من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
أقسام الشعر
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
قال أبو محمّد: تدبّرت الشعر فوجدته أربعة أضرب.
ضرب منه حسن لفظه وجاد معناه، كقول القائل فى بعض بنى أميّة:
فى كفّه خيزران ريحه عبقمن كفّ أروع فى عرنينه شمم
يغضى حياء ويغضى من مهابتهفما يكلّم إلّا حين يبتسم
لم يقل فى الهيبة شىء أحسن منه.
وكقول أوس بن حجر:
أيّتها النّفس أجملى جزعاإنّ الّذى تحذرين قد وقعا
لم يبتدىء أحد مرثية بأحسن من هذا.
وكقول أبى ذؤيب.
والنّفس راغبة إذا رغّبتهاوإذا ترد إلى قليل تقنع
حدثنى الرّياشىّ عن الأصمعىّ، قال: هذا أبدع بيت قال العرب.
وكقول حميد بن ثور:
أرى بصرى قد رابنى بعد صحّةوحسبك داء أن تصحّ وتسلما
ولم يقل فى الكبر شىء أحسن منه.
وكقول النّابغة:
كلينى لهمّ يا أميمة ناصبوليل أقاسيه بطىء الكواكب
لم يبتدىء أحد من المتقدمين بأحسن منه ولا أغرب.
ومثل هذا (فى الشعر) كثير، ليس للإطالة به فى هذا الموضع وجه، وستراه عند ذكرنا أخبار الشعراء.
وضرب منه حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتّشته لم تجد هناك فائدة فى المعنى، كقول القائل:
ولمّا قضينا من منى كلّ حاجةومسّح بالأركان من هو ماسح
وشدّت على حدب المهارى رحالناولا ينظر الغادى الذى هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بينناوسالت بأعناق المطىّ الأباطح
هذه الألفاظ كما ترى، أحسن شىء مخارج ومطالع ومقاطع، وإن نظرت (إلى) ما تحتها من المعنى وجدته: ولما قطعنا أيّام منّى، واستلمنا الأركان، وعالينا إبلنا الأنضاء، ومضى الناس لا ينتظر الغادى الرائح، ابتدأنا فى الحديث، وسارت المطىّ فى الأبطح.
وهذا الصنف فى الشعر كثير.
ونحوه قول المعلوط:
إنّ الذين غدوا بلبّك غادرواوشلا بعينك ما يزال معينا
غيّضن من عبراتهنّ وقلن لىماذا لقيت من الهوى ولقينا
ونحوه قول جرير:
يا أخت ناجية السّلام عليكمقبل الرحيل وقبل لوم العذّل
لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكميوم الرّحيل فعلت ما لم أفعل
وقوله:
بان الخليط ولو طوّعت ما باناوقطّعوا من حبال الوصل أقرانا
إنّ العيون التى فى طرّفها مرضقتّلننا ثمّ لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللبّ حتى لا حراك بهوهنّ أضعف خلق الله أركانا
وضرب منه جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه، كقول لبيد بن ربيعة:
ما عاتب المرء الكريم كنفسهوالمرء يصلحه الجليس الصّالح
هذا وإن كان جيّد المعنى والسبك فإنّه قليل الماء والرّونق.
وكقول النابغة (للنّعمان):
خطاطيف حجن فى حبال متينةتمدّ بها أبد إليك نوازع
قال أبو محمّد: رأيت علماءنا يستجيدون معناه، ولست أرى ألفاظه جيادا ولا مبيّنة لمعناه، لأنّه أراد: أنت فى قدرتك علىّ كخطاطيف عقّف يمدّ بها، وأنا كدلو تمدّ بتلك الخطاطيف. وعلى أنى أيضا لست أرى المعنى جيّدا.
وكقول الفرزدق:
والشّيب ينهض فى الشّباب كأنّهليل يصيح بجانبيه نهار
وضرب منه تأخّر معناه وتأخّر لفظه، كقول الأعشى فى امرأة:
وفوها كأقاحىّغذاه دائم الهطل
كما شيب براح بارد من عسل النّحل
وكقوله:
إنّ محلّا وإنّ مرتحلاوإنّ فى السّفر ما مضى مهلا
استأثر الله بالوفاء وبالحمد وولّى الملامة الرّجلا
والأرض حمّالة لما حمّل الّلهـ وما إن تردّ ما فعلا
يوما تراها كشبه أرّدية العصب ويوما أديمها نغلا
وهذا الشعر منحول، ولا أعلم فيه شيئا يستحسن إلّا قوله:
يا خير من يركب المطىّ ولايشرب كأسا بكفّ من بخلا
يريد أنّ كلّ شارب يشرب بكفّه، وهذا ليس ببخيل فيشرب بكفّ من بخل. وهو معنى لطيف.
