامّ. وكذلك أختار للخطيب إذا خطب، والكاتب إذا كتب. فإنّه يقال: أسير الشعر والكلام المطمع، يراد الذى يطمع فى مثله من سمعه، وهو مكان النجم من يد المتناول.

قال أبو محمد: وقد أودعت «كتاب العرب» فى الشعر أشياء من هذا الفنّ ومن غيره، وستراها هناك مجموعة كافية، إن شاء الله ﷿.

النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «الشعر والشعراء»