من «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١هـ)
إدْيَيْجَ بن عبد الله الكمليلي
عالم كبير، ولغوي شهير، اشتهر في الفقه والبيان، والعروض والنحو، وكان شاعرا مجيدا، وما بقيت قبيلة إلا هجاها إلا ما قل، واشتهر من ذاك هجوه لإدَوَعْلِ، لما بلغه فشو الطريقة التيجانية فيهم، فكان يبعث لهم القصائد يهجوهم بها، فلا يردون عليه، لأن الشيخ محمد الحافظ بن المختار بن لحبيب العلوي، كان يأمر بذلك. فلما توفى وأكثر من هجوهم، تصدى له باب بن أحمد بيب، الذي تقدمت ترجمته في هذا الكتاب، ومحمد الذي تقدمت ترجمته ايضا، وقد نضى قليل مما قالوا له، وما أحفظ شيئا من شعر إدييج، وتقدم بعض ما قال فيه باب، ومحمد، ورأيت له قصيدة في باب مطلعها:
أيها الراكبُ المغذُّ ذهاباحَيّ عني بابَ الهدايةِ بابا
باب عندي منزه عن أموربلغتني فقلتُ فيها صوابا
ولما وقعت مسألة الحُبُس التي تقدم ذكر ما جرى فيها، بين باب المذكور
وحرم الذي تقدمت ترجمته، وانضم إلى باب محنض، باب بن اعبيد الذي تقدمت ترجمته، وانضم إلى حرم، إدييج هذا. وكانت بينهما موالاة، واستثناه هو وأكتوشن بن السيد، لما رمى العلويين كلهم بالضلال، في قصيدة يقول فيها:
شربَ الضلال صغيرهم وكبيرهمإلا اكتوَشْنِ وحرمةَ الرحمنِ
وهجا أيضا أحمد الصغير ابن انبوج، الذي تقدمت ترجمته، وهجاه هو، ونظم فيه منظومة طويلة، وألف كتابه (الجيش) في الرد عليه، وقد طبع هذا الكتاب بفاس وبمصر، وهجا أيضا، اعبيد ابن أنبوج، وكان حسن الخط، فقال فيه من قصيدة:
ولما رأينا حُسنَ خَطّ عبدةٍعلمنا بأنَّ الخطَّ يُحسنهُ الوغدُ
وقال يخاطب باب، ومحنض باب المذكورين، ويأمرهما بالرجوع إلى قول حرم في مسألة الحُبُس:
يا صاحبيَّ قفا بالمنهلِ الصافيوسلّما الحكم للقاضي بإنصافِ
ووافِقا حُرْمَ فيما قال ويْحكمافإنّ شيخكما أدرى بالأوْقافِ
فحجة الشيخ في بهرامَ ناهضةٌلو كان يكفيكما ما كان في الكافي
وقال باب مجيبا له في أبيات، وتقدم بعضها في ترجمته:
أرْشدتَنا للهُدى والله يعلمُ أنّاقائلون بحقٍّ غيرِ سَفْسافِ
ودون ما قلتَهُ في الوقف سوفُ فلاًخوْفَ التنائفِ تُعيي كل سَوَّاف
فحجتي وَصِحَابي غيرُ داحِضةٍمِنْ نَصّ بهرامَ والتَّوضيح والكافي
فمالكٌ إن تصف عما يقولُ فإنيلستُ عَنْ قولهِ يوما بصيافِ
إني أوافقهُ حقاً وأتبعههل مهتد ناعلٌ كالحائر الحافي
بلْ أنت رِدْ ما ورَدْناهُ على قَرَبِواشربْ فهذا زُلالٌ بارِدٌ صافي
صَدعْتُ بالحق لكن من يقلهُ لكميَدْيَيجَ يوطأ بأخفافٍ وأظلافِ
فالحق أمسى فوالهفا وواحَزَنامثلَ الديارِ التي يسفو بها الساق
وقال محنض باب، يجيب إدييج أيضا:
إذا تأملتَ مكتوبي بإنصافِألفيتَ فيه زُلالا عذبهُ صافِ
هو المصيبُ لصوب الفهم يعضدهنقلُ الشيوخ بنص واضح شاف
رووه عن مالك نصاً ووافقهُنصَّ الإمام ابن عبد البر في الكافي
دعْ عنك دَعوى تقاييد تقولُ بهاشيوخنا بدَليلٍ وجهُهُ خافِ
وما ادّعَوهُ من التقييد يمنعهُألا تراهُ بلا شرطٍ في الأوْقاف
والأصلُ في القيدِ نفيٌ والمفيد لهُلم نلفه بعد بحث شامل وافي
والانقِراضُ الذي يحجوهُ حجتهأتى في الأمّ لامّ نسلها ضافي
وإن تفهمت في القاموس فانقرضواماتوا وليس لِنَسلٍ موتُهمْ نافي
أما الدروجُ ففيه المعنيانِ كماذا في الصحاح بإيضاح له شافي
ولادييج المذكور، مهاجاة مع قبيلة إديقُبْ، ولم أحفظ منها شيئا. ورأيت له شينية، يهجو بها أبناء اعمر أكداش، وهي عجيبة ومطلعها:
