من «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١هـ)
سيدي عبد الله بن أحمد دام
الملحوظ بالإعظام، من أقرَّ بتقدمه جميع معاصريه، وأذعن له من أهل قطره حاضره وباديه برع في صوغ القريض، حتى كان طوع فكره. ويقال: أن أول ما نظم قوله:
أما والغواني من أناةٍ وناهِدِوما طاب من أَيَّامها والمعاهِدِ
وما لذَّ للعينين منْ بَشراتهاوللسمع قدماً من حديث الخرائد
لقد نزلَتْ أرضاً أميمةُ منزلامن القلب لم تظهر به عينُ رائدِ
وكان حرّ الأفكار، سالماً من التعصب، يعتمد على فكره، من غير متابعة الناس، على ما يعتقد خطأهم فيه. ووقعت بينه وبين الصالح الناسك، محّمْ بن
أحمد البو حسني وحشة، سببها أن بعض القبائل، وقعت بينه وبين إذابلحسن فتنة، فقتل إذابلحسن من تلك القبيلة رجلين، فوفد إليهم محمد المذكور، فتحمل لهم خمس ديات مغلظة، فقال:
أيا شَيخَنا الأستاذَ أنتَ إمامُناوكنتَ لنا عندَ الخطوبِ مَلاذا
حملتَ رعاكَ اللهُ ما لا نطيقُهُوهل حملت تبزكَّ قبلك هذا
مذوا يُسقطون المُدّ ثمَّ تبدَّلوابهِ عُكَّةً إذْ يَحْضُرُونَ جِذانا
فذي ديةٌ من غيرِ عقْلٍ ولا دَمٍوتانِ قضاءٌ وَاثنتانِ لماذا
فقال محم المذكور: أن لماذا لا ترد في عجز الكلام، لان الاستفهام له الصدر، فقال:
هيَ العُرْبُ تأتي منْ وجُوهٍ كثيرةٍيتيهُ بها بعض النُّحاةِ الأكابرِ
لذلك أضْحى بعض أشياخ معشرييقولبون ماذا لا تُرى في الأواخر
وألفٌ لماذا في النوادِرِ كرّرَتْوهل تجهل الأشياخ ما في النوادر
يشير إلى قصة الاعرابي، الذي سأل بعض الأمراء، فقال له: ما يجبر كسرك؟ فقال: ألف وألف وألف. فقال الأمير: ألف لماذا، وألف لماذا، وألف لماذا؟ فذكر الأعرابي لكل ألف وجها يصرفها فيه، وهي في أمالي أبي عليّ القالي، وكتاب (الأمالي) يعرف عند أهل الصحراء بالنوادر. قالوا: فقال الشيخ - أبعد الله - فكان ذلك سبب جولاته. ووقعت بينه وبين إدييج مشاعرات، تقرب من المهاجاة، وسببها أن إدييج كان يهجو التجانيين. وكان سيدي عبد الله المذكور يعتقدهم. ومما قال يخاطب إدييج:
صاح لا تَسْعض أَنْ تُلمَّ بنادِيتعاطَوْنَ غِيبةَ العُبَّادِ
عَدِّ عَنْ ذكَ وَلْيَكُنْ لك شُغْلٌبالذي فِيكَ مِنْ خَفيٍّ وَبَادِ
كيفَ لا يَغْنَمُ السّلاَمَةَ مِنّىرَائحٌ في عِبادَةِ اللهِ غادِ
إن بَدَا ما يُقَرّرُ الشَّرْعَ عِنْدِيمِنْهُ سَلَّمْتُ تَارِكاً لِلْعِنَادِ
وإذا ما بَدَا بعيدُ احْتمالٍلِسَدَادٍ نَسَبْتُهُ لِسَدَادِ
إِنَّ نُكْراً نكِير مَنْ ليس يدريوقمينٌ بالعُزْلِ تَرْكُ الجِلاَدِ
وإذا لم يكنْ لديْكَ نِصَابٌفلّيُزَكَ المَليُّ ذُو الأذْوادِ
إنَّ أمراً قد أحْجَمَ الحبْرُ عَنْهُنَجْلُ عَبدِ الجليلِ وَابنُ الجَواد
لَجَدِيرٌ أن لا تَكُرَّ إليهكَيْفَ كَرُّ البِغالِ بعْدَ الجيادِ
وغلطة إدييج في قوله - إن نكرا نكير من ليس يدري - حيث نكر اسم إن، وذلك غير صواب، لان الأعشى ميمون، من الطبقة الأولى من الجاهليين، وقد نكره، قال:
إنَّ محلا وإنَّ مرتحلاوإنَّ في السّفر إذ مضوا مهلا
وفي قوله - فليرك الملي ذو الأذواد - لأن الذود، تقال للثلاث وما فوقها إلى العشر، وأفعال جمع قلة، وهو أيضا من الثلاث إلى العشر، والحاصل أن من عنده
أذواد لا يقال له ملي، وهذا غير سديد، لان الذود قيل فيه: انه من الثلاث إلى العشرين، وقيل إلى الثلاثين، فإذا جمعنا ثلاثين عشر مران صار مليا، ولأن جمع القلة قد يرد للكثرة. قال تعالى: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام) ولا يقال: إن أقلاماً هنا للقلة معنى، وله أيضا في هذا المعنى:
من كان في مَذهب التيجان مُمتْرِيافإنني لكمال الشيخ معتقدُ
مَن ينظرِ الكُتُبَ التي أفاد بهاينظر كلام محق كله رشدُ
أمَّا الذين تعاطوا ورده فلقدأعيا على العدِّ حصراً منهمُ العدد
وليس يُعدَمُ في الاعراج غَصَّ بهافِيح الفلا عَرَجٌ في البعض أو حرد
إن يأتِ منتسب ينمى إليه بمايخالف الحق عقَّ الوالدَ الولدُ
فاردد عليه بمضمون الثلاثة فيقيد عن الشيخ لا يْجمح بك الحَسدُ
سُمٌّ وحيٌّ فلا تذهب لتلعقهُإن العقول عن أسباب الردى صفد
وله في إدييج، قصائد عديدة، ولادييج قصائد يجيبه بها، وما حفظت من ذلك إلا ما تقدم، وقد رأيت رائيتين لهما في بحر واحد، ومطلع كل واحدة منهما:
سلام كما هب النسيم المعطَّرُوإلا فمسك طيب النشر أذفرُ
ثم تفترقان بعد البيت، إلا أنهما ما أقذعا فيما وقع بينهما، وجال سيدي عبد الله جولة عظيمة، في كل ناحية من نواحي السودان، وله أبيات جيميمة قالها لما وصل إلى بير:
أفي الحق أني كلما مرَّ قافلٌطغَتْ زفرات في الحشا ونشيج
ووارى غُروبُ الدمع إنسان مقلتيفيالمَعينٍ سال وهْوَ مشيجُ
ومنها:
كذاك حسبتُ الأفقَ حَلقةَ خاتمٍغداةَ بدتْ مِنْ دَيْرِ بَيْرَ بُرُوج
ثم قال في آخر بيت منها - فأعيج - وغلطوه فيه، لأنه استعمل عاج في
الإيجاب، وهذا غير صحيح، لأن عاج وإن كان الأكثر مجيئها في النفي، فقد وردت في الإيجاب. قال الشاعر:
ولم أر شيئاً بعد ليلى ألَذُّهُولا مَشربا أروى به فأعيج
كوسطى ليالي الشهر لا مقسئنّةولا وثباً عجلى القيام خروج
وقال وهو في أرض إسنغان:
ألا ليت شعري هل إلى معهد النوىخلاص من أيدي النَّأي والجَولان
وهل لي بجنبي تغَرَرَيتَ إلى الصفاإلى الاجرع الغربي فالجُرُذان
إلى جنبتيْ ذي قَسْطلٍ متنزّهٌفإِني إليها دائم الهَيَمانِ
وتبدو لعيني بلدة وأحِبَّةٌعَداني طويلا عَنْهُما المَلوَانِ
فيرأبَ ما أثأتْهُ أيّامُ سالمٍوأيَّامُنا في ساحةِ السُّنُغانِ
وأخرى أقمنا في قُرى جُلُفِ الَّتيأقمنا بها في ضَيْعةٍ وهوانِ
فمنْ منظرٍ تَقْذى به ورطانةٍنصِمُّكَ أخزى مَنظرٍ ولسانِ
بلادٌ رَمتْنا بينها لا مُحبَّبٌإلى العين مرآها يدُ الحدثان
ومَنْ صحب الأيامَ أنأين جارهوأدْنَتْ لهَ منْ ليس بالمُتدان
وقال وهو في أرض السودان:
مِن أينَ وأنيّ للِفؤادِ صُدُودُوفي كلّ أرْضٍ من بلادِكَ رُودُ
إذا أنا أزْمَعْتُ الصُّدودَ تلاعَبَتْبِعُقْدَةِ عَزْمي أعْيُنٌ وخُدُوَدُ
فأصْبحتُ مشغُوفَا بكلّ مليحةٍبَدَتْ لي فبيضٌ بعضُهُنَّ وسُودُ
وقال أيضا:
بينما نحن بالنتجالَ نُوَامُإذْ أتَتنا تميسُ ثمَّ أمامُ
وانتبهْنا وقد مُلِئنا سُروراًفإِذا الأمر كله أحْلامُ
وله من قصيدة، يمدح بها العلامة، حرم بن عبد الجليل العلوي، ويهجو بُلاَّ بن
مَكبد الشقراوي:
جابَتْ على شحَط المزار نوارُفِيحاً إليكَ مُتُوتهُنَّ قِفارُ
يُلفْى بها غَرِد الصّدى متوسطاتيها يتيهُ بها القطا ويَحارُ
لوْلا القتيرُ وأربعون لا سْبَلتْمِنّى عليها دمْعةٌ مِدْرارُ
وليس في حفظي منها، إلا هذه الأبيات، وهي من أجود شعره.
وقال أيضا:
ما سَفَّهَ الحلمَ واسْتَصْبي أخا كِبَرٍكالكاعبِ الرُّودِ لم تَعْدُ اثنتى عَشرَهْ
كأنها فَنَنٌ طَوْعَ الرّياحِ فماتَنْفكُّ مُسْفِرَةً طوْراً ومُخْتَمِرَهْ
عَجْلي القِيامِ ضحُوكٌ عَنْ مُؤَشّرَةٍتُنْسى مَلاحَتُها ذا لؤلؤٍ دُرَرَهْ
وفي الجوابِ وفي كلّ الذي نَطقَتْظيْشٌ ترُدُّ بهِ الأكبادَ مُنفَطِرَهْ
يَخالُ ذو الجهلِ أنّ الخوْدَ ليس لهالُبٌّ وَيُعْجبُهُ مِنْ ذاكَ ما اختبرَهْ
فغضبت امرأتُهُ من هذه الأبيات، وخرجت من بيته، وقالت له: ابن بيتاً من الشعر، فقال:
منْ يهْجُرُ الشعر جَرَّا عاذلٍ زجَرَهْأم من يطيق صدودَ الحِبِّ إنْ هَجَرَهْ
أضحتْ صَفيَّةُ عن لُقْياكَ مُعْرِضَةًوالشّعْرُ يَعْرِضُ مِنْ مكنُونِهِ دُرَرَهْ
لم أدْرِ أيُّهما أدْهى مُفارَفَةًكلٌّ يحِنُّ فؤادي دائما أثرَهْ
قد كنتِ ياذي إلى نفسي محببةًورُبما صَدَّقَتْ حالُ امرئ خبَرَهْ
طئَتْ عن القلب رمياتُ الحسانِ سِويسَهْمَيْكِ قدْ قَرَعا أعْشارَهُ العَشَرَهْ
فما عليكِ إذاً لو رُحْتِ عالمةًأنَّ القَرِيضَ جناً للفكر لَنْ يذرَهْ
أمْ خلتني مثلَ أقْوامٍ عَهِدْتهِمُطُوعَ الحلائل لا يعصونَ أمر مَرَهْ
كلاَّ لعَمْرُ بناتِ الفِكرِ ثمَّقَهاحَرَّانُ ذاد بها من همه شرره
بَلْ لَيْتَ يومَا فتاةَ الحيّ إذ أمرتْأن ابتني من قريضي واسعَ الحُجُرهْ
تدرِي حقيقتَهُ علمَ اليقين لِكيْتَرى البيُوتَ سِواهُ غيْرَ مُعْتَبَرهْ
وقال أيضا يمدح الشيخ سيديَّ:
ما للمشيبِ وفعل الفتيةِ الشَّبَبَهْوللبيب يواصي في الصّبا خَببهْ
آنت لذي شَمَطِ الفودينِ رجعتهإنَّ القتيرَ ليَحمي ذا النُّهى طرَبهْ
لمَّا تأوَّبني منْ طولِ ما جَمحَتْنفْسي هُمومٌ رَمتْ صَبْرِي بما سَلبهْ
ناجَيْتُ فكري وقد أمعَنْتُ من نظريثمَّ استمر بيَ الرَّأْيُ الذي اكتسبَهْ
أن يمْمَتْ شرَفَ الدينِ الكمالَ بناعلياءُ تعتسف الآكام والهضبهْ
حتى وضعتُ عَصى سَيْري بباب فتىًيؤوِى الطريد ويولي الراغب الرغبهْ
من نبْعة طيّبَ الباري أرُومتهابيتاً أحلَّ ذُرى المجدِ العُلى نسبهْ
حارتْ أناسٌ بجَدْوى حاتمٍ ولقدنَرى سَخاءً كمالَ الدينِ قد غلبَهْ
أغْنى العماعِمَ مِنْ راجيهِ سَيْبُ نَدَامَنْ لا يُمنَّ على العافينَ ما وَهبهْ
مَن كان يَفْضُلُ لِلمُعْتَرِّ إِنْ عَرضَتْعزَّاءُ تعْدُو عَليهِ أُمَّهُ وَأَبَهْ
أَحْني على الشُّعْثِ والأيتام مِنْ نَصَفٍعلى صَغيرٍ لها قدْ أكبرتْ عَطبهْ
أشدُّ عندَ تمادي أَزْمَةٍ فرَحاًبالمُعْتقين مِن العافي بكلّ هِبهْ
يلقى العفاة بوجهٍ من سماحتهِكالهِنْدُوانيِّ تجلو متنَهُ الجَلَبهْ
وَإنْ أَلَمَّ بهِ ضَيْفٌ فمرتحليُثنى وكان جميلَ الظنّ إذْ رَغِبَهْ
ولَّى يفرّقُ حمدَ الشيخ في فِرَقٍشتًّى ويكثرُ مما قدْ رأى عجبَهْ
رأى هنالكَ أخلاقَ الكرامِ إلىزِيِّ الملوكِ وَزِيِّ السَّادَةِ النخبَهْ
رأى مُصَرَّعَةَ الأنعام قد قسمتْبين الصفيفِ وبين الجَونَةِ الرَّحَبه
رأى الوُفُودَ على بابِ الكمالِ كمايرى الدُّنُورَ على عِدٍّ حمتْ قُلُبَهْ
من مُعْتفٍ وأخيِّ فتْوى ومُلتمِسٍفَصْلَ القَضا ومريدٍ كشف ما حُجِبه
أو كشْفَ مسألةٍ والكل قد وسعتجفائه ولكلّ منه مَا طلبهْ
فاللهُ بارك في نفْسِ الكمالِ وفيما اللهُ موليهِ من قُصوى ومقترَبهْ
إنْ تستَبِقْ حَلباتُ المجدِ راكِضةٍخَيلَ المعالي تَراهُ سابق الحَلَبهْ
لا يضمرُ الضَّجْرَ من جارٍ أساء ولامِنَ المُرافِقِ يوهي صَبرَ من صَحِبَهْ
ولا يضيقُ ذراعا بالذي صَنعتْأبدِى الحوادثِ تبنز الفتى سَلَبهْ
وكم ثأيً بينَ ما حَيْين أصْلَحَهُخَرْزَ الصّاعِ لمسني أجرة قِرَبَهْ
أمَّا الرِّقاعُ فأعْلاقٌ يجودُ بهاوالسيرُ نصحُ بلغٍ يَبتغي القرُبه
رآهُ ذو العرْش علامُ الغيوب لذاأهْلاً فساق لهُ مِنْ قبله سَببَهْ
عِلماً وفَهماً بَصيدُ المشكلاتِ بْهِدَرْكَ الطِّمِرَّةِ مَنْ سرْبِ المَهى عطبه
ومَصَّ كلَّ درورٍ من مسلسلةٍدُرًّا تَخيَّرَهُ للملك مِنْ ثقبهْ
لما تغلْغلَ في علمِ الشريعةِ منْصافيهِ أعَملَ في نَيْلِ العُلى بُحبهْ
شدَّ الرحالَ على عُتْقِ الرِّكابِ إلىتاج الأجِلّةِ من ساداتِنا النُّخَبهْ
فنال ما نال إذ حطّ الرحالَ وماأدراك ما نال يأواها لها رتبهْ
فأصبح الشيخُ مأوى كل ذي ظمإِكما يُصَبَّحُ مُسْقى دجلةَ القربَهْ
ترى الوقار عليه والسكينة فيحال الحفيظة مما أن ثنى غضبه
وقال أيضا: وسبب هذه القصيدة، انه لما كان في أقاصي السودان، اشتاق إلى أوطانه وأهله، فترك أولادا له صغارا، ورجع إلى أهله. فلما أقام مدة بين أظهرهم، اشتاق إلى أولاده، وحن إليهم، فأراد قومه أن يثبطوه عنهم. فلما علموا انه لا يمكنه تركهم، جعلوا يعدونه برفقاء ليأتي بهم، فقعد سنة ينتظر وعودهم. فلما تحقق خلفهم، شد رحله على جمله، ووافاهم في مسجدهم، فلما قضوا صلاتهم، قال لهم: لا يخرج أحد حتى أتم كلامي، فأوَّل ما نطق به، ان أقسم لهم أن لا يصحبه أحد منهم، ولا يأخذ منهم زادا ولا غيره، ثم أنشد القصيدة، وركب جمله، فبعد مدة طلع عليهم في مسجدهم ذلك ومعه أولاده، وعنده خمسة عشر
عبدا. وهاهي القصيدة:
تجلدتُ للتَّوْديع والقلبُ جازعُوأخفيتُ ما كادتْ تبينُ المدامعُ
ترقرق دَمعٌ لَوْ أطعتُ غرُوبهذرفْنَ كأجرى ما تُفيضُ الدَّوافعُ
فيا عجبا أخشى الفراقَ وطالماحَرَصْتُ عليهِ مكرَهاً أنا طائعُ
أَمَرُّ النَّوى مَنأى حَبيبٍ إذا دنالَوَتْكَ بمحبوبٍ بلادٌ شواسِعُ
هما طرفا ميزانِ شوقٍ كلاهماتُطلّقُني أَهْوَالُهُ وَتُرَاجعُ
أُتيحتْ لغرْبِ الأرْضِ منى زيارةٌوفي الشرْقِ أرْضٌ في المزارِ تُنَازعُ
ألا فارْحَلا قبلَ الصَّباحِ مَطِيّنافلمْ يَبْقَ إلا أنْ تُجابَ البلاقعُ
إلى حاجةٍ لم يثْنِ عنها عَزيمتيصَديقٌ بألوانِ الملامَةِ صادِعُ
غدا إذْ غدا فَرْخاهُ منهُ بمنظَرِيُثبَّطُ لو أَنَّ الشجيَّ يُطاوعُ
أَأُصْغي وأفْرَاخي قدَ أعْرَضَ دُونَهُمْعِراضُ الفيافي والجبالُ الفَوارعُ
دعاني إلى نسيانهمْ كلُّ راقمٍعلى الماءِ صَمَّتْ عَنْ دُعاهُ المسامعُ
إذا وَعدوا بالمالِ ثمَّ ذكرْتُهُمْتلاشَنْ إذاً لو يعلمونَ المَطامعُ
وإنْ خدعُوا بالغِيدِ غادرَ ذكرُهمْلَدَيَّ هباءً ما وَشاهُ المخادعُ
وإن قيلَ في أهلِ التغرُّبِ أَسْوةٌفما أنا للضَّاوِينَ في العَجزِ تابعُ
سَأُعْمِلُ سَيْرَ النُّجْبِ نَصًّا إليْهُمُوأهملُ لغْواً رأْىَ مَنْ هُوَ راجعُ
وَمُعْطى عُهودٍ أنْ يُرافِقَ أَصْبَحَتْتَمُرُّ بها نُكَبُ الرِّياحِ الزَّعازعُ
يُضاعَفُ منْ عزمي على السَّيْرِ كلمابَدَتْ مِن ضميرِ المخلفين الجنادعُ
بدا ما طوى مَن كان يزعمُ أنهسَيطوي إلى البيد والحقُّ ناصعُ
تكاسَلَ إخواني الأقاربُ في الرَّخالَدُنْ صَدَعتْ شملي الليالي الصَّوادعُ
فما اسْتأجَروا لي صاحِباً مِن سِواهُمفَرُبَّ أجيرٍ في المضايق نافعُ
ولكنْ كفتني منّةً سَيَمُنُّهافتىً لم تدُمْ مِني لديهِ الصَّنائعُ
جَلادَةُ نفسٍ بَيْنَ جَنْبيْ مُجَرِّبٍتهابُ قتادَ المنِّ منهُ الأصابعُ
ويصغُرُ في عينيهِ ما استعْظمَ الذيتَهُونُ لدَيْهِ الدَّاهِياتُ القَوَارِعُ
أَمَا والمَوامي والهواجرِ والسُّرىوأنضائها منها رَهيصٌ وظالعُ
لئن أسْلموني للنوى لم يكنْ معيأخٌ لِحُميَّا وِحْشةِ البينِ دافعُ
لمَا أسلموا حيران يعيى بأمرِهِإذا راحَ كلُّ الناسِ وَهْوَ مُقاطعُ
ولكنْ غنىَّ النفْسِ أمْضى عزيمةمِن العضْبِ جَلاَّهُ الكمِيُّ المصارعُ
تعَوَّدَ فقدانَ الرَّفيقِ بأمْكُنِتغول بها نفْسَ الجَبانِ الرَّوائعُ
خَليليَّ مَنْ يخشى اعتسافَ تَنُوفَةٍلَوَاهُ بِحَوْجا وهْدُها والأجارعُ
فإني لَمِقدامٌ على كلّ مَهْمهٍيَتيهِ به لو كان يغشاهُ رافعُ
جَسُورٌ على دُهْمِ المخاوف في يديعُرَى الحَزْمِ لا يلفي بها وهو ضائعُ
صَبُورٌ على برح المشقَّاتِ يَنثنيعَنَ أهْوالها الزرقُ العيون السمادعُ
ولستُ لأمرٍ إنْ تعاصى بتارِكًولسْتُ لِمَرءِ في أمُورِي أطاوعُ
أصِيخُ إذا قالوا وأتبعُ ما أرىوما سَيفُ منقادِ القَرِينةِ قاطعُ
وما ضمَّ ثَوْبي عاجزَ الهَوْءِ كلَّمَاأشار عليه غيرُهُ فهوَ طائعُ
شكوتُ إلى المُبْدي المُعِيدِ بمثلِ ماشكوتُ به إذْ عَوَّقَتني المَوانعُ
فَسنَّ امتناناً أمرَ حوْجاَء طالمالوَتْ فانثنى باليأسِ مَنْ هُوَ طامعُ
ألا ليْتَ شعري هلْ أراني بصبيتيطليقاً من أيدي النَّأي والشملُ جامع
عَلَىَّ إذاً إطعامُ أضعافِ من مضىوصَوْمٌ بصيْفٍ سَبْعةً مُتتابعُ
وقال أيضا يمدح النبي ﷺ:
تألَّقَ لَمَّاعُ الوَميضِ لَمُوحُبذي السَّرْحِ يَخفي تارةً ويلوحُ
جَلا عَنْ رَوايا بتْنَ يَمأدْنَ مثل ماينَوءُ مُداني الساعدَيْنِ طَليحُ
سَقي دِمناً حَوْلَ اللُّوَى وأرْبُعاًعلى الغارِ نجاَّجُ الفُواقِ سَحُوحُ
وجادتْ على أطلالِ زارَ مُرِبَّةًبها كلُّ غَرَّاءِ الجبينِ دَلُوحُ
مَعاهِدُ يَرْتاحُ الفؤادُ لِذكرِهاوأهْتِفُ شَوْقاً باسمها وأبوحُ
وتعتادُني منها طوارِقُ لوْعةٍكما انقَضَّ رَوَّعُ الرَّعيلِ جَرُوحُ
فَدَعْ ما تَرى وافْزَعْ إلى الصّبْرِ إنماأخُو الصبرِ في عُقْبي الأمور تَجوحُ
وإياك أن تُلْفي هيوباً يَصدُّهُعَنِ الأمر حيناً أن يَمُرَّ سَنيحُ
وعرجْ على صَدآَء واسْتسق وِردَهاعَسى أن يتيحَ الرِّيَ منهُ مُتيحُ
سَلامٌ بأنفاسِ العَبيرِ يفَوحُعلى النورِ يغَدُو دائما ويَرُوحُ
سلام على قطب العُلى الأوحد الذييُرَوّحُ منه السَّامعين مديحُ
سلام على شمس الضحى قمر الدُّجىوَنَجم الهدى ذو عَوضُ ليس بزيح
سلامٌ على عِزِّ الحجازِ وأهْلهِمَنْ اتْبأهمْ شِقٌّ به وسَطيحُ
وأدْهَشَ منهُ الوافدين جَلالةًوَسيمٌ أغرُّ الوَجنتينِ صَبيحُ
وسكّن لما استأنسوا بعضَ رُعْبِهمبهِ خُلُقٌ حُلْوُ الجناةِ مَليحُ
لكم جاد فقرْاً عندَ بابِ ابنِ هاشمٍرَوايا نَدًى مِنْ راحتيهِ سَفُوحُ
ونالَ عَظيمُ السُّؤالِ أوْفرَ نائلٍيجودُ بهِ رَحْبُ الذّراعِ سَموحُ
وخاضَ وغى الهَيْجاءِ منه بصَحبهِأخُو عَزماتٍ في الخطوبِ مُشيحُ
وجَدَّتْ به جُرْدٌ إلى حومةِ الوغىمَذاكٍ ويَجْبٌ للِمَشاعِرِ رُوحُ
فما شغلتْهُ الحَربُ عن صَوْبِ مَنْسِكٍولا نُسُكٌ أن يُستباحَ جَموحُ
إذا ما أبي إلا جِماحا عَنِ الهدىفَرِيقٌ بَداء باللّيانِ نَصوحُ
غزاهُ فأمسى عُرْضَهَ البيضَ والقَنافما منهُ إلاّ فائظٌ وجَرِيحُ
فلما رأوا أنْ لا مَناصَ وأنهلِسائمتيهمْ والحريمِ مُبيحُ
غَدًَوا مُسْعِدينَ الدينَ من كل وِجهَةٍوأنْفُ مَناةٍ في الرَّغامِ طرِيحُ
فَراحَ سَناهُ في سَناءِ وأدْبَرتْبنجْدة غيّ المُشرِكينَ طَموحُ
حَمى حُرُماتِ اللهِ لوْلا انتِهاكُهُمْلها ما انتهى حِلْمٌ هناك صَفوحُ
فكم سَفِهَتْ ناسٌ عليهِ وما ازدَهَتْوقاراً يُحاكيهِ أشَمُّ مَروحُ
كما انقَضَّ للميلادِ شهْبٌ ولم ينَلْمِن الملاءِ قُصْوى العُدْوَتين سَبُوحُ
فما مِثْلُ مَجدِ المصطفى قطُّ ماجِدٌولا النَّجْمَ ساعٍ ان يَنالَ شحيح
يَرُوقكَ مِنْ قَوْمٍ عُلاً تَستَفِلًّهاإذا اشْتَمَّ مِنْ رَيَّا المؤمّلِ رِيحُ
وتستَعْظمُ الأطوادَ ما لم تُسامِهابه فمدَى فَضْلِ الأمينِ نَزُوحُ
إذا ما تولّي ماجدٌ راحَ مَدْحُهُوفي جِدَّةِ الإشعارِ منهُ نُزُوحُ
سِواهُ ستلفِي نَفخةُ الصُّورِ السُناًمِن الناسِ دَأباً تَغْتَدِي وترُوح
ليُهدَى إليهِ مِنْ ثناءِ يَحُوكُهُقَرِيضٌ يُرَوِّى السامِعينَ صَليحُ
وكلُّ جَزى مَدْح وإنْ جَل ينقضيسِوي مَدْح طهَ إنه لرميحُ
أُعِدَّتْ لهم جَنَّاتُ خلدٍ تزخرفَتْوحورٌ بأبوابِ الخِيامِ جُنوح
وإني وتَعدَادي حُلاهُ كحاسِبٍمِن الرَّمْلِ ما ضمَّتْ مهامِهُ فيحُ
تواصفَ خيرَ الخلْقِ ناسٌ وقصَّرُواونى الجهد منهمْ والمجالُ فسيحُ
تولَّتْ يَدُ الغاياتِ مِن دُونِ فضلهِفسيَّانِ مِنَّا باقِلٌ وَفصِيحُ
سِوى أنَّ صَدْيانَ المَحبّةِ واردٌفمغتبقٌ إمَّا لواهُ صَبُوحُ
نَعمْ أبْنَ مِنّا قَدْرُ مدحِكَ بَعدَماأتى النَّاسَ وَحيٌ بالثناءِ صحيحُ
أيا مصطفىً والناسُ لا ناسَ راغبٌببابكُمُ هَوْلُ الجَنانِ طريحُ
يَهابُ حَياءً أن يَبوحَ بُسؤلهِلدَي مَنْ لِخَلاَّتِ البّزِيلِ لَمُوحُ
تَحيَّةُ ربّ العالمين يُرِيُحهاعَليكم وَيَغدُو مُبكرٌ ومُرِيحُ
ورَيَّا سَلامٍ دونَهُ المِسْكُ نَفْحةًنَفُوعٌ لمِهُدْيهِ الجَرُوعِ تَفُوحُ
وعَرْفُ صَلاةٍ تَفضُلُ العَدلا انِقضىلها ما جَزى حُسْنَ الثناءِ جَزوحُ
وعَظّتْ مُلِمَّاتُ الزمانِ فأفظعَتْوما عِيلَ صبْرٌ للنبيّ رَجوحُ
تَخيّرَهُ منْ خيرِ خيْرِ أرُومَةٍنمى نَحرَها سامُ بْنُ نُوحٍ ونوحُ
لِيمُنَحَ مالا يَقدُرُ الناسُ قدْرَهُسِوى لَمْعِ نَزْرٍ مِنْ سَناهُ يَلوحُ
وأسْعَدَهُ في اللهِ أسْعدُ شيعةقدِ اجتاحَ منها الجاحِدينَ جُرُوح
وأخْمدَ طُغيانَ الضَّلالِ وإنَّهلأعْيُنِ أصحابِ العَمى لَفَتُوحُ
وأرْغمَ أنْفَ اللاّت واللاَّءِ بَعدَهمْعَذارى قُرَيْشٍ لا تَزَالُ تَنُوحُ
ومهَّدَ بيضاً ليْلُها كنهارِهابمسْكِ معالي المَكرُماتِ تفُوُحُ
تَكلَّفَ أعْباَء العبادةِ جاهداًفليسَ لهُ مِنْ وَنْيَةٍ فَتَرِبحُ
عجبْتُ لحزبٍ يَمْتَرِي في اصْطِفائهوقدْ شُقَّ مِنْ بَدْرِ التَّمامِ صَفيحُ
وجاَء خِطابٌ أنْ يَجيئوا بمثلِ ماتَنزَّلَ مِنْ حُسْنِ الحديث صحيح
فلمْ يَقْدُروا بَلْ لمْ يكادُوا وما أتَوْابهِ هَوَسٌ يُخْزِى ذوِيهِ قَبيحُ
وفَوَّهَتِ الأحْبارُ تَتْرَى بَبعثِهِوأعْلَنَ مُوسى باسمهِ ومَسَيحُ
وفاهَ جمادٌ طِبْقَ عَجْماَء أفْصَحَتْوهاتِفُ جِنٍّ لا يَزالُ يَصُيحُ
وجيشاً كفى صاعا طعامٍ ومَشْرَبٍومُسْتَهزِئٌ أرْدى عَمىً وقيوحُ
وَخَدْشَةُ سُمٍّ يَقْصُرُ السُّمُّ دُوتَهاونَقْعى وبطنٌ مِنْ أذاهُ مُريحُ
وكان ﵀ في صدر القرن الثالث عشر، وقد رأيت بعض ولده لصلبه.
النص من طبعة الشركة الدولية للطباعة بمصر (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع