تجاوز إلى المحتوى

من «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١هـ)

عبد الله بن سيدي محمود

بن المختار بن عبد الله بن أبج الحاجي. كان والد عبد الله المذكور، من أهل الصلاح والفضل، وكانت الناس تعتقد فيه،

وكانت بين قبيلته وقبيلة كنت، خصومة قديمة، فلما وقعت الحرب بين إدولحاج - وهم إذ ذاك مقيمون بمدينتهم المعروفة بوادان - وبين العلويين المقيمين بمدينة شنقيط، انتصرت لهم كنت، فانتصفوا بعد فشلهم، فصارت كنت ترى لها منة عظيمة على إدو لحاج، وأفرطوا في الدالة، حتى صاروا يقتلونهم وتذهب دماؤهم هدرا. وكان سيدي محمود هو رئيس قومه، ولا تطلب منه قبيلة كنت طلبا الا فعله كائنا ما كان، حتى إنهم كانوا يقتلون القتيل من قومه، فيترحى منهم العفو، وحتى أخذوا سلاح قومه كله، وكان إذا أناخ عندهم بطلب الأمان لقومه يقولون: صوت نويقة سيدي محمود.

فلما نشأ عبد الله، غاظه أمرهم، وصار يفكر في حربهم، وكانت لكنت شوكة عظيمة. فاشتغل في أوَّل أمره بالعلم، وانكب عليه، وكان لا ينام لشدة جده واجتهاده، فكان كما قال الشاعر:

أعاذلتي على إتعاب نفسيورعيى في الدجى روض السهاد
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «أعاذلتي على إتعاب نفسي»
إذا شام الفتى برق المعاليفأهونُ فائتٍ طيبُ الرقاد
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «أعاذلتي على إتعاب نفسي»

وروى أن نسانا كلمه في ذلك، فقال له: أنا أفكر في ثلاث مسائل، لا يمكنني أن أنام قبل أن أنالها، وهي أن أحج، ثم أتزوج بنت محمد بن محمد شين رئيس أهل تكانت، ثم أحارب كنت، وقد نال هذه الثلاث. ولما توجه إلى الحج مر على الوليّ الصالح، الشيخ سيدي المختار الكنتي المتقدم، وكان أبوه أوصاه أن لا يصير تلميذا له، من شدة موجدته على كنت، فلما قرب منه، قال: لامتحننه بثلاث مسائل. فإن فعلها من تلقاء نفسه، صدَّقت ما يحكى عنه أولا: أن يأخذ هذا الجمل ويقيده مع جماله، فإني نويت أن أهديه إليه. ثانيا: أن يأتيني بدواء من امرأته فلانة، ونسيت

الثالثة. فلنا أناخ عنده، قال لأحد تلامذته خذ ذلك الجمل، وقيده مع جمالنا، ثم أتاه بالدواء الذي أضمر في نفسه، وقال له: هذا من عند فلانة، ثم فعل الثالثة على وفق ما أضمر، فسلم له، ولم يتلمذ له لأجل

وصاة أبيه، ثم توجه إلى الحج، فحج وزار رسول الله ﷺ، وقال:

ما كنتَ مذْ زمن ترجوهُ هذَاؤهْهذا شفيعُ الورى بُشرى هذاؤهْ
هذا العتيقُ وذا أبو الفتوح وذيأهلُ البقيعِ أهبَّاهُ وأبناؤهْ
فسلْ بهِ وبهمْ ما كنتَ تطلبُهُهناك تُقْضى لذي الحوْجاءِ حَوْجاؤهْ
حاشاهُ أن يستغيثَ المستغيثُ بهوتستطيلَ عليه الدهرَ أعداؤهْ

ومما قال، وهو بالمدينة المنورة:

يا سيدَ الناسِ ابنَ عبد المطلبْوخيرَ مدْعُوٍّ وخيرَ منتدبْ
إليكَ جُبْنا كلَّ غوْرٍ وحَدَبْوكلّ هوْلٍ يشتكي وَبُرْ تَهَبْ
وليس يا سيدنا ليس الأرَبْمنا لديكَ فِضةً ولا ذهبْ
وإنما أرَبنا كشف الحجبْوحفظُ الإيمان لنا من السَّلَبْ

ولما رجع إلى بلاده قال:

بان الرسولُ وبانتْ عنكَ طيْبتُهُإنّ الأحبةَ والأوْطانَ أعداءُ

ومن شعره أيضا:

حَبذا أربعٌ لدى أتفيتناتِبعد لأي عرفتها مقفرات
ظلتُ أذرو الدموعَ فيها وقلّتْلربوعٍ عرفتها عبرَاتِي
وخشِيتُ احتراق الأربع لولادِيمُ الدمعِ من لظى زفرَاتي
فعلى الأرْبع المحيلةِ مِنيوعلى الحي أطيبُ التحياتِ

وقال أيضا:

قدْ توالتْ زفراتيواسْبَطرَّتْ عَبَراتي
حين أبصرْتُ ربوعابتلاعِ الفْيتناتِ
وتذكرْتُ سميراًعِندَ تِلكَ السَّمُراتِ

ولما رجع من الحج، أقبلت عليه الناس، واعتقدت فيه، وصار يعاكس كنت، ولا يقبل لهم ضيما، وكان يحرض الناس على التألب عليهم، ويبدي مساويهم نظما ونثرا، ومن ذلك قوله:

ألا يا عباد اللهِ هلاّ تلوتمواودَبَّرْتموا قولَ الإله فإن بغتْ
وقاتلتموا كنت البغاة فإنهمْبقية أحلاف اليزيد التي طغتْ

ومن ذلك قوله:

كان لنا مخاطبٍ قد اسْنِدَاكان لِجُلِّ الناسِ جُلهمْ مُدَى
قد نسخوا السنة بعد أحمداكنسخها الخبر بعد المبتدا

ولما انتصر على كنت في وقائع عديدة، أقبلت عليه قبائل اللحمة، التي كانت تظلمها كنت وإدوعيش، فصار لهم كهفا، وهم له جند، وكذلك الثياب، ويقال لهم: المهاجريون. على اصطلاح الناس في غير القبلة، وهؤلاء قوم كانوا من حسان، فتخلقوا بأخلاق الزوايا، وصاروا يشتغلون بالعلم وتنمية المال، وحسان يظلمونهم لرغبتهم عنهم، والناس ينحلون عبد الله المذكور، كلما وجدوا فيه حماسة من الشعر، سواء كان قديما، أو حديثا، ولما أفرط في قتال كنت، ذكره إنسان صنيع كنت مع قومه، في حرب أهل شنقيط، فقال له:

ظفرنا بحمد الله بالله لا كنتافمن كُنْتَ لا كانوا ومن أنت لا كنتا
فإن كنت كنتياً كبت بكبتهموإن لم تكنْ منهم أراك إذا متا

قالوا: ولما أنشد البيتين، وقع ذلك الشخص ميتا من غير سبب، والله اعلم بصحة ذلك. ولا يخفى أن عجز البيت الثاني، ضعيف بالنسبة إلى صدره، وإلى ما قبله.

وقال يتوسل بالعالم الناسك، محمذ فال بن متالي التندغي، الذي تقدمت ترجمته

أنَحْتُ نضو همومي أشتكي حاليإلى الوليّ النقي محمَّذٍ فالِ
باللهِ عَفّرْ لوجهِ اللهِ وجهك ليجِنحَ الدياجي لحاجي يا بن متَّالي

وقال أيضا، يهجو إدابلحسن:

قِراكُم الضيفَ وهناً يا بني الحسَنِبالمذقِ في الخصبِ فعلٌ ليس بالحسَن
وليستِ السُّنةُ الغرَّاءُ تأمرُكمْبجعل ماء الأضا للضيف في اللبن

ومما ينسب إليه:

كان يصبو إلى الحسان الكعابكل آبٍ عن الخنا وابن آب
شامخُ الأنف ضامرُ الكشح قَرمٌوعليهِ الوقارُ صَعْبُ الجنابِ
فغدَتْ لِلزعانِفِ اليوْمَ نَهْباًفرأيتُ الصوابَ ترك التصابِ
إنّ ظبياً عزَّ الأسودَ اصْطِياداًلم تصده مجلَّحات الذئابِ

وكان ﵀ حيا في صدر القرن الثالث عشر.

النص من طبعة الشركة الدولية للطباعة بمصر (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأفراد: هذا باب جعلناه للأفراد وهم من لم ترو لأكثر من واحد من قبيلته

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.