يا خابطَ البيدِ خبطاً فوقَ وشواشِيواصلُ السيرَ في ضوْءِ وإغباش
بَلِّغْ لديكَ مني نفسي إذا بلغتْبك المطيةُ أبن أعمر اكداشِ
وقلْ لها إنني من بعدها دَنِفٌوالعين جادت بتوكاف وتطشاش
لمْ أنس أيامَنا حوْلَ الكُلَيْم وإنشط المزارُ وْرَاءتْ قَوْلةَ الواشي
وهي طويلة، وسمعت شيخا فاضلا من قبيلة صاحب الترجمة، يحدث أنه رآه مضطجعا على قفاه يترنم، وعند رأسه ثلاثة من تلامذته، يملى لكل واحد منهم
بيتا، يجيب ثلاث قصائد وروت عليه من إدوعل في هجوه، وكلما أتم واحد بيتا يسرد له غيره، وهكذا حتى أتم ثلاث قصائد في وقت واحد، وهذا عجيب، وكتب إلى محمد بن المختار المجلسي في رفعه بالنشوز:
يا من تأمل مكتوبي بما نقلاسلم لنا حكمنا أو بيّن الخللا
الله يعلم أني ما أردت بهإلا بيانَ الهدى في معضِلٍ نزَلا
وذاكَ أن فتاةً زانها حسَبٌرامتْ نُشُوزًا ولم تَعبأ بمنْ عذلا
فقامَ بعضُ رجال الحيّ إذ رفعتْإليهمُ أمرَها يقضي بما انتَخلا
فطلقَ الخود عن ظلمٍ وموْدعُهانَجلُ الوديعةِ لمُ يتْحَفْ بما بذَلا
ما كنتُ أحسِبُ أن الزوج مغتفرٌفي حَلّ عصمتهِ لو كان مختبَلا
ولسْتُ أعرِفُ تطليقاً لمن نَشَزتْإلا بخلعٍ يراهُ الزوجُ منتحلا
وقال أيضا:
نفسي الفدَاءُ لحبيبٍ هاجرِقاسِي الفؤادِ ليّنِ الخواصِرِ
ظبيٍ أحَمِّ المقلتين حُمَّ ليما حُمَّ من جواهُ في المقادِرِ
من كان في الوعد كعُرْقوب ومنفي البُخلِ إن طالبتَهُ كمادرِ
كأنَّ طعم ريقها بعد الكرىطعْمُ المعتقة عندَ التاجِرِ
تبسِم عن نورِ الأقاحي أصبحتبقَفْزةٍ ممطورة الظواهرِ
لو كلمتْ ميتاً لأحياه الهوىواستبدَلَ الإِحيا من المقابرِ
ولو بدتْ لراهبٍ في دَيْرِهِلصدَّ عنها بفؤادٍ حائرِ
فإن حماني وصلها وغيرهلم يحمني طيفَ الخيالِ الزائرِ
طيفٌ يبيت في الكرى مسامريطيفي إذا نانأتُ عن مسامري
وقد مضت لي أعصُرٌ في وصلهاما إن مضت في سالف الأعاصر
أيامَ كان السعدُ جاراً مسعداوكان صرفُ الدهرِ غيرَ جائر
لا بُرْدةُ الشباب أنهجتْ ولاجَدُّ المحبّ في الهوى بالعاثرِ
وكم ليالٍ بتُّها في جنةِالهوى بأمثال الدُّمى السوامر
في خَلقها وخُلقها ما تشتهينفسي وما يلذ كلَّ ناظرِ
بيضِ الترائبِ حسانٍ خُرَّدٍهيْفِ الخصورِ رجَّحِ الأواخر
أمسى فؤادي من هواه مُدْنَفاًوفاض دمع العينِ كالمواطر
أرومُ كِتمانَ الهوى وأدْمعيتبُوحُ بالمكنونِ في الضمائرِ
وكيف إخفائي الغرامَ بعدَماأبديتُ من مستْودِع السرائر
لا حَبذا من لامني في حبهِوحبذا منْ في هواه عاذري
فإن يكنْ عنْ ناظرِي مغيباًفشخصُهُ مصوَّرٌ في خاطري
يا منْ يلومُ في الهوى مهلا فمالوْمُكَ يُسليني ولا يضائري
داءُ الهوى صعْبُ الشفاء مالَهُغيرُ الحبيبِ من طبيبٍ ماهر
هيهاتَ أن تشفيك من داءِ الهوىفُتَيَّةٌ نَقيةُ المآزر
لطيفةُ الكشحينِ خَوْدٌ خَدْلةٌرَوْدٌ رَداحٌ بضّةُ النّواشر
ريا الروادف أباةٌ طفلةٌمِلءُ الحجا والعين والأساور
فإنْ مشَتْ فغُصنُ بانٍ ناعمٍوإن رنَتْ ترنو بطرْفٍ ساحر
لها مُحّيا مشرقٌ ومنِطقٌكقهوةٍ في مسمع المحاورِ
وبَشرٌ مثلُ الحريرِ ليّنٌوجيدُ ظبيٍ من ظِبا المشاقِرِ
يلوح صبحُ وجهها إذا بدتْفي ليلِ قرْعٍ أسحمِ الغدائر
زانَ الجواهِرَ بهاءُ نحرِهاوغيرها يزانُ بالجواهرِ
وكان في أواسط القرن الثالث عشر.
النص من طبعة الشركة الدولية للطباعة بمصر (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع