تجاوز إلى المحتوى

من «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١هـ)

الأحول

واسمه عبد الله، وقد أغنته شهرة لقبه، عن معرفة اسمه واسم والده، هو الفصيح الشاعر، ذو الصوت الطائر. اشتغل في صغره بتثقيف اللسان، حتى صار كشباة

السنان، ولازم يوسف بن المختار، وباب ابن أحمد بيب العلويين، مدة مديدة، حتى وقعت الحرب التي شتت العباد، وأفنت الأمجاد، وانحاز إلى قومه، وصاغ فيها قصائده الطنانة. ومما نقم الناس عليه فيها، أنه هجا أستاذه باب المتقدم، في قصيدته التي أوَّلها:

أَلا بلغن باب جانِ الحروبوجان الحروب رهين الخطا

وكان سلس العبارة، كأنما يأخذ الشعر من جيبه، لقرب مأخذه، على أشياء أخذت عليه. منها قوله في وصف خيال:

أهلاً به من مُلِّمٍ صوبنا قذفتْبيدا لبيدٍ وأصحاراً لأصحار

فإن صحراء لا تجمع على أصحار، وإنما تجمع على صحروات، وعلى صحارَى، صحارِى، وإنما اغتر ببيت الأنصاري:

مَن كان في نفسه حوجاَء يطلبهامني فإِني له رهن بإِصحار
للشاعر أبو قيس بن رفاعة، من قصيدة «من يصل ناري بلا ذنب ولا ترة»

فإن إصحار هنا، مكسور الهمزة، مصدر أصحر، أي برز للصحراء. وقد رأيت هذا البيت مكتوبا هكذا:

بيدا لبيد وأسحاراً لأسحار

وهذا غلط أشد من الأول، لان الأول صحيح المعنى، وهذا فاسده، ولأن الطيف لا يصح أن يقذف، أي يرمى سحراً لسحر. والمحافظة على المعنى، أولى من المحافظة على اللفظ. وأخذ عليه قوله في صفة سلاح ناري:

ومهمى مرت خِلْفَيْهِ أيد تطايرَتْمِنَ الجوْفِ شتى أمّهاتُ الذوائب

لأن الأم من غير الإناس. تجمع أمات، وأما من الإناس. فإنها تجمع أمهات، وهذا هو الكثير، وقد جمعت أم من العقلاء: أمات، ومن غيرهم أمهات، وقيل إن من قال في المفرد أم، قال في الجمع أمات، ومن قال أمهة. قال أمهات، والحاصل أنه لا يسوغ تلحينه، فيما قيل إنه جائز بقلة، ولا على هذا التفصيل، وكلما غلط

فيه، يوجد له جواب يقنع، غير أصحار.

ونقض أبَّدَّ بن محمود قصائده غير البائية، قالوا: لأنه مات قبل بلوغها إلى ابن محمود، والناس يفضلون الأحول عليه، لسلاسة ألفاظه، وبعضهم يعكس. قال: لأن كل معنى وقع في شعرهما، إذا تؤمل يظهر ذلك فيه، فإن الأحول، قال في صفة سلاح ناري:

وجلجل رعد ينهمي عند هزمهنجيع العدى لا ماء غرّ السحائب

وابن محمود قال في صفته:

بأجري فرانس فيها صواعقتُصمي الفتى قبل أن يسقطا

فإِن الأوَّل على سلاسة ألفاظه، ليس فيه كبير معنى. فإن غايته أنه شبه صوت الرصاص الخارج من السلاح بالرعد، وجعل سيلان الدم، أشد من سكب السحائب. وابن محمود، نسب السلاح لفرانس، وشبه صوت الرصاص الخارج بالصاعقة، وهي أبلغ من الرعد، وجعل المصاب بها يموت قبل وصوله إلى الأرض، والذي نزفه الدم، كثيرا ما يرقأ دمه، ثم يسلم بعد ذلك. وقالوا: إن الأحول قال لما هزم عدوّه هو وقومه:

لمَّا رأوا عابدَ الرحمنِ منقبضاًتحت العجاجة مثل الضيغم الضار
ولّوا فُرادى ومثنى مدبرين ولمْيثنو من الرعب وجهاً بعد إدْبار

وابن محمود، قال لمَّا دارت رحى الحرب، وهزموا عدوّهم، بعد الأيام التي كانت عليهم:

سقوناً ذنوبا سقيناهموهبضعف وكنا لهم أضغطا

فإنه أنصفهم، حيث ذكر نكايتهم فيه أولا، ثم ذكر أنهم ضغطوهم وهزموهم، وقال في رائيته:

والعلويون ركبانٌ تنوشهمبالأندرية تردى كلَّ ختار
حتى إذا أثخنوهم محنقين وهمما بين ملتزم أو واجب خار
ولوّا فُرَادى ومثنى مدبِرِينَ ولميثنوا من الرعب وجهاً بعد إدبار

فإنه أنصفهم حيث قال: إنهم فروا بعد أن أثخنوهم، حال كونهم - أي العدو - محنقين، فليس من انهزم بعد أن لم يترك دفاعا، مثل من فرَّ أول وهلة، ولأن العلويين في اليومين الذين دارت عليهم رحى الحرب، تركوا في موضع المعركة

كثيرا من أبطالهم موتى، ولو كانوا انهزموا لما رأوهم، لم تبلغ موتاهم ذلك العدد. ومما جعلوه عبرة قوله:

ومن شاء فلينظر عواقب معشرجنى حربنا يزجره شوم العواقب

لأن آخر وقعة وقعت، هي فتنة تندوج، وقتل فيها هو نفسه، ولم يعقبها شيء فأنه قضى على نفسه فيها، ولأن الحرب في الأصل بين أولاد اخطير والعلويين، وكان أولاد اخطير، أخذوا ديات قومهم، على يد جموع كثيرة من الزوايا، فنقض أبناء اعمر أكداش ذلك، وغدروا با بني الخطاط العلويين، ثم انه هو من قبيلة كنيت (بكاف معقودة) وليس من إدا بلحسن، فهو الباغي، وهذا لا يخلو عن تحامل، فإن ذلك الأصل قد اندثر وصار نسياً منسياً، حتى ان فخذه في ذلك الوقت وبعده، من أفضل أبناء اعمر أكداش، وكذلك قوله:

وجدَّل حتى جاذبته عصائبمن الطير غرثى تهتدي بعصائب

فإنه هو بقي جديلا وجاذبيته الطير، فسبحان من لا يعلم الغيب غيره، فإنه لو كان يدري أن عاقبة أمره كذلك، ما كان سره ما سره، من تجديل ذلك الشيخ، ولله در الشاعر حيث يقول:

فقل للشامتين بنا أفيقواسيلقى الشامتون كما لقينا
للشاعر أبو الفيض الكتاني، من قصيدة «فقل للشامتين بنا أفيقوا»

وقال من يفضل ابن محمود، إن الأحول لما قال هذا البيت:

ما أبعد العار منا في الحروب وماأدنى سيادة محمود من العار

لو هجا أبناء اعمر أكداش غير ملوم، لأن شاعرهم أقذع على أبيه. ولما انطلق لسانه بالأيام المتوالية، كيوم ابلحتوش ويوم تندوج، رأى أن أخذ الثار بقتل الأبطال ونهب الأموال، أبلغ من أخذه بالهجاء، وأي عار على محمود، في أن هزم هو وقومه مرتين، وأخرجوا من بلاد غير بلادهم الأصلية وعشيرتهم. ثم هزموا أعداءه هزائم أبلغ من هزيمته في يوميه السابقين، ولم تزل الحرب سجالا من قديم الزمان. ومن ذا الذي يخطر في باله، أن يحارب قبيلة مثل إدابلحسن

في الكثرة، وما انضم إليهم من أبناء البوعلى، وتيابهم، ويظن أنه لا يهزم؟ بل العار في أن لا يهزمهم هو، وفي أن يخرج من أرضه ولا يبعث الجيوش حتى ينتصف. أما إذا انهزم يوما بعد يوم، ولم يلن لذلك جانبه، فهذا دليل على صلابة عوده وقوَّة عزمه. وهل أمكن عدّوه أن يوافيه في أرضه وعشيرته، بجيش واحد فيغنم، أو يخسر، فمحمود مثل ما قال الشاعر:

وأخرجت منها ولكننيرجعت على رغم أنف الجميع
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «هجوت الأكابر في جلق»

وسيأتي بيان أن إدابلحسن، لم يخرجوه على كثرتهم وقلة قومه، بل أخرجه تضافر الترارزة عليه وعلى قومه، ما عدا أبناء دامان وأهل عبل.

وكان ﵀ موصوفا بحسن الأخلاق، حدثني عمنا مأمون، انه لما وقعت الحرب واعتزلها من اعتزلها من الفريقين، كان - هو أعني مأمون - قبل البلوغ، فذهب مع العلامة المختار بن عبد الجليل يقرأ عليه. وكان الأحول صديقا لأخيه أحمد، لما كان يقرأ على يوسف وباب المتقدمين. فاتفق أنه مر على المذكور، فرأى مأمون فعرفه، فأسرع اليه وضمه إلى صدره، وجعل يتوجع مما وقع، ولامه على عدم مجيئه إليه لما رآه ولما بلغ موتة الشيخ سيديَّ، قال: ذهبوا به إلى غير فنه، يعني أن فنه صوغ الشعر الجيد. وليس من فئة مناضلة الأبطال، ضنا به عن الموت. هكذا يقول الناس، ويجعلون الضمير عائد على من قتله. ولا يخفى

أن هذا فاسد المعنى، لان المعنى توبيخ قومه على حملة الغزو، فإن الفتنة لو كانت وقعت عند حيّه، لكان لذلك وجه، ولكن الفتنة وقعت خارجا عن بلادهم، وسببها: أن العلويين أغاروا على آبال لهم، فأتبعوهم مسيرة يومين أو نحوهما. وكان هو في مقدمتهم، واختلف في قاتله. فأهل تكانت يزعمون، أن قاتله محمد أحيد بن سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم. وأهل القبلة يزعمون، أن قاتله محمد بن الحسن بن الأمين، قالوا: ووجد في كانون مدفعه (أي موضع ثوران البار ودمنه) شيء من الشوك، لأنه كان يتحرج من قتل مسلم، وما أظن هذا صحيحا،

بل لا يتأتى أن يطلب عدواً أنكى فيهم من مسافة بعيدة، ويكون على هذا من ترك الحزم.

وقال في الحرب التي وقعت بينهم وبين العلويين، إثر هزيمة كانت لأعدائهم. وتقدم بعض التي نقضت بها، لما انهزم قومه، وقتل هو:

جادت بطيفٍ سرى لي أمُّ عمَّارِللهِ لله لقيَا طيفها الساري
أهلا به من مسلم صوبنا قذفتبيداً لبيد وَأصحاراً لأصحارِ
لا وصْلَ من أمّ عمَّارٍ أُ أمّلُهُما لم تَزُرْ في منامي أمّ عمَّارِ
لو كنتُ زير نساء كنتُ زائرهابل زيرُ حرْب أخوها غيرُ زوَّارِ
إنا بنو الحرب لا نشكو أظافرهالو جرَّحتنا بأنياب وأظفار
خضنا لِواها وجنبنا بني حسنحمل المغارم من حمل وأوزار
والخيل فيها على الأبناء نؤثرهاصوناً فيا لك من صون وإيثار
والوفد نقريه في اللاوى ونكرمُهُطول الثوى إذ يجل المكرم القاري
ما أبعد العار منا في الحروب وماأدنى سيادة محمود من العار
لمَّا رأوا عابد الرحمن منقبضاًتحت العجاجة مثل الضيغم الضار
ولوّا فرادى ومثنى مدبرين ولميثنوا من الرعب وجهاً بعد إدبار

وقال أيضا في تلك الحرب:

تداعتْ حُداةُ الركبِ من كل جانْبِفَودّعْ سُليمى قبلَ سَيرِ الركائبِ
فإنْ ضَعُفَتْ أسبابُ ذلك بينَهاوبينَكَ إلاّ سَرْق وَمْإِ الحَواجبِ
وكيف وداعُ الحب آخرَ كلمادنا منهُ صَدَّتْهُ مخافةُ راقب
سلامٌ عليها أين غابتْ بها النَّوىعن العينِ منْ حِبّ عن العين ذاهب
ففاضتْ دموع العينِ حتى تناثرتتناثرَ نظْمِ اللؤلؤ المتراكبِ
فقلتً لصَحْبٍ أكثر والعيب في البكاوليس بكاء الوجدِ بعض المعائب
دعوني وتسكابي الدُّموعَ فرُبمايُقلُّ الأسى فيضُ الدموع السَّواكب
فإن كنتمُ صَحْبي فموتوا معي أسىًولا تتركوني هالكا دون صاحبي
كما فرَّ محمودُ ليسلَمَ وحدَهُوأسلم من إخوانه والأقارب
هُمُ جلَبوا الحربَ العَوانَ فلم نَزلْنُبيدُ ونقصى منهمُ كلَّ جانبِ
شفى التائبونَ الغيظَ من نهب مالِهمْولوْ علموا لم يَنْهبوا مال تائب
وزرناهُمُ منْ آلِ أعوجَ فائقٍبأسْدٍ وأسْدٍ من حبيبٍ وطالب
وإخوانِنَا الشمّ الألى إن تقحموالقاءً تجلى بأسُهُمْ غيرُ كاذب
غداةَ أرادَ الشيخُ ما لا يُطيقُهُفلاقى الذي لاقى يسترَ الكواكب
وجُدّلَ حتى جاذبْتهُ عصائبٌمن الطيرِ غَرْثى تَهتدي بعصائب
لدى مشهدٍ دارتْ رحاهُ فجرّعتْصَناديدَهُمْ حَتْفاً مَريرَ المشارب
وولَّوْا سِراعاً مُدْبرِينَ كأنْهُمْبُغاثٌ تهَادى من صُقورٍ دوارب
وقَهْراً طردْناهمْ وخُضنا حماهُمٍوهجنا هُمومَ المُعْولاتِ النّوادب
فَطوْراً يُلَطْمنَ الخدُودَ وتارةًيُلَطّمْنَ بالأيدِي أعالي التَّرائب
لعمرك ما قَوْمي بعُزْلٍ أذِلّةٍإذا يَممُوا أرْضَ العَدُوّ المُحارب
بأرْعَنَ مَجْرٍ يذْعرُ الوَحْشَ بالندىوزَجْرِ المهارى والجيادِ الشوازِب
فكم هَيّئوا مِن كلّ جَرْداَء وَرْدةٍومُنْجَرِدٍ عَبل الشَّوى غيرِ لاغِب
وأزْهَرَ مصْقولِ الحديدةِ متْئمٍسَخِي نقيَّ اللوْنِ وارِ المناقِبِ
أجادتهُ أرْبابُ الجريدةِ ميْسماونقْشاً كفي منْ رائقاتِ الغرائبِ
وحَلَّوْهُ نَقلاً مِنْ لُجيْنٍ وَدَوَّرُوامِنَ الدُّرِّ في أَوْساطِهِ والجوانبِ
ومَهْمى مَرَتْ خَلْفَيهَ أيدٍ تطايرَتْمِنَ الجَوْفِ شَتَّى أُمَّهاتُ الذوائبَ
وجَلْجلَ رَعْدٌ يَنْهمي عِندَ هَزْمهِنَجيعُ العِدى لا ماءُ غُرِّ السحائب
بنو الحربِ لا نُعْطى القوىً مَقادةًولا نَشتكى فيها نُزُولَ المصائبِ
ولكننا نحمى الحمى ونحُوطُهُونزدادُ صَبْراً تحتَ كل النَّوائب
ومنْ شاَء فلينظرْ عَواقبَ مَعشرٍجَنى حَرْبنا يَزْجُرْهُ شُؤمُ العواقب

ومما ينسب إليه:

أَضْنَوْكَ بالبينِ حتى قِيلَ مَن راقِوالْتَفَّتِ السَّاقُ يَوْمَ البَيْنِ بالسَّاقِ
للشاعر الأحول الحسني، اقرأ القصيدة
يا أُخْتَ يوسُفَ إني بعدَ بينِكُمأشْبَهْتُ يَعْقوبَ في حُزْنٍ وأشواقِ
للشاعر الأحول الحسني، اقرأ القصيدة
لوْلا القميصُ الذي جاَء البشيرُ بهِحَتى انجلى بَثُّ يعقوبَ بن إسحاقِ
للشاعر الأحول الحسني، اقرأ القصيدة

وله أيضا:

شَدُّوا المَهاري بأكوارٍ وأحْحداجِوأدْلجوا تحتَ ليْلٍ أَلْيَلٍ داجِ
وأصْبَحَتْ دارهم قَفْرًا مُعْطلةًمبكى دواعي هديل شجوُها شاج
تلوحُ آثارُ مَن بانوا بمعْهدِهامثلَ البرُودِ وشَتْهَا كفُّ نسَّاج
فما عَلمتُ ولم أشعَرْ ببينهِمُإلا بجونٍ مِنَ الغِرْبان شَحّاج
للشاعر الأحول الحسني، اقرأ القصيدة
فظلَّ يَشْحَجُ فاهتاجَ الفؤادُ لهُلله ما هاج شَحَّاجٌ لمُهتاج
تبًّا لِعيسٍ نأتْ عَني بناعِمةٍغَيْداَء رَيَّانةِ الحِجْلين مِغْناج
تَسبى فؤادَ الحليمِ المرعوي بدُجىليْلٍ ووجهٍ كضوْءِ الصُّبْحِ وهَّاج
للشاعر الأحول الحسني، اقرأ القصيدة

ومات ﵀ في صدر القرن الثالث عشر، في وقعة تندوج، كما تقدم.

النص من طبعة الشركة الدولية للطباعة بمصر (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من شعراءُ إِدَا بْلِحْسَنْ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.