وكقول الخليل بن أحمد العروضى:
إنّ الخليط تصدّعفطر بدائك أوقع
لولا جوار حسانحور المدامع أربع
أمّ البنين وأسماء والرّباب وبوزع
لقلت للرّاحل ارحلإذا بدا لك أو دع
وهذا الشعر بيّن التكلّف ردىء الصنعة. وكذلك أشعار العلماء، ليس فيها شىء جاء عن إسماح وسهولة، كشعر الأصمعىّ، وشعر ابن المقفّع، وشعر الخليل، خلا خلف الأحمر، فإنّه (كان) أجودهم طبعا وأكثرهم شعرا.
ولو لم يكن فى هذا الشعر إلا «أمّ البنين» و «بوزع» لكفاه! فقد كان جرير أنشد بعض خلفاء بنى أميّة قصيدته التى أوّلها:
بان الخليط برامتين فودّعواأو كلّما جدّوا لبين تجزع
كيف العزاء ولم أجد مذ بنتمقلبا يقرّ ولا شرابا ينقع
وهو يتحفّز ويزحف من حسن الشعر، حتّى إذا بلغ إلى قوله:
وتقول بوزع قد دببت على العصاهلّا هزئّت بغيرنا يا بوزع!
قال له: أفسدت شعرك بهذا الاسم، وفتر.
قال أبو محمّد: وقد يقدح فى الحسن قبح اسمه، كما ينفع القبيح حسن اسمه، ويزيد فى مهانة الرجل فظاعة اسمه، وتردّ عدالة الرجل بكنيته ولقبه. ولذلك قيل: اشفعوا بالكنى، فإنّها شبهة.
وتقدّم رجلان إلى شريح، فقال أحدهما: ادع أبا الكويفر ليشهد، فتقدّم شيخ فردّه شريح ولم يسأل عنه، وقال: لو كنت عدلا لم ترض بها. وردّ آخر يلقّب «أبا الذّبّان» ولم يسأل عنه.
وسأل عمر رجلا أراد أن يستعين به (على أمر) عن اسمه واسم أبيه، فقال: ظالم بن سرّاق، فقال: تظلم أنت ويسرق أبوك! ولم يستعن به.
وسمع عمر بن عبد العزيز رجلا يدعو رجلا: يا أبا العمرين، فقال: لو كان له عقل كفاه أحدهما! ومن هذا الضرب قول الأعشى:
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعنىشاو مشلّ شلول شلشل شول
وهذه الألفاظ الأربعة فى معنى واحد، وكان قد يستغنى بأحدها عن جميعها. وماذا يزيد هذا البيت أن كان للأعشى أو ينقص؟
و قول أبى الأسد، وهو من المتأخرين الأخفياء:
ولائمة لامتك يا فيض فى النّدىفقلت لها: لن يقدح اللّوم فى البحر
أرادت لتثنى الفيض عن عادة النّدىومن ذا الّذى يثنى السّحاب عن القطر
مواقع جود الفيض فى كلّ بلدةمواقع ماء المزن فى البلد القفر
كأنّ وفود الفيض حين تحمّلواإلى الفيض وافوا عنده ليلة القدر
وهو القائل:
ليتك آذنتنى بواحدةتكون لى منك سائر الأبد
تحلف ألّا تبرّنى أبدافإنّ فيها بردا على كبدى
إن كان رزقى إليك فارم بهفى ناظرى حيّة على رصد
ومن هذا الضرب أيضا قول المرقّش:
هل بالدّيار أن تجيب صمملو أنّ حيّا ناطقا كلم
يأبى الشّباب الأقورين ولاتغبط أخاك أن يقال حكم
والعجب عندى من الأصمعى، إذ أدخله فى متخيّره، وهو شعر ليس بصحيح الوزن، ولا حسن الرّوىّ، ولا متخيّر اللفظ، ولا لطيف المعنى ولا أعلم فيه شيئا يستحسن إلّا قوله:
النّشر مسك والوجوه دنانير وأطراف الأكفّ عنم
ويستجاد منه قوله:
ليس على طول الحياة ندمومن وراء المرء ما يعلم
وكان الناس يستجيدون للأعشى قوله:
وكأس شربت على لذةوأخرى تداويت منها بها
حتى قال أبو نواس:
دع عنك لومى فإنّ اللّوم إغراءوداونى بالتى كانت هى الدّاء
فسلخه وزاد فيه معنى آخر، اجتمع له به الحسن فى صدره وعجزه، فللأعشى فضل السّبق إليه، ولأبى نواس فضل الزيادة فيه.
وقال الرشيد للمفضّل الضبىّ:
اذكر لى بيتا جيد المعنى يحتاج إلى مقارعة الفكر فى استخراج خبيئه ثمّ دعنى وإيّاه. فقال له المفضّل: أتعرف بيتا أوّله أعرابى فى شملته، هابّ من نومته، كأنّما صدر عن ركب جرى فى أجفانهم الوسن فركد، يستفزّهم بعنجهيّة البدو، وتعجرف الشّدو، وآخره مدنىّ رقيق، قد غذّى بماء العقيق؟
قال: لا أعرفه، قال: هو بيت جميل بن معمر:
ألا أيّها الرّكب النيام ألا هبّوا
ثمّ أدركته رقّة المشوق فقال:
أسائلكم: هل يقتل الرّجل الحبّ؟
قال: صدقت، فهل تعرف أنت الآن بيتا أوّله أكثم بن صيفىّ فى أصالة الرأى ونبل العظة، وآخره إبّقراط فى معرفته بالداء والدواء؟ قال المفضّل:
قد هوّلت علّى، فليت شعرى بأىّ مهر تفترع عروس هذا الخدر؟ قال:
بإصغائك وإنصافك، وهو قول الحسن بن هانئ:
دع عنك لومى فإنّ اللّوم إغراءوداونى بالّتى كانت هى الدّاء
قال أبو محمّد: وسمعت بعض أهل الأدب يذكر أنّ مقصّد القصيد إنّما ابتدأ فيها بذكر الديار والدّمن والآثار، فبكى وشكا، وخاطب الرّبع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سببا لذكر أهلها الظاعنين (عنها)، إذ كان نازلة العمد فى الحلول والظّعن على خلاف ما عليه نازلة المدر، لانتقالهم عن ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلأ، وتتبّعهم مساقط الغيث حيث كان. ثم وصل ذلك بالنسيب، فشكا شدّة الوجد وألم الفراق، وفرط الصبابة والشوق، ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، وليستدعى (به) إصغاء الأسماع (إليه)، لأنّ التشبيب قريب من النفوس، لائط بالقلوب، لما (قد) جعل الله فى تركيب العباد من محبّة الغزل، وإلف النساء، فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلّقا منه بسبب، وضاربا فيه بسهم، حلال أو حرام. فإذا (علم أنّه قد) استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له، عقّب بإيجاب الحقوق، فرحل فى شعره، وشكا النّصب والسّهر، وسرى الليل وحرّ الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير. فإذا علم أنّه (قد) أوجب على صاحبه حقّ الرجاء، وذمامة التأميل، وقرّر عنده ما ناله من المكاره فى المسير، بدأ فى المديح، فبعثه على المكافأة، وهزّه للسّماح، وفضّله على الأشباه، وصغّر فى قدره الجزيل.
فالشاعر المجيد من سلك هذه الأسالب، وعدّل بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحدا منها أغلب على الشعر، ولم يطل فيملّ السامعين، ولم يقطع وبالنفوس ظمآء إلى المزيد.
فقد كان بعض الرّجّاز أتى نصر بن سيّار والى خراسان لبنى أميّة، فمدحه بقصيدة، تشبيبها مائة بيت، ومديحها عشرة أبيات، فقال نصر: والله ما بقّيت كلمة عذبة ولا معنى لطيفا إلّا وقد شغلته عن مديحى بتشبيبك، فإن أردت مديحى فاقتصد فى النسيب، فأتاه فأنشده:
هل تعرف الدّار لأمّ الغمردع ذا وحبّر مدحة فى نصر
فقال نصر: لا ذلك ولا هذا ولكن بين الأمرين.
وقيل لعقيل بن علّفة: ما لك لا تطيل الهجاء؟
فقال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق.
وقيل لأبى المهوّش الأسدى: لم لا تطيل الهجاء؟
فقال: لم أجد المثل السائر إلّا بيتا واحدا.
وليس لمتأخّر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدّمين فى هذه الأقسام، فيقف على منزل عامر، أو يبكى عند مشيّد البنيان، لأنّ المتقدّمين وقفوا على المنزل الدائر، والرسم العافى. أو يرحل على حمار أو بغل ويصفهما، لأنّ المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير. أو يرد على المياه العذاب الجوارى، لأنّ المتقدّمين وردوا على الأواجن الطّوامى. أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والآس والورد، لأنّ المتقدّمين جروا على قطع منابت الشيخ والحنوة والعرارة.
قال خلف الأحمر: قال لى شيخ من أهل الكوفة: أما عجبت من الشاعر قال:
أنبت قيصوما وجثجاثا
فاحتمل له، وقلت أنا:
أنبت إجّاصا وتفّاحا
فلم يحتمل لى؟
وليس له أن يقيس على اشتقاقهم، فيطلق ما لم يطلقوا.
قال الخليل (بن أحمد): أنشدنى رجل:
ترافع العزّ بنا فارفنععا
فقلت. ليس هذا شيئا، فقال: كيف جاز للعجّاج أن يقول:
تقاعس العزّ بنا فاقعنسسا
ولا يجوز لى؟! ومن الشعراء المتكلّف والمطبوع:
فالمتكلّف هو الذى قوّم شعره بالثّقاف، ونقّحه بطول التفتيش، وأعاد فيه النظر بعد النظر، كزهير والحطيئة. وكان الأصمعىّ يقول: زهير والحطيئة وأشباههما (من الشعراء) عبيد الشعر، لأنهم نقّحوه ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين. وكان الحطيئة يقول: خير الشعر الحولىّ المنقح المحكّك.
وكان زهير يسمّى كبر قصائده الحوليّات.
وقال سويد بن كراع، (يذكر تنقيحه شعره):
أبيت بأبواب القوافى كأنّماأصادى بها سربا من الوحش نزّعا
أكالئها حتّى أعرس بعد مايكون سحيرا أو بعيد فأهجعا
إذا خفت أن تروى علىّ رددتهاوراء التّراقى خشية أن تطلّعا
وجشّمنى خوف ابن عفّان ردّهافثقّفتها حولا جريدا ومربعا
وقد كان فى نفسى عليها زيادةفلم أر إلّا أن أطيع وأسمعا
وقال عدىّ بن الرّقاع:
وقصيدة قد بت أجمع بينهاحتّى أقوّم ميلها وسنادها
نظر المثقّف فى كعوب قناتهحتّى يقيم ثقافه منآدها
وللشعر دواع تحث البطىء وتبعث المتكلّف، منها الطمع ومنها الشوق، ومنها الشراب، ومنها الطرب، ومنها الغضب.
وقيل للحطيئة، أىّ الناس أشعر؟ فأخرج لسانا دقيقا كأنّه لسان حيّة، فقال: هذا إذا طمع.
وقال أحمد بن يوسف الكاتب لأبى يعقوب الخريمىّ: مدائحك لمحمّد ابن منصور بن زياد، يعنى كاتب البرامكة، أشعر من مراثيك فيه وأجود؟ فقال:
كنّا يومئذ نعمل على الرجاء، ونحن اليوم نعمل على الوفاء، وبينهما بون بعيد.
وهذه عندى قصّة الكميت فى مدحه بنى أميّة وآل أبى طالب، فإنّه كان يتشيّع وينحرف عن بنى أميّة بالرأى والهوى، وشعره فى بنى أميّة أجود منه فى الطالبيين، ولا أرى علة ذلك إلّا قوّة أسباب الطمع وإيثار النفس لعاجل الدنيا على آجل الآخرة.
وقيل لكثيّر: يا أبا صخر كيف تصنع. إذا عسر عليك قول الشعر؟
قال: أطوف فى الرّباع المخلية والرياض المعشبة، فيسهل على أرصنه، ويسرع إلىّ أحسنه.
ويقال أيضا إنّه لم يستدع شارد الشعر بمثل الماء الجارى والشرف العالى والمكان الخضر الخالى.
وقال الأحوص:
وأشرفت فى نشز من الأرض يافعوقد تشعف الأيفاع من كان مقصدا
وإذا شعفته الأيفاع مرته واستدرتّه.
وقال عبد الملك بن مروان لأرطاة بن سهيّة: هل تقول الآن شعرا؟
فقال: (كيف أقول وأنا) ما أشرب ولا أطرب ولا أغضب، وإنما يكون الشعر بواحدة من هذه.
وقيل للشّنفرى حين أسر: أنشد، فقال: الإنشاد على حين المسرّة، ثم قال:
فلا تدفنونى إنّ دفنى محرّمعليكم ولكن خامرى أمّ عامر
إذا حملوا رأسى وفى الرأس أكثرىوغودر عند الملتقى ثمّ سائرى
هنالك لا أرجو حياة تسرّنىسمير الليالى مبسلا بالجرائر
وللشعر تارات يبعد فيها قريبه، ويستصعب (فيها) ريّضه.
وكذلك الكلام المنثور فى الرسائل والمقامات والجوابات، فقد يتعذّر على الكاتب الأديب وعلى البليغ الخطيب. ولا يعرف لذلك سبب، إلّا أن يكون من عارض يعترض على الغريزة من سوء غذاء أو خاطر غمّ.
وكان الفرزدق يقول: أنا أشعر تميم (عند تميم)، وربما أتت علىّ ساعة ونزع ضرس أسهل علىّ من قول بيت.
وللشعر أوقات يسرع فيها أتيّه، ويسمح (فيها) أبيّه. منها أوّل الليل قبل تغشّى الكرى، ومنها صدر النهار قبل الغداء، ومنها يوم شرب الدواء، ومنها الخلوة فى الحبس والمسير.
ولهذه العلل تختلف أشعار الشاعر ورسائل الكتاب.
وقالوا فى شعر النابغة الجعدىّ: خمار بواف ومطرف بآلاف.
ولا أرى غير الجعدىّ فى هذا الحكم إلّا كالجعدىّ، ولا أحسب أحدا من أهل التمييز والنظر، نظر بعين العدل وترك طريق التقليد، يستطيع أن يقدّم أحدا من المتقدّمين المكثرين على أحد إلّا بأن يرى الجيّد فى شعره أكثر من الجيّد فى شعر غيره.
ولله درّ القائل: أشعر الناس من أنت فى شعره حتّى تفرغ منه.
وقال العتبى: أنشد مروان بن أبى حفصة لزهير فقال: زهير أشعر الناس، ثمّ أنشد للأعشى فقال: (بل) هذا أشعر الناس، ثمّ أنشد لامرئ القيس فكأنما سمع به غناء على شراب، فقال: امرؤ القيس والله أشعر الناس.
وكل علم محتاج إلى السماع. وأحوجه إلى ذلك علم الدين، ثمّ الشعر، لما فيه من الألفاظ الغريبة، واللّغات المختلفة، والكلام الوحشىّ، وأسماء الشجر والنبات والمواضع والمياه. فإنّك لا تفصل فى شعر الهذليّين إذا أنت لم تسمعه بين «شابة» و «ساية» وهما موضعان، ولا تثق بمعرفتك فى حزم نبايع وعروان الكراث، وشسّى عبقر، وأسد حلية، وأسد ترج، ودفاق، وتضارع، وأشباه هذا لأنّه لا يلحق بالذكاء والفطنة، كما يلحق مشتقّ الغريب.
وقرئ يوما على الأصمعىّ فى شعر أبى ذؤيب:
بأسفل ذات الدّير أفرد جحشها
فقال أعرابىّ حضر المجلس للقارئ: ضلّ ضلالك (أيها القارئ)! إنّما هى «ذات الدّبر» وهى ثنيّة عندنا، فأخذ الأصمعىّ بذلك فيما بعد.
ومن ذا من الناس يأخذ من دفتر شعر المعذّل بن عبد الله فى وصف الفرس:
من السّحّ جوّالا كأنّ غلامهيصرّف سبدا فى العنان عمرّدا
إلّا قرأه «سيدا» يذهب إلى الذئب، والشعراء (قد) تشبه الفرس بالذئب، وليست الرواية المسموعة (عنهم) إلّا «سبدا». قال أبو عبيدة:
المصحّفون لهذا الحرف كثير، يروونه «سيدا» (أى ذئبا)، وإنّما هو «سبد» بالباء معجمة بواحدة، يقال «فلان سبد أسباد» أى داهية دواه.
وكذلك قول الآخر:
زوجك يا ذات الثّنايا الغرّالرّتلات والجبين الحرّ
يرويه المصحّفون والآخذون عن الدفاتر «الرّبلات» وما «الربلات» من الثنايا والجبين؟! وهى أصول الفخذين، يقال: «رجل أربل» إذا كان عظيم الرّبلتين، (أى عظيم الفخذين)، وإنّما هى «الرّتلات» بالتاء، يقال: «ثغر رتل» إذا كان مفلّجا.
وليس كلّ الشعر يختار (ويحفظ) على جودة اللفظ والمعنى، ولكنّه قد يختار ويحفظ على أسباب:
منها الإصابة فى التشبيه، كقول القائل فى وصف القمر:
بدأن بنا وابن اللّيالى كأنّهحسام جلت عنه القيون صقيل
فما زلت أفنى كلّ يوم شبابهإلى أن أتتك العيس وهو ضئيل
وكقول الآخر فى مغنّ:
كأنّ أبا الشّموس إذا تغنّىيحاكى عاطسا فى عين شمس
يلوك بلحيه طورا وطوراكأنّ بلحيه ضربان ضرس
وقد يحفظ ويختار على خفّة الرّوىّ، كقول الشاعر:
يا تملك يا تملىصلينى وذرى عذلى
ذرينى وسلاحى ثمّ شدّى الكفّ بالغزل
ونبلى وفقاها كعراقيب قطا طحل
ومنّى نظرة بعدىومنّى نظرة قبلى
وثوباى جديدانوأرخى شرك النّعل
وإمّا متّ يا تملىفكونى حرّة مثلى
وهذا الشعر ممّا اختاره الأصمعىّ (بخفّة رويّه).
وكقول الآخر:
ولو أرسلت من حبك مبهوتا من الصّين
لوافيتك قبل الصّبح أو حين تصلّين
وكان يتمثّل بهذا كثيرا، وقال: المبهوت من الطير الّذى يرسل من بعد قبل أن يدرج.
وقد يختار ويحفظ لأنّ قائله لم يقل غيره، أو لأنّ شعره قليل عزيز، كقول عبد الله بن أبىّ بن سلول المنافق:
متى ما يكن مولاك خصمك لا تزلتذلّ ويعلوك الّذين تصارع
وهل ينهض البازى بغير جناحهوإن قصّ يوما ريشه فهو واقع
وقد يختار ويحفظ لأنّه غريب فى معناه، كقول القائل فى الفتى:
ليس الفتى بفتى لا يستضاء بهولا يكون له فى الأرض آثار
وكقول آخر فى مجوسىّ:
شهدت عليك بطيب المشاشوأنّك بحر جواد خضم
وأنّك سيّد أهل الجحيمإذا ما تردّيت فيمن ظلم
قرين لهامان فى قعرهاوفرعون والمكتنى بالحكم
وقد يختار ويحفظ (أيضا) لنبل قائله، كقول المهدىّ:
تفّاحة من عند تفّاحةجاءت فماذا صنعتب الفؤاد
والله ما أدرى أأبصرتهايقظان أم أبصرتها فى الرّقاد
وكقول الرّشيد:
النّفس تطمع والأسباب عاجزةوالنّفس تهلك بين اليأس والطّمع
وكقول المأمون فى رسول:
بعثتك مشتاقا ففزت بنظرةوأغفلتنى حتّى أسأت بك الظّنّا
وناجيت من أهوى وكنت مقرّبافياليت شعرى عن دنوّك ما أغنى
وردّدت طرفا فى محاسن وجههاومتّعت باستماع نغمتها أذنا
أرى أثرا منها بعينيك لم يكنلقد سرقت عيناك من وجهها حسنا
وكقول عبد الله بن طاهر:
أميل مع الذّمام على ابن عمّىوأحمل للصّديق على الشّقيق
وإن ألفيتنى ملكا مطاعافإنّك واجدى عبد الصّديق
أفرّق بين معروفى ومنّىوأجمع بين مالى والحقوق
وهذا الشعر شريف بنفسه وبصاحبه.
وكقوله:
مدمن الإغضاء موصولومديم العتب مملول
ومدين البيض فى تعبوغريم البيض ممطول
وأخو الوجهين حيث وهىبهواه فهو مدخول
وكقول إبراهيم بن العبّاس لابن الزّيّات:
أبا جعفر عرّج على خلطائكاوأقصر قليلا من مدى غلوائكا
فإن كنت قد أوتيت فى اليومفإنّ رجائى فى غد كرجائكا
والمتكلّف من الشعر وإن كان جيّدا محكما فليس به خفاء على ذوى العلم، لتبيّنهم فيه ما نزل بصاحبه من طول التفكّر، وشدّة العناء، ورشح الجبين، وكثرة الضرورات، وحذف ما بالمعانى حاجة إليه، وزيادة ما بالمعانى غنى عنه. كقول الفرزدق فى عمر بن هبيرة لبعض الخلفاء:
أولّيت العراق ورافديهفزاريّا أحذّ يد القميص
يريد: أولّيتها خفيف اليد، يعنى فى الخيانة، فاضطرّته القافية إلى ذكر القميص، (ورافداه: دجّلة والفرات).
وكقول الآخر:
من اللّواتى والتى والّلاتىزعمن أنى كبرت لداتى
وكقول الفرزدق:
وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدعمن المال إلّا مسحتا أو مجلّف
فرفع آخر البيت ضرورة، وأتعب أهل الإعراب فى طلب العلّة، فقالوا وأكثروا، ولم يأتوا فيه بشىء يرضى. ومن ذا يخفى عليه من أهل النظر أنّ كلّ ما أتوا به من العلل احتيال وتمويه؟! وقد سأل بعضهم الفرزدق عن رفعه إيّاه فشتمه وقال: علىّ أن أقول وعليكم أن تحتجّوا! (وقد أنكر عليه عبد الله بن إسحق الحضرمىّ من قوله:
مستقبلين شمال الشّأم تضربنابحاصب من نديف القطن منثور
على عمائمنا تلقى، وأرحلناعلى زواحف تزجى مخّها رير
مرفوع، فقال: ألّا قلت:على زواحف نزجيها محاسير؟
فغضب وقال:
فلو كان عبد الله مولى هجوتهولكنّ عبد الله مولى مواليا
وهذا كثير فى شعره على جودته.
وتتبيّن التكلّف فى الشعر أيضا بأن ترى البيت فيه مقرونا بغير جاره، ومضموما إلى غير لفقه، ولذلك قال عمر بن لجإ لبعض الشعراء: أنا أشعر منك، قال: وبم ذلك؟ فقال: لأنى أقول البيت وأخاه، ولأنّك تقول البيت وابن عمّه.
وقال عبد بن سالم لرؤبة: مت يا أبا الجحّاف إذا شئت! فقال رؤبة:
وكيف ذلك؟ قال: رأيت ابنك عقبة ينشد شعرا له أعجبنى، قال رؤبة:
نعم، ولكن ليس لشعره قران. يريد أنّه لا يقارن البيت بشبهه. وبعض أصحابنا يقول «قرآن» بالضم، ولا أرى الصحيح إلّا الكسر وترك الهمز على ما بيّنت.
والمطبوع من الشعراء من سمح بالشعر واقتدر على القوافى، وأراك فى صدر بيته عجزه، وفى فاتحته قافيته، وتبيّنت على شعره رونق الطبع ووشى الغريزة، وإذا امتحن لم يتلعثم ولم يتزحّر.
وقال الرّياشىّ حدّثنى أبو العالية عن أبى عمران المخزومى قال:
أتيت مع أبى واليا على المدينة من قريش، وعنده ابن مطير، وإذا مطر جود، فقال له الوالى، صفه، فقال: دعنى حتى أشرف وأنظر، فأشرف ونظر: ثمّ نزل فقال:
كثرت لكثرة قطره أطباؤهفإذا تحلّب فاضت الأطباء
وكجوف ضرّته التى فى جوفهجوف السّماء سبحلة جوفاء
وله رباب هيدب، لرفيفهقبل التّبعّق ديمة وطفاء
وكأنّ بارقه حريق، يلتقىريح عليه وعرفج وألاء
وكأنّ ريّقه، ولمّا يحتفلودق السّماء، عجاجة كدراء
مستضحك بلوامع، مستعبربمدامع لم تمرها الأقذاء
فله بلا حزن ولا بمسرّةضحك يؤلّف بينه وبكاء
حيران متّبع صباه تقودهوجنوبه كنف له ووعاء
ودنت له نكباؤه حتّى إذامن طول ما لعبت به النّكباء
ذاب السّحاب فهو بحر كلّهوعلى البحور من السّحاب سماء
ثقلت كلاه فنهّرت أصلابهوتبعّجت من مائه الأحشاء
غدق ينتّج بالأباطح فرّقاتلد السّيول وما لها أسلاء
غرّ محجّلة، دوالح ضمّنتحمل اللّقاح، وكلّها عذراء
سحم فهنّ إذا كظمن فواحمسود، وهنّ إذا ضحكن وضاء
لو كان من لجج السّواحل ماؤهلم يبق من لجج السّواحل ماء
قال أبو محمد: وهذا الشعر، مع إسراعه فيه كما ترى، كثير الوشى لطيف المعانى.
وكان الشّماخ فى سفر مع أصحاب له، فنزل يحدو بالقوم فقال:
لم يبق إلا منطق وأطرافوريطتان وقميص هفهاف
وشعبتا ميس براها إسكافيا ربّ غاز كاره للإيجاف
أغدر فى الحىّ برود الأصيافمرتجة البوص خضيب الأطراف
ثم قطع به هذا الروىّ وتعذّر عليه، فتركه وسمح بغيره على إثره، فقال:
لمّا رأتنا واقفى المطيّاتقامت تبدّى لى بأصلتيّات
غرّ أضاء ظلمها الثّنيّاتخود من الظّعائن الضّمريّات
حلّالة الأودية الغوريّاتصفىّ أتراب لها حييّات
مثل الأشاءات أو البرديّاتأو الغمامات أو الوديّات
أو كظباء السّدر العبريّاتيحضنّ بالقيظ على ركيّات
وضعن أنماطا على زربيّاتثمّ جلسن بركة البختيّات
من راكب يهدى لها التّحيّاتأروع خرّاج من الدّاويّات
يسرى إذا نام بنو السّريّات
قال أبو عبيدة: اجتمع ثلاثة من بنى سعد يراجزون بنى جعدة، فقيل لشيخ من بنى سعد: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوما إلى الليل لا أفثج وقيل لآخر: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوما إلى الليل ولا أنكف، وقيل للثالث: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوما إلى الليل ولا أنكش، فلما سمعت بنو جعدة كلامهم انصرفوا ولم يراجزوهم.
والشعراء أيضا فى الطبع مختلفون: منهم من يسهل عليه المديح ويعسر عليه الهجاء. ومنهم من يتيسّر له المراثى ويتعذّر عليه الغزل.
وقيل للعجّاج: إنك لا تحسن الهجاء؟ فقال: إنّ لنا أحلاما تمنعنا من أن نظلم، وأحسابا تمنعنا من أن نظلم، وهل رأيت بانيا لا يحسن أن يهدم؟
وليس هذا كما ذكر العجاج، ولا المثل الذى ضربه للهجاء والمديح بشكل، لأنّ المديح بناء والهجاء بناء، وليس كلّ بان بضرب بانيا بغيره.
ونحن نجد هذا بعينه فى أشعارهم كثيرا. فهذا ذو الرّمّة، أحسن الناس تشبيها، وأجودهم تشبيبا، وأوصفهم لرمل وهاجرة وفلاة وماء وقراد وحيّة، فإذا صار إلى المديح والهجاء خانه الطبع. وذاك أخّره عن الفحول، فقالوا: فى شعره أبعار غزلان ونقط عروس! وكان الفرزدق زير نساء وصاحب غزل، وكان مع ذلك لا يجيد التشبيب. وكان جرير عفيفا عزهاة عن النساء، وهو مع ذلك أحسن الناس تشبيبا، وكان الفرزدق يقول: ما أحوجه مع عفّته إلى صلابة شعرى، وما أحوجنى إلى رقّة شعره لما ترون.
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع