من «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١هـ)
سيدي محمد بن الشيخ سيديّ
المتقدم، هو العلامة الأريب، اللغوي الأديب. نشأ في نعمة عظيمة، وكلاءة جسيمة. وما ظنك بمن أبوه الشيخ سيديّ، ولما ولد هذا الفتى، تباشرت به تلك الأقطار، واشرأبت إلى مآثره تلك الصحارى والقفار، ولما ميز بين الحيّ واللّيْ، وفرق بين النشر والطيْ. استجلب له أبوه المؤدبين والمتأدبين، وكان يعلمه الكرم كما يعلمه العلوم، ويدقق في محاسبته على ما يبدو منه في عنفوانه، حتى سما ونبل، واقتدى به حذو النعل بالنعل. حتى صار كما قال زهير في هرم بن سنان وأبيه وجده:
هو الجواد فإن يلحق بشأوهماعلى تكاليفه فمثله لحقا
أو يسبقاه على ما كان من مهلفمثل ما قدما من صالح سبقا
وكان الناس يظنون أن الشيخ سيديّ، لا يسد أحد مسده، فلما مات، وبقى ابنه هذا في موضعه، ما تغير شيء مما كان يجريه أبوه عل الناس، إلا أن مدته لم تطل، فإنه عاش بعده سنة واحدة، وكان ﵀ شاعرا مجيدا، وصوفيا وحيدا ومن تأمل قصائده الغزليات، وجد في أواخرها، ما يدل على إنه كان على جانب عظيم من التصوُّف، ويقال إنه لما مدح أباه بأرجوزته الطنانة التي أولها:
يا سيدي إني فداكَ اللهَ بيجاري الحماما عنه لي من مذهب
قال له ما حاجتك؟ قال: حاجتي أن لا أعيش بعدك، فاسترجع والده، وبالجملة فكان سيدي محمد هذا، حسنة من حسنات الدهر، وترك قصائد تدل على طول باعه في الآداب، وله من النكت الأدبية، أشياء كثيرة، ومنها إنه كان له نديم، وأصله حداد، وأهل الصحراء يزعمون أن الحداين أصلهم يهود ثم أسلموا، وكان ذلك الشخص اسمه نحن، وكان يدعي إنه شريف، وكان يجيد اللقم، فأعطاه جملا على أن لا يغضب من أبيات نظمها فيه وهي:
ما هزّ عطفيْ كميٍّ يَوْمَ هيْجاءِبين الأواني كذي النونين والحاءِ
فرد يقوم مقام الجمع وهو لذايدعى بمضمر جمع بين أسماءِ
يسطو بأسلحة للأكل أربعةيدٍ وفمٍّ وبلعُومٍ وأمعْاءِ
تخال لقماتهِ العظمى براحتهكراكر الإِبل أو جماجمَ الشاء
ما بين طلعتها فيها وغيبتهافي فيه إلا كلمحِ الطرف للرائي
فتنهوي كدُلِيّ خان ما تِحَهاأشْطانُها فترامَتْ بينَ أرْجاء
فبانَ أنَّ الذي يحويهِ من شرفٍقد صحَّ لكنه بالهاء لا الفاء
وتزوج بامرأة من غير ان يستأذن والدته، فذهبت إليه، تصحبها عجائز، فضربنه، فكتب إلى أبيه يشكوهنَّ:
أمِنْ فعل أمرٍ في الشريعة جائزيروم اهتضامي بينكم كل عاجز
وكان بكم جند البغاو يهابنيفصال علىَّ اليوم جند العجائز
فصرت كأني قد أتيت ببدعةوفاحشة من نحو فَعْلَة ماعِز
فلو انَّ أرضي ذات مُعْز رجمننيولكنها ليست بذات أماعِزِ
وكان سلس العبارة، رقيق الشعر، فصيحا، لم نر من انتقد عليه شيئا، سوى النزر القليل، الذي تعفى عليه جودة معانيه، وسلاسة ألفاظه، فقد انتقد عليه ابن محمد قوله:
انكار من ليس يدري اشدد به غَرَراإذ هو من جرف الألحان فوق شفا
فإن همزة أشدد، همزة قطع، وهذا لا يقدح لأجل الضرورة، وانتقد عليه قوله أيضا:
لو خضت لجة قاموس وجدت بهدراً جلا جَلو مصباح الدجا السُّدفا
فإن جلا، مصدره جلاء لا جلو، وهذا غير صواب. وانتقد عليهم بعضهم أيضا قوله:
ولم يسحر فؤادي قطُّ طرفسوى طرفين فيها ساحِرَين
لأن الطرف لا يثنى ولا يجمع، وهذه مسألة خلاف، والأصح إنه لا يثنى ولا يجمع، كما قيل، ونحن ننقل قول القاموس وشرحه تتميما للفائدة، قالا: الطرف: العين، لا يجمع، لأنه في الأصل مصدر، أو هو اسم جامع للبصر، قاله ابن عباد. وقال الزمخشري: لا يثنى، ولا يجمع، لأنه مصدر، ولو جمع لم يسمع في جمعه أطراف. وقال شيخنا عند قوله لا يجمع، قلت: ظاهره بل صريحه إنه لا يجوز جمعه، وليس كذلك، بل مرادهم إنه لا يجمع وجوبا، كما في حاشية البغدادي على شرح بانت سعاد، وبعد خروجه عن المصدرية، وصيرورته اسما من الاسماء، لا يعتبر فيه حكم المصدرية، ولا سيما ولم يقصد به الوصف، بل جعله اسما كما هو ظاهر، وقيل أطراف، ويرد ذلك قوله تعالى: (فيهنَّ قاصرات الطرف) ولم يقل الأطراف الخ. وإذا فتشت أشعار العرب، لا تكاد تجده مثنى، فقد قال جرير:
فغض الطرف إنك من نميرفلا كعباً بلغت ولا كلابا
ولم يقل الطرفين اهـ.
وكان عالي الكعب في معرفة النحو والتاريخ، وغير ذلك. وتوجه من بلاده إلى الحج، ثم رجع من غير ان يحج، لعارض اقتضى ذلك، ولما بلغ إلى الساقية الحمراء قال:
أحمراءُ السَّواقي ما وَرائيالآن غَرُبْتَ أيُّها الانتشائي
تخال نصيص فُتْل العيس شهراًيدومُ من الصباح إلى المساءِ
ولا ينأى به ما كان دانٍولا يدنو بهِ ما كان نائي
وكان ﵀، إذا قال شيئا من الشعر، يبعث به إلى أبيه، فكان كلما رأى شيئا من شعره يمرقه، حتى قال هذه القصيدة، يحرض الناس فيها على الاستعداد للنصارى، ويأمرهم بمحاربة أهل البغي من قبائل حسَّان، فلما عرضت على والده، قال للتلاميذ: صاحبكم الآن قال الشعر. والقصيدة هاهي:
رُوَيْدَك إنَّني شَبّهْتُ داراعلى أمثالها تَقِفُ المَهارى
تأمَّلْ صاحِ هاتيكَ الرَّوابيفذاك التلُّ أحسبه أنارا
وتانِ الرَّمْلتانِ هُما ذواتاعُليَّانٍ وذا خطُّ الشُّقارا
وإنْ تُنْجدْ رأيت بلا مثالٍجماهيرَ الكناوَيْن الكِبارى
هنالك لا تدعْ منهنَّ رسْمابدا إلا مررت به مرارا
ولا تقبل لعين في رُباهاتصونُ دموعَهَا إلا انهمارا
ودرْبين الميامين العواليفإِنّ على معاهدِها المدارا
إذا كنت الوفيَّ فعلت هذافراعيت الذِّمامة والجوارا
وإلا خلني وخلاك ذمفإِن لديّ أحداقاً غزاراً
وقَدْني من إعانتك انتظاريأنياً رَيثما أبكى الديارا
وإن كنت الخليَّ ولا وفاءٌلديك فنستطيَع لي انتظارا
فبلَه اللّوْمَ ثم إليك عَنيفلا ضرراً أريد ولا ضِرارا
ولا عارٌ عليكَ فأنت مرؤترديت السكينة والوقارا
ولكنا رجالَ الحبّ قومٌتهيجُ ربا الديار لنا ادكارا
سقانا الحبَّ ساقي الحبِّ صرْفافنحن كما ترى قوم سُكارى
ترى كلَّ الهوى حَسَنا عليناإذا ما الجاهلون رأوْهُ عارا
وأحرارُ النفوسِ نذُوبُ شوقافنأتي كلما تأتي اضطرارا
ومن يأتي الأمور على اضطرارفليس كمثل آتيها اختيارا
ترانا عاكفين على المغانيلفرط الشوق نندبها حَيارى
أسارى لوعةً وأسى ننادىوما يغنى النداء عن الأُسارى
ولو في المسلمين اليوم حُرٌّيَفُكُّ الأسْر أو يحمي الذمارا
لفكوا دينهم وحموه لمّاأراد الكافرون به الصَّغارا
حماة الدين إن الدين صاراأسيراً للصوص وللنَّصارا
فإن بادرتموه تداركوهوإلاّ يَسْبق السيَّفُ البِدارا
بأن تستنصروا موليّ نصيراًلمن والى ومن طلب انتصارا
مجيباً دعوة الداعي مجيراًمن الأسواء كلّ من استجارا
وأن تستنفروا جمعاً لُهاماتغص به السَّباسبُ والصَّحارى
تمرُّ على الأماعز والثناياقنابلهُ فتتركها غُبارا
ثنى رُبْدُ النعام بحافيتهوتعيى دُون معظمه الحُبارى
يلوحُ زُهاؤه لك من بعيدٍكما رفع العساقيلُ الحِرارَا
تخال سِلاحه شهباً تهارىونَحْسِبُ ليلها النقعَ المثارا
ولولا النقع إن يلمع بليللصيَّر ضوْءُهُ الليلَ النهارا
بكل طليعةٍ شهباء تبدىإذا طلعت من الصدإ اخضرارا
وتخفْقُ فوقها بالنَّصرِ رَأىفتحسبها بها روضاً أنارا
وفتياناً يرونَ الضيمَ صاباًوطعم الموت خُرْطوماً عُقارا
أحبوا الملّة البيضا فكانواعليها من مُرَاوِدِها غَيارا
سُطاةٌ فوقَ متنىْ كلّ ساطٍقليلٌ من ينالُ له عِذار
بما يحويه من وصف حميدٍعلى أحزان فارسه أغارا
وسلهبةٍ مفاصلها ظِمَاءٌقوائمها رِواء لا تجارا
عليها من محاسنها شهودٌعلى أن لا تباع ولا تعارا
بأيديهم مذرَبَّةٌ طوالٌترى الأقران أعماراً قصارا
وبيضٌ مرهفاتٌ جرَّدوهاوردَّوْها من العلق احمرارا
تفرَّى الأهْبُ قبل الضرب عنهاولا عظم يَفُلُّ لها غِرارا
وكلّ أخي فمينِ أبى اعتدالاوتقويماً عن الغرض ازورارا
مسلُّ شطبيةٍ في المتن منهإلى تسديد شارته أشارا
حَذاه بكالهلالِ موشّحوهبكالجوزاءِ صوْغاً وازدهارا
بوشىٍ حبَّروه وأوْدعوهتصاويراً ترى فيها اعتبارا
من العُدد الأولى آلا سِماكٌبروحِ الله عيسى لن تُبارا
تلظى النار في الكانون منهإذا ما صافح الزَّندُ الشفارا
وليس لناره شرَرٌ ترامابه إلا الموقَّعةَ الحِرارا
فمن يَمْرُرْ قُبالةَ منخريْهيكن كهشيم من رامَ احتظارا
جموعاً تنِطحُ الأعداَء جهراًفتترُكهم جديساً أو وبارا
جموعاً لا يقومُ لها مناوٍولا يخشى الصَّديقُ لها مغارا
تصوبُ على بلادِ السِّلم غيثاًوتوقِدُ في بلاد الحربِ نارا
بنصر الله واثقةٌ يقيناًفلا تدرى من الخلقِ الحِذارا
لها إعلاءُ كلمته مرامٌفلا غنماً ترومُ ولا افتخارا
فمن يك هكذا يحيى حميداًويستحلى بموطنه القرارا
ومن لا فالمماتُ به جديرٌولو للنار بعد الموت صارا
فيا للمسْلمينَ لها أموراًلها الأكباد تنفطرُ انفطارا
تهاونتم بموقِعها وما إنتهاونتم بها إلا اغترارا
لصوصٌ لا تخافُ البأسَ منكمولا العقبى فترضىَ أن تدارا
ولا ينجو مقيمٌ من أذاهمْولا ابنُ تنائف اتخذ السفارا
ولا شِيبٌ عكوفٌ في المصلىولا عونُ النساءِ ولا العذارا
فبينا الحيُّ خيَّمَ ذا طَلالِتبوَّأ من فسيح الأرض دارا
بساحته محافلُ حافلاتٌبأشياخٍ مهذبةٍ طَهارا
وكلِّ فتى يجرُّ الذَّيلَ تِيهاًوتفتُّر المِلاحُ له افترارا
إلى نسبٍ لهم بلغوا ادعاءًبه أذواَء حْميَرَ أو نزارا
إلى أن يُبصروا شُعثاً كساهملباسُ الجوع والخوفِ اغبرارا
رِعاءُ الشاءِ حقاً من رآهميقولُ هم الرِّعاءُ وما تمارى
هنالِك لا ترى شيئاً نفيساًولا مُستحسناً إلا مُوَارا
ولم يكُ قدرُ لمحَ الطرفِ إلاوقد سلبوا العِمَامة والخماراً
أجدَّ كمُ بذا يرضى كريمٌوهلْ حرٌّ يُطيقُ له اصطبارا
ورومٌ عاينوا في الدين ضُعفاًفراموا كلما راموا اختبارا
فإِن أنتمْ سغيتمْ وانتدبتمْبرَغمٍ منهمُ ازدجروا ازدجارا
وإن أنتم تكاسلتم وخمتُمْبرغمٍ منكم ابتدروا ابتدارا
فألفَوْكم كما يبغون فوضىحيارى لا انتدابَ ولا ائتمارا
وما ظنُّوا لعَظمٍ جابروهكُسارى بعد هيْضتهِ انحيارا
وقالوا إنّ للفُرْسِ انتهازاًوثاروا كي ينالوا منه ثارا
ولم أعرفْ وسوفَ ترون عمَّاقليلٍ صُبحَ ليلِكُمُ استنارا
مهىً حورَ المدامع عاطفاتتخوصُ بها القراقيرُ البحارا
إذا التفتت لجانبها تلافتحِذارَ الموج لوْحاً أو دسارا
لئن كانت مراكبها المهارىوإن كانت مراودها القفارا
تلطُمها العلوجُ على خدودٍكسى ألوانَها الفزَعُ اصفرارا
يدرنَ لهم عيوناً حائراتٍيغَرّقُ فيْضُ عبرتها احورارا
فلاهم يرحمون لها بكاءًولا يخشونَ أن تجد اقتدارا
وحَلوْها خلاخل من قيودوقد كانت لجيناً أو نضارا
وأغلالاً بأجيادٍ وأيدٍتعوَّدتِ القِلادةَ والسوارا
تُكلفُها بناتُ الرُّوم قسراًبخدمتها رواحاً وابتكارا
وكانت كلَّما مشَتِ الهُوينالكسر البيتِ تنبهر انبهارا
فيشددْنَ الحبالَ بكل خصرِرقيقُ الرَّيطِ كان له إزارا
ويحملنَ الجذوعَ على رؤوسٍغدائرها تضلُّ بها المدارى
وتكرَهُ للذي كانت تراهُحلالا وهي طائعةٌ شنارا
فيا للمُسلِمين لما دهاكُمْإلى كم لا ترُدُّون الحِوارا
أجيبوا داعِيَ المولى تعالىأو اعتذروا ولن تجدوا اعتذارا
أجيبوه بدنيا كم تَعزُّواوتدَّخرُوا من الأجر ادِّخارا
فإحدى الحُسْنييْن لكم أعِدَّتحَمالةَ قادرٍ حازَ اليَسارا
بجنةٍ اشترى منكم نفوساًومالاً بأرباحكمُ نجارا
وهذا ما أشرْتُ به عليكمولوْ لم تجعلوني مستشارا
فإِن أنتم توليتم فحسبيوجاري الله نعم الله جارا
ومن يك جاره المولى تعالىكفاهُ فلن يضامَ ولن يضارا
وربّي شاهدٌ وكفى شهيداًبه أني دعوتكمُ جهارا
وكم من ناصحٍ قبلي دعاكمجِهاراً بعد ما يدعو سرارا
وكلٌّ حين يدعو لم يزدكمدوام دعائه إلا فرارا
فربي اغفر لنا ولوالديناومن جعلوا هداك لهم منارا
وزدنا مِلةَ الإِسلام عِزًّاولا تزدِ العدا إلاّ تبارا
وصلّ على الذي حازَت قريشٌبنُسبتِه الزَّعامة والفَخارا
إلى آلٍ وصحْبٍ معْه قامواوساروا حيث قامَ وحيث سارا
خذوها من بناتِ الفكر بكراتغِيرُ الغانياتِ ولن تغارا
لها عن رائد الأفهام خدرٌحماها قبل هذا أن تزارا
وقال أيضا:
أدَمَعَا تُبْقيانِ بغَرْبِ عَينِوَقدْ عايَنتُما دارَ الكُنَيْنِ
أليْسَ مِنَ الوَفاءِ لِقاطِنيهاإذالةُ ما يُصانُ بكلّ عَينِ
بَلى إنَّ البكاَء على المَغانيبمنْهاجِ الصَّبابَةِ فَرْضُ عينِ
وإنْ لم يَبْق منها غيرُ رَسْمٍكوَشْمٍ في نواشِرِ مِعْصَمَينِ
فإنَّ لها يَداً دَيْناً عليناوحَتْمٌ أنْ يؤدّى كلُّ دَيْنِ
أفاويقَ الصفاءِ بها ارْتُضِعنامَدَى حَوْلين كانا كامليْن
ولم يسْحَرْ فؤادِيَ قَطُّ طرْفٌسِوى طرْفين فيها ساحِرَيْنِ
فذانِكَ تاركا قلبي وَرُوحِيبنيران المحبةِ خالدين
فعوجا يا خليليّ الذيْنِهما منى بمنزلةِ اليدينِ
عليها باكِييْنِ وحَيّيَاهامعي حُيّيتُما مِنْ صاحِبين
قِفا ثم ارْجعا الأبصارَ فيهاوعُودا فارْجعاها كرّتين
بها مُتَرَسّمينَ لها وكوناإذا لم تبكيا مُتباكِيَينِ
وإنْ جمدتْ عُيونُكما كلانيإلى عَينين لي نضَّاختين
وكونا عاذِريْن ولا تكوناإذا لم تُسعِداني عاذلين
فما لكما سِوي الذكرى سَبيلٌعلىَّ فَلَستُما بمسَيْطرِينَ
وقدْ حَوتِ المَيامنُ مَنزِلاتٍورِيعُ بني المُبارَكِ مَنزِلين
ومَغْنىً حَوْل ذاتِ القَرْم عافٍوآخرَ دارس بالتيرسَين
ودارٌ حوْل حِقْفِ النّصْفِ أقْوتْوأُخْرى أَقْفَرَتْ بالتَّوْأَمَين
سقاها كلُّ منْهَمرِ العزاليمن الأزَماتِ يغسِلُ كلَّ ريْن
فتصْبحُ غِبَّه الأجْرَاز تحكىمصَانُعها تعَاويذَ اللّجَين
وتشبهُ في غلائِله هدايابرزنَ إلى الزِّفاف بكل زين
معاهدُ عندنا في الحبّ فاقتمعاهِدَ منعِج والرَّقمتين
ليالِيَ لا أحاذرُ أن ألاقىصدوداً من سُعاد ولا بُثَيْن
ولم تقلِ العذارى أنت عمٌّنعدُّك عندنا أحد الأبين
تحنُّ إلى الشباب ولسْت منهعلى حظٍّ سوى خفي حُنَيْن
فَقًلْتُ لهُنَّ إنْ يَكُ وخْطُ فَوْدِييَسوءُ الفالِيَاتِ إذا فَلَيني
فكم يَوْمٍ يَعِزُّ على الفَواليبهِ مِنّي فِرَاقُ المَفْرِقَيْنِ
وكمْ يَوْمٍ وَتَرْتُ بهِ العَذاريكَيوْمِ مُهَلْهِلٍ بالشَّعْثَمَيْنِ
يُجِبْنَ إذا دعا الدَّاعُونَ بأسْمىكأني عِنْدَهُنَّ ابنُ الحُسَيْنِ
تُلاحِظُني العَبُورُ مَعَ الغُمَيْصافآنَفُ عنهُمَا لِلمِرْزَمَيْنِ
وإنْ أَبْدَتْ ليَ الجَوْزَا وشاحاًسَلَكْتُ بها سَبيلَ الشِّعْرَيَيْنِ
وإن تُشِر الثُّريَّا لي بكفّخَضيب قلْتُ عَني للِبُطْين
وحيْثُ بنَاتُ نَعْشٍ دُرْنَ حَوْليتَركْتُ وِصالَها للِفرْقَدَين
وكم شمْسٍ بهالَتِهَا تَحلَّتْولاحَتْ بالزَّوالِ خِلالَ غين
وغار البدْرُ إذْ وَلَّتْهُ مِنهانَوَاراً فازدريْتُ النّيّرَيْنِ
ولا عَجَبٌ إذا خُنْتنِّ عَهْدِيوآثَرْتُنَّ إقْصائي وَبَيني
فقدْ خُنْتُنَّ في القُدَماءِ عَبدَيْنِ قبْلي للِمُهَيْمنِ صالِحَين
ومنْ شرْخِ الشبابِ اعْتَضْتُ حِلْماًوحالُ الحِلْمِ إحْدى الحُسنَينِ
وكنتُ إذا عضزَمْتُ على ارْعِواءِوَجَدْتُ عَزِيمتَي إسْرَاَء قَيْن
وكمْ سامَرْتُ سُمَّاراً فُتُوًّاإلى المَجْدِ انْتَموْا مِنْ مَحْتدين
حَوَوْا أدَباً على حَسَبٍ فداسُواأديمَ الفَرْقدينِ بأخْمُصين
أُذاكرِ جمعَهُمْ ويُذَاكِرُونيبكلّ تخالُفٍ في مَذْهَبين
كخُلْفِ اللّيْثِ والنُّعمانِ طَوْراًوخُلْفِ الأشْعرِيّ مَعَ الجُوَيني
وأوْرادِ الجُنْيدِ وفُرْقتيْهِإذا وَرَدوا شَرَابَ المشْرَبين
وأقوالِ الخليل وسيبويهِوأهلي كوفة والأخْفشين
نوضّحُ حَيثُ تلْتبسُ المعانيدَقيقَ الفرْقِ بين المعنيين
وأطواراً نميلُ لذِكرِ داراوكسرى الفارسيّ وذي رُعين
ونَحوَ الستةِ الشُّعراءِ ننحُوونحوَ مُهَلْهلِ ومُرَقّشيْن
وشِعرَ الأعمييْن إذ أردناوإن شئنا فشِعر الأعشيين
ونذهبُ تارةً لأبي نواسٍونذهبُ تارةً لابن الحسين
وإني والنُّهى تنْهى وتجلوخفايا اللبْسِ في المتشابهيْن
عدتني أنْ أصافيَ كلَّ خلٍّمخائلُ من مُداهنةٍ ومين
كلا أخوىَّ يُظِهرُ لي وِداداًفاعرفُ ما يَسُرُّ كلا الأخين
فمن يَكُ راغباً في القربِ منِىيجدني دون ماءِ المقلتين
ومن يوثرْ قلايَ فليْسَ شيءٌيُوَاصلُ بينهُ أبداً وبيني
ألاحِظُ من خليِطيَ كلَّ زيْنٍكما أغضى له عنْ كلِّ شين
ولا أصْغِي إلى العَوْراءِ حتىيرى أني أصَمَّ المسمعين
وما جَهْلُ الجهولِ بمستفزيوما لي بالدنَّيةِ من يدين
وأحملُ كلَّ ما يأتي خليليلهُ إلا عُبوس الحاجبين
وليس يهولني منْ مستشيطٍتهَدُّدُه بنفض المِذْرَوَيْن
وعندي جانبٌ في الهَزل لينٌوآخرُ عند جِديَ غير لين
وقد يُلفى إذا الجُليّ ادلهَمَّتأسامَة من يُظنُّ أبا الحصين
ومهْما يعْرُني للهمِّ ضيْفٌيجُرُّ من البلابل ضيفنين
جعلتُ قراهُ أكومَ قيسريًّاهجانَ اللوْنِ جونَ الذِّفريين
كأنّ صِنانه المنباعَ نقسٌتحدَّر من جوانبِ قمقمين
على ليتين كالتُّرسين مُداًإلى كالقصر رحب القُصْرَيين
يزمُّ عن الكَلاَلِ وكلّ نعْتٍيعابُ سوى انفتالِ المرفقين
رعا روْضِ الحمى غضاً نضيراًفلم يحتجْ لماءٍ الدُّحرضين
وعنْ صدَّا له السّعدانُ أغنىإلى أمدِ انسلاخ جُماديين
له افتر الكِمامُ بكلّ ثغروبكّاهُ الغمامُ بكلّ عين
فملكه الرُّعاةُ الأمر حتىكساهُ النّيَّ نسجُ المِشفريْن
نثبطهُ أداهمُ من حديدٍيَنُوءُ بها مُداني السَّاعدين
إلى أن كاد وهو بلا جَناحٍيطيرُ بقوةٍ في المنكبين
هناكَ علوْنه بقتودِ رحْلِحماهُ الكتْرُ مَسَّ المتنيين
فحاوَل أن يبارى في البراريهِجَفَّيْ سابقٍ بالدوْنكين
يسير الخيْطفي حيناً وحيناًيراوحُ بين كلتا الخيزلين
يولىّ المعزَ أخفاقاً خفافاًتغادرُ كلَّ صخْرٍ فلقتين
تَقَاذفُ بينها الظِّرانُ شتىتقاذُفَ أيمنين وأعسرين
به أحيى التّداني كلَّ حينوأدنو للتنائي كلَّ حين
أغادِرُهُ وقبلي مستحيلٌعليه الأينُ ذا ظِلَعٍ وأين
وأرحِلهُ سليماً مَنسِماهُوأرجِعُه رثيمَ المنسمين
ولو لم ألقِه أصلاً لطارتبِيَ العزمات بينَ الخافقين
فللعزماتِ أجنحةٌ تُدانىكلمْح الطرفِ بين الشاحطين
فشطْرَ المشرقين تأمُّ آناًوآونةً تأمُّ المغربَين
وليس كمثلِها وَزَرٌ لللاقٍمن الدهر ازورارَ الجانبين
فما حُرٌّ يقِرُّ بدار هُونٍولو كانت مقرَّ الوالدين
وأهلُ المرءِ نَيْلُ غِنىً وجاهٍوهل يسعى الرّجالُ لغير ذين
ومسقَطُ رأسهِ ضرٌّ ونفعٌوإلا فاتباعُ الفارظين
فمالُ المنْذريْن يُعدُّ فقراًبلا عِزٍّ ومالُ الحارثين
وعِزُّ الحاثَين يعُدُّ ذُلاًبلا مال وعزُّ المنذرين
فعِش حُرًّا فإِن لم تستطعهُفضرباً في عُراضِ الجَحْفَلين
وهُوْنٌ في أقاصي الناس هَينٌوهونٌ في العشيرةِ غيرُ هَيْن
فما المنكورُ من أصل وعينبكالمعرُوفِ منْ أصْلٍ وعَين
ولمَّا صاحَ من فوْدي نذيرٌوصرَّحَ ثانياً بالعارضين
وقبلَ الشّيبِ إيجادي نَعانيفليْسَ الشيْبُ أولَّ ناعِيَين
وداعي القلب بالتجريبِ نادىوداعي الله أندى الداعيين
سَلا قلبي عن الدُّنيا لكونيوما أهواهُ منها فانِيَّيْن
وإني إنْ ظَفِرتُ به فلسْناعلى حالٍ تدومُ بباقيين
ولكنّا إذا طَبَقٌ تولىعلى طبقٍ ترانا راكبين
وعن عهدِ الشّبيبةِ والملاهيوأيامِ الميامنِ والكُنين
سِوى أني استباحَ حَريم صبريهَوى الحرمين أشرفِ موطنَين
وسوف تفي العزائم والمهاريبوعدٍ مُنْجَزٍ من وافيين
فقد منيتني قبل المنايامرور ركائبي بالدهْنَوَيْن
ينازعنَ الأعنّةَ سالكاتممرَّ الجيش بين العُدوَتين
تبادر بالحجيج ورود بدرويحدوها الحَنينُ إلى حُنين
قواصِد رابغاً تبغي اغتسالاًوإحراماً لديه وركْعتين
تمرُّ بذي طُوّى متناسياتٍلفرطِ الشوْقِ كلَّ طّوى وغَيْن
من التنعيم يدعوها كداءٌإلى البطحاءِ بين الأخشبين
على بابِ السّلامِ مُسَلّماتٍبتطوافٍ وسعْى عاجلين
تُناخُ لحاجتيْ دنيا وأخرىهناك فتنثني بالحاجتين
ببيت الله مَلمَسُ كلّ حاجتعالى الله عن كيفٍ وأين
حِمىً إنْ أمّه لاجٍ وراجٍيكونا آمنين وغانمين
فمن يجهْلْ حمايتهُ يسائلأميرَ الجيش عنه وذا اليدين
وقد بقي منها بعض أبيات لم تثبت في حفظي.
ومن شعره المطرب قوله:
ما حلَّ عُقْدَةَ عَزْمي سِحرُ حوْراءولا ازدهى طود حلمي برقُ زهراءِ
عصْر الصِّبا أيَقتني فافتديتُ بهاسُبلُ الهُداتِ وأخلاقُ الأعِفاء
حبْستُ نَفسي بسجنِ الصَّبر منتضياًعَزمي وقيَّدتُ ألحاظي بإِغضاءِ
كي لا تمرَّ إذاً في وجْهِ غانيةٍبروضةٍ من رياضِ الحسن غنَّاء
ماءُ الملاحة جارٍ في مسائلهاإلى منيرِ أقاحٍ وسط حوَّاء
فتنثني لفؤادي وهي رائدةٌله فتخبرهُ بالرِّعْى والماء
حتى إذا القيْهلُ التاثتْ حديقتهبه وهمَّتْ بإزهارٍ فإزهاء
وكادَ يُصبحُ ليْلى بعد دُهمتهوآن وقتُ انتباهي بعد إغفائي
سرَّحْتها منْ وثاقي إذ وثقْتُ بهاوالعجْبُ أصل لما في النفس من داء
فآنْستْ في صِوار العين آنِسةًوفي السَّحائب منها برقُ غرَّاء
فانهدَّ إذ ذاك طوْدُ الحلم وانتكثتمِني عُرى العزم لمحَ الطرْفِ من راء
حتى هممْتُ بشيءٍ ما هممتُ بهأزمان لاقَ بأشكالي وأكفائي
حسْناءُ هام بها قلبي ولا عجبكم هام قلبُ فتًى قبلي بحَسناء
هُنَّ اللَّواتي أذقنَ الموتَ عُروةَوالنَّهديَّ عن مقلتي هندٍ وعَفراء
وابن الملوّح قيساً في فتوَّتهأصْمين وابنَ ذريحٍ أيَّ إصماء
كم ذا هممْتُ بوصليها فتردَعنيعنها روادِعُ من آيٍ وأنباء
فانثنى وأقولُ اللهُ أرحمُ أنْيولى انتقاماً على وصل الأحِبّاء
ولمْ أزلْ هكذا حتى تُنَهْنِهنيعداوةٌ ورَدتْ بين الأخِلاء
هناكَ أزْورُّ كرْهاً عن زيارتهاكيْ لا يُجرَّ لها المكروهُ جَرَّائي
وأيُّ شيءٍ على الأحرارِ أشنَعُ منْتسبُّبٍ في مُعاداةِ الأوِدَّاءِ
هذا وليْسَتْ يدٌ لي إن أعاديَ منْشدَّت يديْهَا بقلبي بعد إيداء
ولا ودَتني ولا انقادتْ إلى قَوَديولم ترقَّ كأرباب الأرقَّاء
وأقبلتْ تتشكّى وهْيَ مُشكيَةٌكالقَوْس رنّتْ وقد شاكَتْ بحرَّاء
وشافعٌ في محياها شفاعتُهيَمحُو بها حوبَهَا من كلّ حَوْباء
أمّا وعِزّةِ مَنم أهوى علىَّ علىهُوني عليها وإبعادي وإقصائي
لوْلا خشَاني عليها سُوَء عاقبةٍلمَّا يُعقبْ تماديها بإنهاء
لصُلْتُ للوصْل جهْراً لا تُنْهنهِنيزُرْقُ الأسِنّةِ في أيدي الأشدَّاء
حتى أمِرَّ حبالاً لا يُغيّرُهاطولُ التنائي ولا مشيُ الإماء
فامْزِجَنَّ برُوحي رُوحَها فنُرىرُوحاً بشخصَين مزْجَ الرَّاح بالماء
وحينما شئتُ بتنا في مسرتناسريْن يكتمنا حيزوم ظلماءِ
أفٌّ على الصُّبح ما دامَ الوصالُ فإِنْكان التّقاطُعُ فلينعم بسراء
وقال أيضاً:
خَليليَّ عل أحْرى بفيض المدامعمن الأربعُ اللائي بكنْ المزارع
أريقا بها ماَء الشؤون وخلياعَزَاليهُ ما بين هامٍ وهامع
فليْس بغَدر صونُنَا عَبراتناعن السَّح والتّذرافِ بين المرابع
فرَعْيُ الفتى عهْدَ المرابع آيةٌعلى إنه يرعى عُهودَ الروابع
وإنْ يَطّلعْ ذو اللوم قولا لعلهْيكونُ لبعض الأمر غيرَ مُطالع
فما ضيْعةَ الأطْلال تبكي وإنمانؤبّنُ من أعمارنا كلَّ ضائع
وأحْرَ بأن يَبْكِ الفتى فوتَ نفسهلطلعةِ ناعٍ في المفارق طالع
وقال أيضا ينصح بعض إخوانه:
أيها العاقلُ الأريبُ الأبرُّوالفتى الماجِدُ السَّرِى الأغرُّ
اصغ لي تستمعْ نصيحةَ ودٍّأحْر أنْ لا يأبى النصيحة برُّ
إنْ تقلْ لي أتأمُرُ الناسَ بالبرّ وتنْسَ لِمْ لا فهلا تَبرُّ
قلتُ أمري سِوايَ أمرٌ لنفسيوبكيِّ الصَّحيح يبر الأعَرُّ
اتقِ الله ما استطعت تُقاَهُفي الذي أنت مظهِرٌ ومُسِرُّ
تائباً توبةَ اعترافٍ نصوحاًلا تقل تائباً وأنتَ مُصرُّ
أَعْصِ أمْرَ الهوى لا تتعلَّقْمنكَ نفسٌ بكلّ ظبيٍ يمرُّ
فاقتناصُ الظِباءِ قدْ لا يُسنَّىواتِّبَاعُ الفتى الهوى قد يَضُرُّ
ولكمْ من سعى ليَصْطادَ فاصْطيدَ ولم يَحمه الصَّيودَ المفرُّ
فِرَّ منها حيث استطعت فراراًثمتَ اكْرُرْ إذا تعين كرُّ
فالكَمِىُّ المحتالُ طوراً مِفرٌّوالكمِيُّ المحتالُ طَوراً مكرُّ
وهبِ الدنيا كزائل ظِلٍليْسَ فيها لحادثٍ مستقرُّ
وكغيْثٍ ينْهلُّ حتى إذا ماأعجَبَ النّاس نبتُه يصْفرُّ
فمقيمٌ بها سيَرْحلُ عنهاوقويمٌ عماده سيَخِرُّ
كلُّ ذي جدَّةٍ بها سوفَ يبْلىوهِلاَلٌ بدا بها يسْتِسرُّ
لا يَلذَّنْ مطعَمٌ لك فيهاكلُّ حُلوٍ من بعد الموتُ مُرُّ
وقال أيضا: وكان سافر إلى بني دليم، يريد منهم أن يردوا له إبلا أخذوها، لأحد المنتسبين إليه. وكانت بينهما مسافة بعيدة، مع اختلاف بلديهما، هواء وشكلا. فقال في ذلك:
عَينُ رُودى لترىْ ما لم ترىْذلك البحرُ وذي أكمُ متى
كنتِ من قبل تخالين البراقِبَل الغرب انتهت عند فُوىْ
ولك اليوم مناديحٌ بهافاسرحي فيها ترىْ ما لم ترىْ
يا نسيمَ الرّيح إنْ تمرُرْ بحيْخَيْمُهمْ فوق الورى خِيماً وحيْ
ولذاتِ اليْمنِ بلّغْ أنَّنيإنْ تكُنْ سلمى فإِني بعض طيْ
أو تكُنْ حَجَراً أكن يحيى لهاأو تكن حُزوي أكُنْ غيْلان ميْ
ولهُمْ بلّغْ بأنَّا هاهنانرتجُّ بين ابترخْ فاللُّوَىْ
بين أبناءِ دُلَيْمٍ لأننينقتفي أحياَءهم حياً فحيْ
نبتَغي أسْؤُرَ غاراتٍ لهمْأسأروها من ذُوَيْدِ ابن تقي
يُرسِلُ البحرُ علينا ريحهُونداهُ كلّ صُبْح وعشيْ
ونرى الطيْرَ به نحسبهاإبلاً ترعى بحمْضٍ ونصِيْ
لسْتُ أبغي بَدَلاً في بلدٍبكِ يا ميمونةٌ ما دُمتُ حيْ
سوفَ يُدنى الأهلَ منَّا عاجِلاًفضْلُ ذي العرش بإِعمال المطِيْ
إنّ لله تعالى فرجاًلا يراهُ غيرُ ذي الكَرْبِ الشّجيْ
وله في سفره إلى أبناء دليم أيضا:
طال في أرْبُع القرارِ قرارِيليتَ شِعْري ما لي وما للقرارِ
طال مُكْثي وإنما طال فيهاباختيار المليكِ لا باختياري
لمْ أكن مُزْمعَ القدُوم إليْهابل رَمتني لها يدُ الأقدار
سئم القلبُ بَردها ونداهاوخلاها البليل بالأسْحار
وصُفيَّا بها كحَدّ المواسىوجُذوعاً بها كحدّ الشِّفار
ليت شعْري والعبد ذو إجباروهو يَبدو في قالَبِ المختار
هلْ يُسنى لنا سجيس اللياليعوْضُ من عوْدةٍ إلى أوكار
حيْثُ تبدو لك المعالِمُ غُرًّاحُسنها سرَّ أعينَ النُّظار
نَمَّقتها يدُ الحيا بلُعاعٍشاب حُسنَ ابيضاضِها باخضرار
تلك أرْضي التي أحِبُّ وأهوىوهي حقاً منازلُ الأحرار
عذبة الماءِ ليس ينبت فيهاشجرٌ غيرُ طيّب الأشجار
تُنْبِتُ السرح والسيال وأرْطىًحاكياً في الرمال وشْمَ العذارى
لا بلادٌ مياهها خمجريرٌمُنبتاتٌ طعامَ أهل النار
سكنتها تنْفكُّ فوضىلم تميّز من ليلها والنهار
طرقتك الهمُومُ وهي سوارِفماذا لِطَيْفِها أنت قار
ما قرى طارق البلابل قارمثلُ إعمال يَعْمَلات المهار
صحبتي شمروا فلم يبق إلاشدُّ فُتل المِطي بالأكوار
قرَّبوها بويزلاتٍ عليهامن ذُراها كعاليات المنار
فَذُراها لركبها ضامناتٌبعد شحْط المزار قرب المزار
ملّكتها رعاتُهَا الأمر دهراًترتعي ما شاَءت من الأزهار
فهي طوْراً بأقحوانٍ وحمْضٍوهي طوراً بقرقدٍ وجدار
سلختْ في الربيع شهْر جُمادىتتوخى مواقع الأمطار
وقال أيضا:
لعَمرُكَ ما ترتابُ ميمونةُ السُّعْدىبإِنا تركنا السَّعيَ في أمرِها عمدَا
سِوى أننا كنّا عبيدَ مشيئَةٍولا عار في أن يُعجزَ السَّيدُ العبدَا
فليْسَ علينا أن يُساعِدنا القضاولكنْ علينا أننا نبذُل الجهدا
ألم تر أنَّا قد رعيْنا عُهودَهاعلى حينَ لا يرعى سِوانا لها عَهدا
حبسنا عليها وهي جدبٌ سوامنافما صدَّنا السَّعدان عنها ولا صدَّا
ويظعن عنها الناس حال انتجاعِهمولم ننتجعْ برقاً يلوحُ ولا رعْدا
وإذ غدرتْ فانفضَّ من كان حولهاوفْينا فلم نغدر ولم نخلِف الوعدا
فجئنا لها حتى ضربنا قبابناعلى نجدها الميمون أكرم به نجدا
ومَرْجعَ سانيها جعلنا مخيمالئلا نصون الشيبَ عنها ولا المردا
نَظَلُّ وقوفاً صائمينَ على الظمانخالُ سَموم القيظ في جنبها بَرْدا
وتُذرى علينا الرامسات غُبارهافننشقه من حُب إصلاحها وَرْدا
ويشرب كلُّ الناس صفو مياههمونشربُ منها الطين نحسبهُ شهْدا
بهذا ترى ميمونة أنّ تركنالها لم يكن منا اختياراً ولا زُهدا
على أننا والأمر عنَّا مُغّيبٌولله ما أخفى ولله ما أبدى
منَ الله نرْجو أنْ ييَسر أمرهاويجعل بعد النحس طالِعَهَا سعْدا
فيرأبَ مثآها ويجير كسرَهاويبقيَها ميمونة كاسمِها سُعْدى
ومن رقيق شعره قوله:
رفقاً بنا يا ذوات الأعينِ النُّجُلِيُنَالُ بالرِّفقِ ما بالعُنْفِ لم يُنَل
نحنُ العبيد الأُلى أنتُنَّ سادتُهمْفارْعَيْنَ فينا وصاةَ الله بالخَوَل
واحذرْن مما نهى عنه المهيمنُ منتكليفنا غير مسطاعٍ من العمل
وله أيضا:
يا ليْتَ شعريَ هلْ في زورة حرجُلمنْ لها بعْدَ أن نامَ الورى دَلجُ
منْ أعْظم البرّ مَثوى مغرمٍ دنفٍعن وصل غانيةٍ في طرفِها دعجُ
لاسيَّمَا إن يكنْ بالقربِ منزلهاولا لها حارس يخشاهُ من يلجُ
وله أيضا: يصف صوت مغن، يقال له: لِمْتَيّنْ، وكان أشج:
صوتُ الأشجِّ هُنيْهَاتٍ فأحياناكنا من الحزنِ أمْوَاتاً فأحيانا
يا حسنَ ترداده فوق الكثيبِ لناتأتيكَ من قبل الرَّيانِ أحيانا
وله أيضا:
عَضْبُ من لا أنالهُ باقتناصِلا تَقِي منهُ كلُّ دِرْعٍ دِلاصِ
صادني فاستغثتُ كلَّ مُغيثٍلخلاصي ولاتَ حين مناص
لم أزلْ أبتغيهِ جُهدي فلم أصطده واصطادني بغير افتناص
طُلَ يالَ الإِله دمِّي فهَلْ ليمن سبيلٍ للعقل أو للقصاص
ليتَ شعري أقد خصِصْت بذا أمْكلُّ صبّ بمثل ذا ذو اختصاص
يا خليلَّي لم يسفه حليماكاللثا الحوِّ والبطون الخماص
وخدودٍ وأعينٍ وقدودٍهُنّ حتفُ الغَضنفرِ الوقَاص
فاحذراها واعملا كلَّ سِرْدَاحٍ من العزمِ من جِلاَس قِلاص
كيْ تنالا مخدرات المعاليبنجاها ووخدها البصباص
والبسا من تُقى الإِله دروعاًتوقَيا من مكيدة القُنَّاص
وله أيضا:
أزِفَ الرحيلُ فقرْبا أجمالناثم أعيا فوق الجمال رحالنا
إنا إذا بلد نبا يوماً بناحملت لآخر نجبنا أثقالنا
دَيْدَانُنَا أن لا تنيطَ حبالناإلا بأحْبل منْ يحبُّ وصالنا
نطوى على الشّعث المواصل ما طوىصدراً على أن لا يشدّ حبالنا
ستراً عليه وفي هواهُ ووصلِهِنعصي ولو آباَءنا عذّالنا
وإذا رماهُ الدهرُ كنَّا دونهَتُرْساً ونمنحُ من رماهُ نضالناَ
ما إن تقى أموالنا مُهجاتناكلاّ ولا مهجاتنا أموالنا
وإذا دعاكنَّ الجوابَ وإن سَعاكنا حواليه وكان خلالنا
ويصيبُ من صافَ العدوَّ عِدواؤناوينالُ من والى الوليَّ نوالَنا
خُلُقاً لنا لا صالحين لغيرهخلقاً وليس بصالحٍ إلاّ لنا
هذا وما كنَّا نحُومُ حوالَ منْكنا نراهُ ولا يحوم حوالنا
وإذا أبى إلاّ القطيعَةَ والجفاورأى الصَّواب بغيرنا إبدالنا
قمنا فعالجنا الوِصالَ فإِن أباإلاّ قطيعتنا قطعنا يا لنا
لِمَ لا ألسْنا الأغْنياَء بربنايا ليت شعري مالنا ما خالنا
والأرض لا تأبى إذا يأبى لنامهما عكمنا بالرحال جمالنا
إعمالنا قُتْلَ المهارى فوْقَهاحتى ننالَ ببلدةٍ آمالنا
وله أيضا:
أأرقَتْ عيناكَ مِنْ طيفٍ ألَمْهاج للمحزون مكنون الألَمْ
زار ممن أنت تهوَى موهناًبرخيم الصَّوتِ مكحولٍ أحم
ابن بيدٍ باتَ يَسري مُدْلجاًليله حتى إذا انجاب جثم
عِندَ حدباءِ القَرى أسْأرهاخَبْطُها فِيحَ المَوامي والظلم
بين مُعْزٍ وتلالٍ وصُوًىورمالٍ وبطاحٍ وأكَمْ
وكتب على صديقين له:
يا أيُّها الرَّاكبُ الموموقُ هبك لدىْأخاً تقوم يداهُ لي مقامَ يَدىْ
أنْتَ الأمينُ على ما آنَ مرسلهإلى الأمين الذي دأبى هواهُ ودىْ دنى
بلّغْهُ عني تحايا مالها كفؤٌإلا اجتماعكما بعدَ الفراق لدىْ
وأنَّ جُندَ الهوى في الصَّدر مُعتَركٌبكلّ سَهْم ورُمْحٍ سمْهري ورُديْ نِيّ
لذكَ قد سبقتْ لي منْكما عِدَةٌوأعْدُ كان على أهل السماحةِ ديْنا
وهذا النوع، يسمى عند أهل البديع بالاكتفاء، وله أيضا:
فدتك وقلّتْ للفدا كلُّ غانيهْمنَ العِين والأرآم يا عينَ رابيهْ
وعنك عَفا ربي دِماَء أرقتشهاولم تبذلي فيها قصاصاً ولا ديهْ
ولا أشْمتَ المولي بك الناسَ إنهمغدوا في طلاب الثأر منك سَواسيه
فمنْ حسد قتلى وقتلى من الجوىفلم يبق جَحجَاحٌ ولم تبق غانيهْ
وقد كان سُقم الطرف للعين زينةًولكنَّها في أعين الحورِ خافيهْ
فأظهرته للناس أنت لكي ترىعليك خفايا الحسن تبدو علانيهْ
لئن صدَأت من غضبك اليوم صفحةٌفما في صدًى عارٌ على الهنداونيهْ
نهبتِ من الأعمار ما لوْ حَوْيتهِلُهنّئتِ الدنيا بأنَّكِ باقيهْ
وقال أيضا:
يا معشر البلغاءِ هلْ منْ لوذعييهدي حجاهُ لمقصدٍ لم يبدعِ
إني همْمتُ بأن أقولَ قصيدةًبكراً فأعياني وجودُ المطلع
لكمُ اليدُ الطولى علىَّ إن أنتمُألفيتموهُ ببقعَةٍ أو موضع
فاستعملوا النَّظر السديد ومن يجدْلي ما أحاولُ منكمُ فليصدع
وحذارِ منْ خلع العذار على الديار ووقفة الزُّوار بين الأربُع
وإفاضةِ العبرات في عَرصاتهاوتردُّدِ الزّفرات بين الأضلع
وتذاكر السُّمار بالأخبار منأعصار دولة قيصر أو تبَّع
والفينة الشّنبا تجاذبُ مِزهراًوالقهوةِ الصَّهبا بكأسٍ مُترع
وتداعى الأبطال في رهج القتال إلى النزال بكلّ لدنٍ مشرع
فجميع هذا قد تداولهُ الورىحتى غدا ما فيه موضعُ إصبع
والشعر ليس كما يقول المدعصعب المقَادة مستدقُّ المهيع
كم عزَّ من قُحٍّ بليغ قبلناأو من أديب حافظٍ كالأصمعي
قلْ غادرت هل غادر الشعراء فيبحرِ القصيد لطامعٍ من مطمع
والحول يمكثه زهير حُجَّةٌأنَّ القَوافَي لسن طوعَ الإِمَّعِ
إنَّ القَريض مزَلَّةٌ مَنْ رامَهافَهْوَ المُكلَّفُ جَمْعَ ما لم يجمع
إن يتبع الندَما أعاد حديثهمبعد الفُشُوِّ وضلَّ إن لم يتبع
والشعر للتطريبِ أوَّلُ وضعهفلغيرِ ذلك قبلنا لم يوضع
واليوم صار منكِدّاً ووسيلةقد كان مقصدها انتفا لم تشرع
وإليه ترتاحُ النفوسُ غُلبّةًفيميلها طَبعاً بغيرِ تطبع
ينساغ للأذهان أوّل مرّةويزيدُ حُسْناً ثانياً في المرْجع
فيخالُ سيقَ السَّمْعِ مَنْ لم يستمعْويعودُ سامعه كأن لم يَسْمع
كالرَّوضِ يغْدُو السَّرْحُ فيه وتَنْثَنيعند الرَّواحِ كأنه لم يُرتع
من كان مُسطاعاً له فليأتهوليقن راحتهُ امُرُؤ لم يسطع
والجل من شعراء أهل زمانناما إن أرى في ذا لَهُ من مَطمع
ومنها:
واليوم إما سارقٌ مستوجبقطعَ اليمين وحسمَها فليقطع
أو غاصبٌ متجاسِرٌ لم يثنهِعنْ همهِ حدُّ العوالي الشُّرَّع
مهما رأى يوماً سواماً رتعاًشن المغار على السوام الرتَّع
فكأنه في عدوه وعدائهفعلُ السُّلَيْك وسلمة بن الأكوع
هذا ما تذكرت منها، وربما وقع فيها تقديم وتأخير، لطول العهد بها. وقال أيضا:
لا تَسمعي زُور واشٍ في محبكمولا يريبكِ رَيثٌ في زيارته
فليس بيتكِ إلا بيت عاتكةٍبه الفؤاد وإن أمرو بساحَته
وإن تدم هكذا منهم مراقبةكلٌّ تعوَّدَها مغرى بعادته
تركت دين أخي الأنصار منتصراًبما توخى اينُ بُرْدٍ في مقالتهٍ
إذ قال لمَّا تشكي كثرة الرقبامن راقب الناس لم يظفَرْ بحاجته
وإنْ كتمَ الهوى عبءٌ بحاملهويوم تبدو الخفايا يوم راحته
وله من قصيدة يمدح بها أشياخه:
هذا وطب نفساً وثقْ بالهنافهو البسيط يَداً لمَنْ مَدَّ اليَدَا
نحنُ العَبِدَّانُ الأُلى هُوَّ ربُهمْوالرَّبُّ إنْ يَعْزُزْ يُعِزَّ الأعْبُدا
وكفى اصْطِفاءً كوْنُنا منْ أمَّةٍوَسطٍ أجابَتْ مصطفاها أحمدا
ولنا استنادٌ بعدُ للعَمَد الأُلىرُفِعوا فكانوا يرفعون المُسندا
لهم التَّصَدُّرُ في قضِيَّاتِ العلىكلٌّ لإِسْنادٍ إليهِ تَجَرَّدا
لا تَخْشَ إنْ رفُعوكَ نَسْخاً كائنامنْ فعلٍ أمْسى في الزّمانِ ولا غدا
وإذ تصرَّف فعلُهمْ في جامِدٍما خافَ بعد تصرُّفٍ أن يَجمدا
منهم جميعاً نفتدى بأئمّةٍمتحملين لأمر مَنْ بهمُ افتدا
وإذا سَهوْنا في القيام بأمرناحَملوهُ عَنَّا رُكّعا أو سُجَّدا
رَووا الصّحاح من الحقَائق أسندتْعنْ سيدٍ في الفضل يقفوا سَيدا
متواتِراً إسنادها متسلسلاًحتى انتهى للمنتهى متصعدا
طبعوا على كرم النفوسِ جبلَّةًموْرُوثةً فيهم تراثاً مُتْلَدا
لو انهُمْ عمدوا إلى فعل الخنالأبتْ طباعُ نفوسهم أن تعمدا
قوم هم دُعُمُ الهدى لا تعدُونْعيناك عنهم إن ترد دعُمَ الهُدى
فهمُ الألى كسوا العلى أبعى الحليفيهم تجلّتْ لؤلؤاً وزبرجدا
سمطا غدوا في جيدها وأساوراًفي المعصمين وفي النواظر إثمدا
الراشدون المرشدون إلى العلىالدافعون الذائدون الوُرَّدا
فهم السيول المحييات من اجتدىوهم السيوف المرديات من اعتدى
لحظاتهم تحيى الرميم وعندهمهممٌ قويات يذبْنَ الجلمدا
لو حاولوا نيل السماكِ بعزمهمنالوا الثريا بعده والفرقدا
ولهم بصائرُ نيرات تنجليحُجُبُ الغيوب بها إلى أن تشهدا
والكيمياءُ من السعادة عندهمإكسيرها يدَعُ الحجارة عسجدا
فإذا هُم نظروا البغاث استنسرتوإذا هُم لحظوا أويسَ استأسَدا
ولديهمُ جَعْلُ السُّكَيتِ مجلّياًولديهمُ جعلُ الثفالِ خفيددا
طرق الإرادة إن أرادوا طيهاتركوا أقل من الذراع الفدفدا
ومتى يحرْ في تيهها ذو حيرةظهروا له بالدوّ منها أنجُدا
وإذا ادلهمَّ ظلام ليلِ جهالةلاحوا ففاقوا النيراتِ توقدوا
وإذا اشتكى لفح السَّموم أخو صدىأجروا من السَّلْسال بحراً مزبدا
وتقدموا يهدونه في سيرهلوردوه حتى يُرُوه الموْردا
راحُ المعرف إن تعاطوا كأسَهَالم يدفعوا عنها نديماً عربدا
وكذاك إن دهم العدى لم يخذلواممن يواليهم جباناً عرَّدا
من كل حامٍ شولَهُ بعقالهتحمى خَشَاهُ مصاله المتمردا
أو كل حامٍ غِيلهُ بمهابةٍتعدو على غلب الليوث وما عدا
منه فريص الأسد ترعد خيفةًلكن فريص حميّه لنْ تُرعدا
أظفارُه حمرٌ خلقن من الردىوبنانه بيض طبعن على الندا
فبهذه كان القضاءُ مسَلّطَاوبهذه كان العطاءُ معوَّدا
أني يضيق خناقُ منسبٍ لهمأم كيف يخطي رفدهم مسترفدا
أو يختشي من يحتمي بحماهُمُأو يجتدي جدواهُم أن يطردا
أهدى لهم أبكارَ فكرٍ صنُتُهاعن غير تنسى العذارى النُّهدا
غرر الطروس بها حَلِينَ فَأَصبحتْطرر الجباه لها عليها حُسَّدا
إذ لم تظنَّ الكونَ يحوي غيرهابيضا محلاةً بحَليٍ أسودا
منساغَةً في الذهنِ دون إساغةفتكاد تسبق بالنشيد المنشدا
في كل لفظ رق معنى رائقٌكأبارقِ الياقوت نحوي الصرخدا
فهْي الحُليُّ لناظرٍ متوسمفحواءُها وهي الحُليُّ لمنْ شدا
أبغي بها مرضاة من برضاه عنحزب التُّقى نال العلى والسؤددا
وقال أيضا في سفره إلى بني دليم:
هاجَ التذَكُّرَ للأوْطانِ في الحِينبَرْقٌ تأَلْقَ مِنْ نحوِ المَيامِين
بَرْقٌُ يحاكي اغتداَء الطير آونَةًونَبْضَةَ العِرْقِ في بعضِ الأحايين
فقلتُ إذ شمتهُ وهْناً أخاطِبهُدورَ المَيامِين أو دورَ الكناوين
سَقْيا لها أرْبعاً شطتْ بساكِنهاعَن نازِحٍ مُسْتَهَامِ القلب محزون
أخِي اغترابٍ رمى صَرْفُ الزَّمانِ بهبحيْثُ يُجمعُ بين الضّبِّ والنُّونِ
سُكناهُ بين أناس جل عقدهُمبيعُ المَلاقيح أو بيع المَضامين
أيمانهم كلُّها لغو ودأيهُمُغصب الأباعير من كلّ الأناسين
وقال أيضا في (نحن) المتقدم:
لا تنكروا ما ادَّعَاه نحنُ مِنْ شَرَفٍبه استبدَّ عنْ آباءِ وأجدادِ
هو الشريفُ بلا شكٍّ ولا رِيبٍلكنهُ حلَّ في مِسلاخ حَدَّاد
وله أيضا فيمن يحرم النبغ:
دع الإكثارَ منْ قالٍ وقيلِكفاكَ اللوْمُ بالكِلمِ القَلِيلِ
أَقِلني إن عَثرتَ على عقاريفخير الصحبِ كلُّ فتى مُقيل
وإلا تزدجر عمَّا عليهجُبْلتَ على التّهوُّرِ والصَّهيل
فإني لستُ منك ولستَ منيوليس رَعيلُ خيلك من رعيلي
ولستَ إلى لقاءِ اللهِ منيبمنزلة الرَّفيق ولا الزميل
ولم تك في الحساب غداً حسيبيولم تك لِي بمولّي أو وكيلِ
تُلوِّمُ أن تعاطينا كؤوساًتذكرنا كؤوسَ السلسبيل
تحاول أن تحرّمَها عليْنافليس لما تحاولُ من سبيل
تريد على إباحتها دليلامتى احتاج النهار إلى دليل
أصول الحلِّ عدوها فعدوانبات الأرض من تلك الأصول
وقبلك ملَّ فيها القولَ قومٌفما أغنوا بذلك من فتيل
وليس اللوْم فيها اليومَ إلاأحاديثٌ تعدّ من الفضول
وإنّ لها فوائدَ واضحاتٍيراها كلُّ ذي نظر أصيل
إزالةَ حِقد ذي الحقد المناويوتَحبيب الخليل إلى الخليل
وجبرَ خواطرٍ وقضاَء حاجٍومعرفةَ السخيّ من البخيل
وفوْزاً إن تعاطاها الندامىبتمييز الظريف من الثقيل
وإيقاظَ النواظر من كراهاوإبراَء المتيّمِ والعليل
وزاد مسافرٍ ومتاع مُقْوٍوأنسًا في الإقامة والرحيل
وتحفة قادم وسرورَ أوأرى حين المبيتِ أو المقيل
وفاكهة الشتاء إذا تأَذَّىوجوهُ الناسِ بالشَّمَلِ البليل
وتطربُ مَنْ يدرّسُ كل فنّوتفرجُ كرب ذي الهم الدخيل
وتلى كل صبّ مستهامعن الخدّين والطرْف الكحيل
وتدفع ذا التلصص فهي أغْنىإذا دفعت من السيف الصقيل
وترضى المسلمين وفي رضاهميؤمل أن ينال رضي الجليل
وحسبك من فوائدها بهذادع الإكثارَ من قال وقيل
وله أيضا:
من التّعْذَالِ حَسْبُكَ يا عذولُفلَوْمُ أخي الغرام هو الفضولُ
فما تغنى الملامةُ من غرامتزول الشامخات ولا يزول
فلوْمُكَهُ عَسِيلٌ وهو صخرٌمِن اصفاءِ تضمَّنَهَا مَسِيل
فلومك لا يؤثر فيه إلاكما في الصخر أثره العسيل
فلو شاهدت من أودى هواهابه ما لمت صبًّا يا عذول
ولكن قد جهلت الأمر منهاوليس كعالم الأمر الجهولُ
أغصّ مخلخلاها كلّ حجْلٍفنادت من يغيثني الحُجول
فقال الثغر عندي الخمرُ لكننأت داري وما عندي رسول
فقال الفرعُ أرسلني فإِنيإلى تقبيل موطئها وصول
إذا لم يعترض من دونها ليفأحبس دونها الكفل الثقيل
وله أيضا:
منْ حبَّ صرْمكِ آئساً من غيرهأقْصَيْتُ مَنْ أنا طامعٌ في خبره
واخترتُ صرْماً منكمُ عن وصلهواخترت لا كم عن أجَلْهِ وجيره
واخترت صيراً منكم عن نفعهآه لنسبة نفعكم من ضيره
وإذا سمعت الخائضين حديثكمأعرضتُ عن ذاك المجال وسيره
صوناً لذكر حديِثكم عن غيركمحتى يخوضوا في حديث غيره
النص من طبعة الشركة الدولية للطباعة بمصر (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع