من «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١هـ)
محمذ بن السالم
(بذال معجمة مكسورة منونة) مصحف محمد البوحسني ثم البانعمري، وهو من قبيلة الذي قبله: شاعر مجيد رقيق الألفاظ سلسها، وقد رأيته، وهو أسمر، وكف بصره في آخر عمره، وكان يقول إذا سمع الناس يطرون الأحول الآني: أنا أشعر منه وأحول، وكان القياس أن يقول: وأشد حولا،
لأن أفعال العاهات، لا يأتي منها فعل التعجب، ولا اسم التفضيل. وإنما جرى في ذلك على مصطلح العامة، وكان في صدر القرن الرابع عشر. ومن جيد شعره يمدح الشيخ سيديَّ:
قفا نَستَنْطِقِ الدّمِنَ البَواليونبكي أعصُرَ اللهْوِ الخوالي
قِفا بي لحظة أسكُبْ دُموعيبأغْبَرَ موحِشِ العَرَصاتِ بال
بشقّ البَيْتِ غيَّرَهُ السّوافيوأقدَمَ عهدَهُ مَرَّ الليالي
تكنسه ذواتُ شوًى ضئالٍمكانَ مَهيً ذواتِ شوَى خِدالِ
وكم غَنِيَتْ بساحَتهِ عَرُوبتبسَّمُ عَنْ عَوارِضَ كللّئالي
خَدَلّجَهُ المُخَلْخلِ عُلَّ فُوهاشآمِيةً كلوْنِ دمِ الغَزالِ
تماطلُ بالمؤَمل من جناهابُغَاتِ البُسْلِ هيّنَةُ الحلالِ
فدعْ هذا ولكنْ ما لسلمىكلفت بها وترْقَبُ عنْ وصالي
تأوَّه إن تغمدها نحيفٌيضمُّ لحاقُهُ شخصَ الهلالِ
وعابَتْ خِلقتي والعضبُ يلفىصقيلا تصله والجفن بال
وقافيةٍ بذلْتُ الوسْعَ فيهالتصلحَ أن تُزَفَّ إلى الكمال
أُحاوِلُ أن أضمنَها خِلالاتَضَمَّنَهَا فمنْ لي بالمُحال
إمامٌ في مصالح ذي البراياوفي كسبِ المَحامدِ غيرُ آل
يقصر عن مداه أبو عدِيٍّويحيى وابنُ مامةَ في النوالٍ
وتَخْجَلُ مِنْ سَناهُ إياتُ يوحٍفتكسفُ حين تدنو للزَّوال
ولم أرَ قبلَ مسجدِهِ مَصلىًّتضمَّنَ وابلاً سَرِبَ العَزال
يداه غمامتانِ على البراساعلى التدآب دائمتا الهِمَال
فذي عمَّتْ بصَيّبِهَا وهَذيتخصُّ به ذوي الهمم العوالي
تجرَّد للعُلى شيخان يبغيمقامات عَصين على الرجال
لمعترٍّ وجارٍ وابنِ عمٍّوأرملةٍ تُؤَاكلها الموال
وعَرْجَلةٍ من الغرْباءِ شُعْثٍمن اللّؤْاواء تجْأر كالسعالي
جَمَعْتٌ على مُكلَّلةٍ رداحٍكجابيةِ المخوّلِ وفْرَ مالِ
وعانٍ قد فككتَ ومستضيفٍحَضأتَ له الزَّخيخ على التّلال
كِلا الغَوْثين علكَ قهوتيهولم تترك لغيرك من فضال
فرحْت ولا يعابُ عليك فعِلٌولا ألفيتَ مغلوبا بحال
تخالقُ بالجميلٍ الخَلْقَ طُرًّاوأنْتَ معَ الخليلِ الفردِ خال
حوتْ ما دون مرتبة التنبّييداكَ من المكارمِ والمعالي
وأنت إذاً من الثقلين طُرًّابمنزلةِ اليمين من الشمال
هذا ما تذكرت منها، وما أدري أبقي منها شيء أم لا. وسمعت بعض الأدباء، يحدث انه كان مقيما عند الشيخ سيديَّ، وكان يقابل مع بعض تلامذته الحماسة، فمر ببيتين وهما:
ما استحسن الناسُ من أكرومة سلفتإلا رأوها على استحسانها فيكا
ولا تحلوا بمعنى يستحب لهمإلا وكان معاراً من معانيكا
فضمنهما قصيدته الآتية، ولعل مراده حماسة أبي تمام، فإنهما لا يوجدان بها، والقصيدة هاهي:
ودق الرَّواعيد نزرٌ من أياديكاونفحةٌ المسك هبَّتْ من نواحيكا
ومن جَداك استَمدَّ البحرُ مادتهفما جرى البحر إلا من جداويكا
والشمسُ تخجلُ من أنوار غُرَّتكمكما تضاَءل رَضْوي أنْ يساميكا
تدنى القَصيَّ متى قصاه أقربهُحتى يرى أنه أدنى مواليكا
نيل الأماني قليل من تفضلكمعلى جميع الورى في حَقّ عافيكا
وقد أرى الناسَ فيكم ينشدون ومامنهم محيط بأدنى من أدانيكا
ما استحسن الناس من أكرومة سلفتإلا رأوها على استحسانها فيكا
ولا تحلوا لمعنى يستحب لهمإلا وكان معاراً من معانيكا
مرآهمُ الظلَّ يدعوهم لما وصفواحتى رأوا أن ذا وصف يكافيكا
وهل تنال بمرأى الظلّ معرفةٌأم كيف وصفك مجهولا بماحيكا
فشأنيَ الصُّمْتُ إنّ الصُّمْتَ أبلغُ مننُطقِ الألى زعموا أن بالغوا فيكا
أقررتُ بالعجزِ عمَّا فيك يا أمليإذْ فيكَ ما فيك مما اللهُ مُوليكا
أقررت بالعجز عن أدنى حُلاك فلاتحْرِمْ نوالك ملهوفا يناديكا
وقال ايضا، وهو مقيم عند الشيخ سيديَّ:
أهلاً وسهلاً بطيفِ الخودِ فاطمةٍلكنَّ ربقةَ آلِ الشيخ في عُنقِ
طافتْ بنا بعد تهجيعٍ فقلتُ لهابنتَ الكِرامِ ألا لا وصل فانطلِقِ
لا تَحْسبي نفثاتِ الشيخ مبقِيَةًمَرمى لنبلِ لحاظِ الجُؤذُرِ الخَرِقِ
لو كنتُ أصبو إلى خَودٍ لكنتِ ولكن ليس وصْلُ الغَواني اليوم من خُلُقِ
لا ينبغي لامرئٍ أمْسى تعلقُهُبالشيخ يصبو إلى الجيدانةِ الفُنُقِ
ما حضرة الشيخ ملهى عاشقٍ كلفٍولا الكلى والعُجَى يُجْمَعْنَ في شُدُقِ
وقال أيضا:
يا باحثاً عن طباعي كيْ ليعْرِفَهافِعلى يُعبّرُ عنْ ما رُمْتَ تعبيرا
إني امرؤ لم تكنْ يا زَيدُ راحَتُهُولم يكنْ مالهُ يوْماً دنانيرا
لكنما تلوه التمييزُ مُظِهرةٌضَرِيبةَ المَرْءِ إنْ لؤماً وإنْ خيرا
وقال أيضا:
أميمةُ إنْ يكنْ خَلقَاً ردائيفقدْ يَبلى جفيرُ الهِندواني
وإنْ يك يا أميمُ الجسم خلاّفما يُزرى النحولُ بأفْعُوَان
وإنْ لم ألفَ ذا مالِ فإنيأنا الطرْفُ المضمَّرُ للرِّهان
وقال أيضا: وقد نزل عند امرأة ضيفا، وهي لا تعرفه، فلم تفرشه، ولم تكترث به فمر به إنسان يعرفه، فلام المرأة، وعرفها بضيفها، فاعتذرت إليه، فقال:
نزيلَك فأمنى أبداً أذاهنزيلٌ غيرُ مرهوبِ المصال
ضعيف لا يُخَاف البطشُ منهعفيف لا يسب على النوال
قراهُ إذا ألمَّ بأرْضِ قومٍمُفاكهةُ اللبيب من الرجال
وقال أحد أدباء قبيلته بيتين يفخر بهما. ورد هو عليه ببيتين من رويهما، أو العكس، وللأول منهما:
فما بالشعر كان المجد منيونفسي ليس ذلك منتهاها
فإني قد أرى الشعراء تحتيعصافيراً تطاردها بُزْاها
فقال الثاني منهما:
أنا ليث الشرى أحمى عرينيبِعُصْل غير مفلول شباها
وهل تخشى بزاة أو صقوراًليوثُ الغاب تزأَر في حماها
ومن جيد شعره، وقد بقى فريدا ليس معه غير كلب يقال له، فيداح:
أصخْ لسرد قريض الشعْرِ فيداحُإن كنت ممن لسرد الشعر يرتاحُ
قد أصبح الشعر عمري لا رواة لهإن لم يكن من رواة الشعر فيداح
نعمَ المرافقُ لولا قبحُ منظرهِينفي الذئاب إذا يعوي فتنزاح
إنْ يطرِحونّي أرْضاً لا يُصاحُبنيإلاّ ألص هريت الشدقِ نبَّاح
فقد يُسامرُني في مجلس عَطِرٍشُمُّ الأنوفُ لهم كُتْبٌ وألواح
وقدْ أعارلُ جماَء العظام علىأنْيابها العنبر الهندي والرَّاح
ورأيت له قصيدة جيدة، ومطلعها:
إنّ الدَّيار بجنب ذات الجيألهاجت عليك عماية لا تنجلي
ومات - رحمه الله تعالى - في أوائل القرن الرابع عشر.
النص من طبعة الشركة الدولية للطباعة بمصر (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع