من «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١هـ)
خروجه من المدينة
تقدم أن أهل المدينة، صاروا يداً واحدة عليه، ما عدا عبد الجليل برادة ﵀، فإنه لم يزل يواليه ويحتمله، إلى أن أتفق إنه دخل على جماعة ممن يعاديه. وكان عبد الجليل قاعدا بينهم، فلم يقم إليه أحد منهم، وما قام عبد الجليل أيضا. فقال: هو بال حمار، فاستبال أحمره. فغضب عبد الجليل، حيث جعله حماراً في وجهه، ثم اتهم اتفقوا على إخراجه من المدينة، وكلموا الوالي في ذلك، فبعث إليه: لئن أصبح في المدينة، لأفعلن به كيت وكيت. فخرج ليلا، وشيعه الأديب الفاضل، محمد بن عبد الرحمن القاضي، وأمين برى شيخ الفراشين في مسجد النبي ﷺ، وسعد المخرج، رحم الله الجميع. وترك كتبه وجاريته، وعند أمين برى، وسار إلى مصر، ونزل عند نقيب الأشراف السيد توفيق البكري، فأكرم منزله واستأجر له بيتا، وأجرى عليه خمس جنيهات في الشهر، وبعث أحد أعوانه إلى جاريته وكتبه، ومصروف الكل من عنده. ثم جمع عليه شمله، وكان السيد البكري يشرح إذ ذاك أراجيز العرب، فطبعها فلما تم طبعها، ادعى محمد محمود إنه اغتصب شرحه ونسبه إلى نفسه، ورفع عليه قضية، ففشل فيها. والحق أن السيد البكري، لا يعجز عن تأليف مثل ذلك الشرح، وقد ألف ما هو أحسن منه.
على أنا لو فرضنا إنه لمحمد محمود، لكان الواجب عليه أن يتركه له، لكثرة إحسانه عليه. فذلك سبب النفرة بينهما، ثم
خرج من عنده، واتصل بمحمد عبده مفتى مصر السابق، وسعى له في راتب من الأوقاف، قدره خمس جنيهات، ولم تقع بينهما وحشة، حتى ماتا رحمهما الله.
أما مرتبته عندي في الشعر، فإنها تعلم من قصائده التي طبعت في رحلته، فإن كان له شعر كثير، فتلك خلاصته. ومن أسلسها ألفاظا، قصيدته التي هجا بها الأزهريين عموما، وخص منها شيخ المالكية في ذلك العصر، الأستاذ البشرى، ومنها:
فأشلى عَلَىَّ الأزهر اللدَّ بُسلاَّ كأنّ لهم عندي دماء الطوائل
حلائب علم للسباق أعدهاسوابقها في الشوط خلف الفساكل
وهجا فيها البشرى هجوا قبيحا. وهي طويلة عددها بيتا. أما قصيدته التي هجا بها البرزنجيين، فليست بشيء، وهي طويلة، ومنها يخاطب السيد أحمد البرزنجي:
رِبَاك في النسب المجهول زاد علىرباك في فضةٍ بيضاء أو ذهب
ومنها يذكر زرُّوق باشا، وعبد الجليل براده، رحمهما الله تعالى:
زروق والذيخ برادة قد ارتضياأن تدخل النار ذات الجمر والحطب
ويدخلا النار مَعْكَ لاتفاقكمعلى أباطيل من غيّ ومن شغب
إذ أنتم حزبُ شيطان ضعيف قوييقتادكم في فيافي الجهل والتبب
وله قصيدة في هجو عبد الجليل براده، والسيد أحمد البرزنجي، وغيرهم ممن شاركهم في تلك الشحناء، وعددها بيتا، ومطلعها:
أحنُّ إلى الرسول فيعترينيإذا ليلى دجا ما يعتريني
وله أيضا قصيدة أخرى في هجوهم، عددها بيتا، ومطلعها:
صراط العلم نستبق استباقاوشأو الجهل نجتنبُ السباقا
ومما هجاه به عبد الجليل أفندي براده، ينتصر للقاضي عياض لما غلطه:
يا أبا الفضل إن يكن ساء قولٌلجهول من شأنه الازدراءُ
زور قولٍ به تبجَّحَ جَهلاتركزيٌّ له الحماقة داءُ
تركزيٌّ بكل خِزي مليٌّشأنهُ العُجْبُ دأبُهُ الافتراءُ
ليس يدرى بأنه ليس يدرىوله الحُمْق عادة والمراءُ
ظنَّ منْ حُمْقهِ بأن عياضاًعاكشٌ خاب ظنهُ والرجاءُ
كلُّ من رامَ أن يُخطّئ قَوْلالك ذاك الغبيُّ والخطَّاءُ
يا أبا الفضلِ أنت للفضلِ أهلٌولك الفضل شيمةٌ والوفاءُ
ولك الفخرُ بالمشارق أضحىشاهداً والشفاءُ نعم الشفاءُ
ومساعيك بالمآثر أمستْمالها في قبيلها أكفاءُ
لك بحرٌ من العلوم عميقٌلم تكدّرْ صفاَء ذاك الدلاءُ
ولقد قام نصرةً لك مِنَّاعندَ دعواكَ مَعْشرٌ خُشَناءُ
نصروا الحقَّ بانتصارِكَ حقلاحَ ما فيهِ للعيونِ خفاءُ
لم يكونوا أبناَء درزة كلاّلا ولا قطُّ أسلموا من جاءوا
نصرةُ الحقّ دينهمْ من قديمليس فيها على الدُّهور امتراءُ
فلامٌ عل ضريحكَ مِنَّاوثناءٌ وَرَحمةٌ وَدَعاءُ
وقال أيضا:
متى تسألوا شنقيط عن شرّ أهلِهاتجبكم بأعلا الصَّوْتِ تُرْكُزْ تُرْكُز
فتركُزُ في شنقيط شرُّ قبيلةٍلدائرَةِ اللؤمِ المحيطةِ مركزُ
ومنها في تعداد مساوئ محمد محمود المذكور:
وللفخرِ فخرِ الدين قام منقصاًيُكرّرُ تُفْ تُفْ لا يبالي ويهمزُ
وفي مصرَ للكفارِ قام مفضِّلاًعلى أهلها في نظمِهِ الرّذلِ يُلْغِزُ
ومنها:
وما العلم إلا ما يَزين لأهلهويهدى وعن قبح الأفاعيل يَحْجِزُ
وهي طويلة، وله من أخرى:
أوْصتْ بنيها تُرْكُزٌ بوصيةٍيا بئسَ ما أوصت به أبناَءها
شنقيطُ فيها التركُزِيُّ مُحَقَّرٌيدرى بذلك كلُّ من قد جاَءها
وابن التلاميذِ الخبيثُ التركزيأخزى شناقطةَ البلاد وساَءها
هو لحمةٌ لا منْ زوايا أرض شنقيطٍ ولا حَسانِها أمراَءها
وعلى الذين لهم عليه مِنَّةٌمُتسلط لا يأتلي إيذاَءها
واللهِ لوْ قُسمَ الذي فيه علىكلّ التراكزِ مِلْمَساوي ناءها
ومنها:
يا ابن التلاميد الذين لهم علىرَكَب الفتاةِ توائُبٌ ما ساَءها
حلفتْ تقُولُ لمن يلومُ على الخناغيرُ التلاميدِ امرؤٌ ما جاَءها
وقد أرَّخ موته أحد أدباء المصريين. يقال له: كامل، وكان يعاديه. فلما بلغه موته، نظم أربعة أبيات، وبعثها إلى بعض المجلات فنشرتها، ونشرت موته هو أيضا، وقد لقيته بعد المغرب، فأنشدني الأبيات، ومات في الليلة القابلة من غير علة. ومطلع الأبيات:
مات الإمام التركزي وانقضىوبموته مات السبابُ والشغَبْ
وضاع مني غيره، إلا موضع التاريخ وهو آخرها:
أمات الله سراق الكتُبْ
تتميم لما تقدم من قصائد، قد أمليتها ناقصة لطول عهدي بها، وبعد طبعها وردت علىّ، فأحببت تتميمها، لتحصل الفائدة لمن يحب الاطلاع عليها، وهذه قصيدة ابن رازكة، المترجم في أوَّل الكتاب، وتقدم بعضها يمدح بها سيدي محمد العالم ابن السلطان مولاي إسماعيل:
دع العِيسَ والبيداَء تذرَعُها شطحاوسمها بُحُورَ الآلِ تسبَحها سبْحا
ولا ترْعها إلا الذميلَ فطالمارعت ناضرَ القيصوم والشيح والطلْحا
ولا تصغِ للناهينَ فيما نويتَهُوخفْ حيثُ يخفى الغِشَّ من يَظهِرُ النُّصحا
فكنْ قمراً يفرى الدُّجى كل ليلةٍولاتكُ كالقُمْرِّ يستعذبُ الصَّدحا
وقارضْ همومَ النفس بالسيرِ والسُّرىعلى ثقةٍ باللهِ في نيلِكَ الربْحا
وأمَّ بساطَ ابن الشريفِ محمدٍمبيدِ العدا ذكراً ومبدي الهدى صبحا
فتيً يسعُ الدنيا كما هي صدْرُهُفأمسى به صَدْرُ الديانةِ مندَحَّا
ومَنْ هدْيُهُ ساوى النهارَ وليلهُفأمسى ينيرُ الخافقينَ كما أضحا
ومن هو غيثٌ اخضَلَ الأرضَ رَوْضُهُفلا يظمأُ الآوِى إليه ولا يضحى
وليثٌ بحقِّ الله لم يُبقِ رُعْبُهُعُواءً لكلبِ التُّرهاتِ ولا نَبْحا
هِزَبْرٌ عدا في شِرْعةِ الرمح والعداغَدَوْا بَقَراً يستعملُ النحرَ والذبحا
أميرٌ ملوكُ الكفرِ أضحوْا لِسيفهٍكما تتبغّى الذبحَ في عيدَها الأضحى
تزيدُ على الفاقاتِ فيضاتُ كفهِفيَغرَقُ في التّيارِ مَن يأملُ النَّضحا
فأيُّ مُنىً لم نرْوَ مِنها فإن تكنْفمحرُومةٌ أن تُبرِدَ الظمأ البَرْحا
فلا تَرُمِ التشبيهَ فيهِ فقدْ جرىمعَ الظاهر المُدئى إلى السكَّرِ الملْحا
سعى وسعوا للمكرُماتِ فأقصرُواولم يرضَ حتى استكمل الكرَمَ القُحَّا
وفلَّقَ فيهمْ بيضةَ المجدِ قاسِمٌفناوَلهمْ قَيْضاً وناولهُ المُحا
فتى يستقلُّ البحر جود بنانِهِعلى حالةِ استكثارِ حاتمٍ الرَّشحا
مساعيهِ في الخطب الجليل يرُومُهُكآمالِ منْ يرْجُوهُ تستصحِبُ النُّجْحا
صِفاتٌ كَدُرِّ البَحرِ صَفواً ولجّهِحِساباً فمن يأتي على مائهِ مَزْحا
وآياتُ عِلمٍ أغمدَ الجهلَ نُورُهاوغاياتُ جِدٍّ ليس تطلا بُها مَزْحا
ورأىٌ يُرِيهِ اليوْمَ ما في حشا غدٍويكشِفُ عنهُ من دُجى ليلهِ جنْحا
وَحَزْمٌ يَهُزُّ الراسياتِ ثَباتهُوعزمٌ يُحاكى الزندَ ماضِيُّهُ قدحا
وكفٌ تُرِى وكْفَ الحيا كيف ينهمىإلى خُلُقٍ يُرِى نسيمَ الصَّبا النفحا
وبشرُ مُحيًّا عَلّمَ الصُّبْحَ ما السَّناوقبْضٌ أَرَى النارَ التأجُّجَ واللفْحا
وتأليفُهُ أشتاتَ كلِّ فضيلةٍومكرُمةٍ غرَّاَء تعجزنا شرْحا
كفانا اتخاذ الفالِ في القصدِ يمنُهُفلسنا نخطُّ الرمل أو نضربُ القِدْحا
مهيبٌ مخوفٌ بطشُهُ تحتَ حلمِهِعَفُوٌّ يَرى إلا عن الباطلِ الصَّفْحا
فهلْ كان معزوًّا إلى الحلم قبلهنعمْ أو كريم يدَّعى غيرَهُ سَمْحا
فأقدمَ حتى فارق الجُبنَ صافرٌوجاد إلى أن عاف مادِرٌ الشُّحا
ولم تُذْعِنِ الأعداءُ محضَ مودّةإليه ولكنْ إنما كرهوا القرْحا
رأَوْا ضيْغَماً يعطِى الحروب حقوقَهاوإن تضع الأوزارَ يُبْرِمْ لها صلحا
ويستغرِقُ الأوقات في الجِدّ كلهاولا يَهبُ التلعابَ ما يَسعُ اللمحا
مواصلةٌ حَبْلَ الجهادِ جيادُهُووقفاً على غَزْوِ العِدى عَدْوها ضبْحا
معادِيهُ مُعظّى بالحياةِ منيةًوبالجنةِ الأخرى وبالسُّندس المُسحا
أبا ابنُ أميرِ المؤمنينَ وسيفُهُوصمصامه أن يرفَع الضربَ والنطحا
تُشابههُ خَلْقاً وَخُلُقاً فسامِهِإلى الفَلَكِ الأعلى فإنكَ لا تُلْحا
تهندستِ العليا فأحرَزت جسمهالإحرازك النقطاتِ والخطّ والسَّطحا
فكم من حديثٍ كان يُسندُ للندَىولكنهُ لولا نوالكَ ما صَحَّا
فأعطيتني الأعيان والعين والكِساوبيض الظبا والنُّوقَ والخيل والطِّلْحا
فلا زلتَ للإسلام عيداً منغّصاًتنغصُ حسناء السَّعانين والفصحا
أبوك لحكم الشرع ولاك عَهدَهُفلم تَلْقَ كدًّا للسؤالِ ولا كدْحا
وأعطاكهُ إذ ليس غيرُك أهلهوللعقلِ نورٌ مَيَّزَ الحسنَ والقُبْحا
كفى دُرَّهُ فخراً تحليكَ سمْطَهُوَمنْعكهُ تلك المعزَّةَ والقدْحا
فأهدى إليكَ الدهرُ بلقيسَ ملكهوأبدى لك الكرسيّ والعرش والصرحا
وولاّكَ ربُّ العرشِ ملك بقاعِهَاوأصحبَكَ التمكينَ والنصرَ والفتحا
إليك بها يا كعبة المجدِ كاعِباًمن الشعرِ لا تسطاعُ أركانُها مسحا
إذا شهدَتْ زَكَّى الأعادي حديثهاوإنْ أثْخَنَتْ عَنَّا قلوبُهُمُ جَرْحا
أكلّفُها فرْضَ المحالِ أَداَءهالِشُكْرِ نَدًى لا ينتهي مُزْنُهُ سَحًّا
فخذها ابنةَ الحاءِ التي الحمد مبتدالها وبها خلاّقُها كمّلَ المَدْحا
وقال أيضا يمدح المولى محمد العالم المتقدم:
أثارَ الهوى سجعُ الحمامِ المُغَرّدِوأَرَّقني الطَّيفُ الذي لم اُطرّدِ
ومسرى نسيمٍ من أكينافِ حائلٍوَبَرْقٍ سَقى هاميهِ بُرْقَةَ ثَهْمِدِ
وذكر التي بالقلب خَيَّمَ حُبُّهاوألبَسني قَهراً علالة مُكمَدِ
فبتُّ أقاسي ليلةً نابغيّةتُعرّفُني هَمَّ السَّليمِ المُسَهّدِ
طويلةُ أذْيالِ الدُّجى دَبَّ نْجْمُهماإلى الغرْبِ مَشْىَ الحائرِ المتردّدِ
وَيُزْعجُ وُرَّادَ الكرى دون مُقلتيبُعُوثُ غَرَامٍ من لدُنْ أُم مَعْبدِ
بنفسيَ عُرْقوبيةُ الوَعدِ ما نَوَتوإن حلفتْ قط الوفاَء بمْوعدِ
تَرُد إلى دين الصبابة والصَّبافؤادَ الحليمِ الرَّاهِبِ المُتعبّدِ
وَيقصِدُ في قتلِ الأحبةِ قُرْبةًبشرْعةِ دَيَّان الهوَى المُتأَكدِ
فتاةٌ حكاها فرْقدُ الجوّ مَنظراًكما ناسَبتْها نظرَةً أُمُّ فَرْقدِ
مُهفهفةُ الكشحَينِ لم يدْرِ طرْقُهامِنَ الكُحُلِ الخْلقيّ ما كُحْلُ إتمِدِ
إذا ما تثنَّتْ واسْبَكرَّ قَوَامُهاعَلِمْتَ بأنّ البانَ لم يَتأَوّدِ
وخاطبَ قاضي شِرْعة الشكلِ رِدْفُهاإذا ما أقامَ العِطْف منها بأقْعَدِ
غَضُوبٌ أَرَتْهَا نِخْوَةٌ في عِظامِهاأنِ الوَصْمَ وَصْل العاشِقِ المُتَودّدِ
على نَحْوِها تأبى الخليلَ تأنُّفاًوَشُحًّا برَشْفٍ منْ لماها المُبرَّدِ
إذا ما تَرَضّاها تَسَامَتْ بأنفِهاصُدُوداً وسامَتْني تَجَرُّعَ جَلْمَدِ
وَأَحْرَقَ صدْرِي مازَها فوْقَ نحْرِهاوَأشرَقُ منْ جمرِ الغَضى المتوَقِّدِ
سَبتني فقبَّتْتُ الثرَى مُتَخلّصاًأَمَامَ امتدَاحِ ابنِ الشرِيف محمد
هوَ الوارِثُ الفضْلَ التبئيّ خالصاًمنَ العِلم والعَلْيا ومن طيبِ مَحْتِدِ
ثِمالُ اليتَامى والأيامى مُوَكّلٌبتفْرِيجِ غَمَّاءِ الشَّجِي المتنكّدِ
غَيُورٌ إذا ما الحقُّ غيّرَ مُولَعٌبقَطعِ لسانِ الباطِليّ اليَلَنْدَدِ
أدِيبٌ أَرِيبٌ ليّنُ الجَنْبِ هَيّنٌولكنْ متى عادى فأيُّ مُشَدِّدِ
إذا كشفَتْ عَنْ ساقِهَا الحرْبُ وَالتَظتْوَساوَتْ صَدُوقَ الملتقى بالمُفنَّدِ
سَقى الرُّمْحَ من نحرِ العَدُوِّ فدَيْتُهُوقامَ بحق المَشْرَفيّ المهَنّدِ
أَغَرُّ المُحَيَّا طاهرُ البشرِ طاهِرُ السَّجايا كريمُ اليوْمِ وَالأمْس وَالغدِ
جَزِيلَ النَّدى ما أَفَّ في وجهِ حاجةٍولا كفَّ حاشا جُودَهُ كفَّ مُجتدِ
كِلاَ الدِّينِ وَالدنيا به ازْدَان وَازْدَهيوَأَمَّنَ شرَّ المُبِطل المتمرِّدِ
فرِيدُ العُلى يقْوى لِرِقةِ طبعِهِعَنِ الجمعِ بينَ النارِ وَالماءِ في يدِ
حَمِيدُ المساعي سارَ في الرتَبِ العُلىمِنَ المجدِ سَيرَ الفائقِ المتفرد
تُسَاعِدُهُ في ذاكَ نَفْسٌ نفيسةٌتَعُدُّ الثُّرَيّا للفتى غيرَ مصْعَدِ
دأبتُ على السيرِ المبرّح والسُّرَىأجُوبُ الفيافي فدْفداً بعد فدْفد
مَهامهَ للسارِينَ فيها توقُّعٌلأهْوَلِ أُغْوَالٍ طواغيتَ مُرَّدِ
يطيرُ لما يُبْدِينَهُ من تلونٍشَعاعاً فؤادُ الضابطِ المتجلدِ
إلى حضرَةٍ سنيّةٍ حَسَنيّةًمنيرَةِ آلاءِ الهدى المتصعدِ
حَوَتْ شَرَفَ العِلمِ الرفيعِ عِمَادُهُإلى شَرَفِ البيتِ الكريمِ المصمّدِ
فما تمَّ إلا ثمَّ فضلٌ ولا استَوَىسِوى ما تحلّتْ من كمالٍ وسُؤدَد
وَبحرُ ندّى ما لِلْفُرَاتِ انسِجامُهُوَدِجْلةُ لا تَحكيهِ فُسْحةَ مَوْرِدِ
فأعْتادُ منهُ ما تَعَوَّدْتُ منْ يَدَيْأبيهِ أميرِ المؤمنين المؤيدِ
هُما والدٌ ما تَوَّجَ الملكُ مِثلَهُوَمَوْلودُ صِدْقٍ بالمكارم مُرْتد
عَظيمانِ مَعْنِيان بالدينِ وَحدَهُفأعْطتهُما الدًّنيا سُلالةَ مِقْوَدِ
فلا بَرِحا بدْرَيْنِ عَمَّ سَناهُماوَبحْرَينِ لا يعدُوهما قصدُ مُجتد
أمكنهُ من بكرِ شعرٍ خرِيدةٍنتيجةِ فكرٍ سَلْسَلِ الطبعِ جَيِّدِ
عَرُوبٌ عروسُ الزيّ أندَلُسِيةٌمِنَ الأدَبِ الغَصّ الذي روضه ند
مِن اللاءِ يستصبين مينَحْنُ عَنْوَةًويَعْهدْنَ في الحرَّاقِ أطيَبَ مَعْهَدِ
ويسلبنَ معقولَ ابنِ زَيدُون غِبْطةًبأسْلوبِ ما يَسقين من خمرٍ صرخَدِ
مُهَذّبةٌ يَستمْلحُ الذهنُ سرَّهاويستعْذبُ استرسالها ذوق منشِد
ترقّتْ لما فاقَتْ وَراقَتْ تبرُّجاًعلى مُعْتلى بُرْج البديع المشيّدِ
وجانَستُهَا لفظاً ومعنىً كما اكتستْنقِي السّيَرَاءِ البَضَّةُ المُتجَرّدِ
وقيّدْتُ فيها غِزلةً لا ينَالُهاسوابقُ فكرِ السابقِ المتصيِّد
وَأَودعْتُهَا مما ابتدَعْتُ خُلاصةًيُبَادِرُها بالمدْحِ ألسُنُ حُسَّدِي
تمنَّى العذارى لوْ تقلّدْنَ سِمْطَهامكان عقودِ الزِبرِجِ المزبَرْجَد
وزخرفتها في معرَض المدْح روضةلِتُسقى بويلٍ من نداهُ مُسرْمَد
رَوي أُنُفاً زان الندى صفحاتِهاوقلّدَها أسلاكَ دُرٍّ مُنضدِّ
أرَتْ من رَياحينِ الثناءِ أنيقَهاومنْ زَهَرِ الآدابِ ما لم يُخضَّدِ
هديّةُ مَنْ كسرَى وقيْصَرُ عِندَهُمن النزْرِ في ذاكَ المقامِ المحمدي
تَخادَعْ وإن كنتَ اللبيبَ لِبَهْرَجيولا تنتِقدْ يا سيدي وابن سيّد
يميناً بما أوْلاكَ موْلاَكَ من عُلاًوَعِزّ حُلاُ فاتَتْ بَنان المعَدّدِ
لطابقَتَ وَسْمَ الفاطِمِيّ وسَمْتَهُفأهلاً وسَهْلاً بالإمامِ المجدِّدِ
تَهنّأ على رَغمِ الحسودِ وَذُلّهِلذاك الكمال الصَّرفِ واسْعَدْ واسْعِد
وأبجح واهلِكْ واملِك الأرضَ كلّهافأنتَ وليُّ العهدِ وأغْوِرْ وأنجِدِ
وشرّقْ وغَرّبْ فالبلادُ مشوقةٌبما سوف نُحبي وأشكرِ الله وأحمد
وقال محنض باب بن اعبيد الديماني، الذي تقدمت ترجمته، يخاطب حرم ابن عبد الجليل العلوي، الذي تقدمت ترجمته ايضا، فيما وقع بينهما في مسألة الحبس التي تقدمت:
دعِ المدْحَ يغدُو في مسارحه يرعىولا ترعه إلا كَلاً طيّبَ المرْعى
ولا تمنَحِ المدحَ المهذّبَ غيرَ مَنْله ربهُ قد طيبَ الأصلَ والفرْعا
فعَمّمْ به في إبدَوَعْل وخصّصَنْبنَي شيخنا قاضي القضاة تجد مرعا
فإِنّ لهمْ في سالف الدهرِ رُتبةًعَلَتْ بعليٍّ تَفْرَعُ المرتقى فرْعا
تمادتْ فما تنفكُّ ثمَّ كواكبٌتضِيءُ لياليها حَنادسَ أو دُرْعا
لهمْ من هجانِ الفكرِ أيُّ نجائبٍتجوبُ قِفارَ العلمِ تذرعُها ذرْعا
نجائبُ إن ندّتْ أوابِدُ مُشكِلٍمن العلم شلّتها فتتركُها صَرْعا
فلسنا بحمدِ الله بجحد فضلَهمْوجاحد ضاحي الحق يصرعُهُ صرعا
فجدُّهمُ أستاذ تاشمش كلّهمْقد ارتضعوا من علمه الخلف والضرعا
فحُقَّ علينا نصرُهْم واحترامُهمْوتوقيرُهمْ ما أنبتتْ تُرْبةٌ زَرْعا
لقدْ هالني من وجدِ حرْمَةَ شيخِهمْعَلىَّ شَجًا لا أستطيُع له جرْعا
هنيئاً مريئاً سَلْسَلاً ما بدا لَكممِن القوْلِ ما باحَتْ إجازَتَهُ شرْعا
لئن كنتُ قد بُلغّتُ عنكم مقالةًفإِني وربي لا أضيقُ بها ذَرْعا
فإِنّ لكم حُرْمةُ الشيخُ حُرْمةًلدينا لها من تالِدِ الحلم أن تُرْعى
وما كان ظني أن إيضاح مُشكِلٍتنازعَ فيهِ الناسُ تجعلُهُ قَذْعا
رُوَيْداً فما فيما كتبتُ اهتضامُكموَإنْ تنصِفوني في المقالِ فلا بْدعا
فإِنكم الأشراف الانضاف شأنُكموكلُّ خصالِ الحمدِ كان لكم طبعاً
وإني لأرجو أن أنالَ رضاكمُيرجو ولوجَ البابَ مَنْ أدْمَنَ القَرعا
وقال حرم بن عبد الجليل العلوي يجيبه:
إذا صاحَ بازٍ كاسرٌ تَرَكَ السَّجْعاحمام غصون الأيْكِ إذ يختشي الفَجْعا
عجَمْتُمْ أساليبَ الفصاحةِ فاصطفتقرائحكم أسنا أساليبها فرْعا
فأهْدَيْت منْ حَوْكِ البلاغةِ حُلّةًتُحلى مجيداً وَشْيُها الفكرَ أو دِرْعا
يترْجمُ لي عَنْ جَوْدَةِ الطبع وشْيُهافقد جاَء وِتراً لا أطيقُ له شفْعاً
تدِبُّ حُميَّاها لذي الذوقِ والذَّكاإذا قرَعَتْ من منشدِيها لهُ سَمْعا
فلا يحسُنُ العِقدُ النفيسُ جواهراًإذا لم يكنْ في جيدِ غانيةٍ تَلْعا
فإِنكم الأكفا لما قدْ زَفَفْتُموافمْهرٌ يُواتيها أضيقُ بهٍِ ذَرْعا
بنَو يُؤقِبنَّ اللهِ مؤثّلُ مَجدِهِمْتَطاوَلَ حتى كاد يخترِقُ السَّبْعا
وخُصَّ بني إذ بارك الله فإِنهمْحموْا بيضة الإسلام أن تختشي صدعا
فقُطبُ رَحاهمْ وهو بابُ هُدَاهُممَحَمْ جامعُ الخيراتِ في بابه جمعا
لقدْ وَلجتْ أبوابهُ كلُّ حلقَةٍتعاني أصولَ الدين والأصلَ والفرعا
فواضلهمْ دأباً غوادٍ روائحٌفشانِئُهمْ لا يستطِيعُ لها دَفْعا
مناقبهمْ تثنى عليهمْ فمدْحُهمْحديثٌ معادٌ لا يزيدُهُم رَفْعا
يَغُرُّون بالِحلمِ العدوَّ وَرُبماإذا قمعوهُ عنْ حِمىً أحسنوا القَمْعا
إذا اخْتلَفَ الأقوامُ في حَلّ مشكِلٍرَعى بعضهم ما لم يكنْ غيرُهُ يَرعى
فقلْ ما ترَى واترُك سواكَ وما يَرَىفتخطئةُ المخطينَ أو غيرِهمْ شنْعا
فهلْ كانتِ الأسلافُ يجبرُ بعضُهمْسِواهُ على أمْرٍ يرَى غيرَهُ شَرْعا
فلوْ كنْتَ خَطأتَ المقدَّمَ أحمداًلَصدْتَ القَرَى والصَّيْدُ في جوفهِ صَرعا
وإذ طاشَ منكم تالِدُ الحِلم غفلةًبطارفهِ أمسكْتُ إذْ سمتني قذعا
جَري بيننا في راجع الوقف ما جرىومنشئنا أدْرى بأحسننا صُنْعا
أرِحْ منْ تعاطِيهِ لسانَكَ إنهحَظيرةُ أبناءِ الأمينِ التي ترْعي
وخضْ في حديثٍ غير ذاكَ ولا تعُدْلذِكرٍ لهُ ما أسْبَلتْ مُزْنَةٌ دَمْعا
وما ارْتادَ قَوْمٌ مسنتُونَ لِقُوتِهمْوضيفانِهمْ بالزرعِ أو غيرِهِ زرْعا
دُعاءٌ بأبياتِ الخفيفِ جَوابُهُعلىَّ خفيفٌ لكنِ الصفْحُ لي أدْعا
ولسيدي محمد الشيخِ سيديّ الذي تقدمت ترجمته، يخاطب أباه:
يا سيدي إني فِدَاك اللهَ بيجاري الحما عنه لي من مذهبِ
أطنابُكم موْصولةٌ بطنُبلحقّ ذي القرْبى وحقّ الجنبِ
وإنني قِنٌّ لكم لم أشَبوذو انتسابٍ لست بالمؤتَشَب
وذو تعلُّقٍ وذو تحبُّبٍوذو تملُّقٍ وذو ترَبُّب
وسائلٌ وذاك غيرُ مَشْعبلكنني في نيلِكم كأشعبِ
وكم حقوق لي لم أأنَّبِإنْ قلتُ أهلها بهم أوصى النبي
لا أنّ إلى منكُم لم يُرْقَبِغمصاً لما من فضلكم عُلّقَ بي
لكن عدا بي الطوْرَ توْقُ رقبيمِن نسبتي لكم لأعلى مَرقَب
وأحمد الله فلو لم أنَسبإلى حماكم في الورى لم أحسب
ولم تجدْ ركائبي منْ مضرِبِفي مشرق الأرض ولا في المغرب
نعم كفاني لامتلاء جُرُبيعلمي بكم ورؤيتي وَقُرُبي
في جَنب ذلك هَباً عندَ هبىملءُ البرى من فضةٍ وذهب
أمّي فِدَاكم بعدَ أن يُبدأ بيوبأبي لو أن غيرَكمْ أبي
ووجنتي لنعلكم في التيْرَبِوِقايةٌ من شوكةٍ وعقرب
مَنِ ادّعى عنكم غنىً في مذهبإني إلى مذهبهِ لم أذْهبِ
أمَا دري من جهلهِ المركّببأنه سوى العمى لم يركبِ
فإنه لولاكمُ لم يُضرَبِله بسهمٍ ما أقلَّ مَضرَب
ولم يزلْ حياتَهُ في تَعَبِولم يزِنْ بين الورى من زَغب
وعذره الجهلُ وعلم الحدبمنكم له أدى لسوءِ الأدب
وما على عالي الذرا من نصبفي هبَّةِ الصَّبا وَرَمْيةِ الصَّبي
وكيف أغنى عنكمُ ونسبيونشبي منكم ومنكم حسبي
ومنكمُ دفعي ومنكم جلبيومنكمُ درعي ومنكم يَلبي
وأسَلى وقضُبي ومَوْكِبيوجَحْفلي وعضُدِي ومَنكِبي
ومعقلي وملجئي ومهرَبيوملبسي ومأكلي ومَشرَبي
ومَركبي وقرَبي وَقرَبيوطاعتي وَزُلَفي وقُرَبي
ومنكم راحي ومنكم ضربيوراحتي منكم ومنكم طرَبي
وجَبْرُ كَسرِيّ وجَبْرُ حَرَبيوبُرْءُ دَائيَ وَبُرْءُ جَرَبي
وأنتمُ وسيلتي وسببيلما إليه وجهتي وخببي
وأنتمُ دَرِيئتي من لهبِنارِ لظى يومِ اشتدادِ الصَّيْهب
أمْ كيف يَغنَى عنكم ذو أرَبلربه منْ عجمٍ وعرَبِ
ومالك الملك الذي لم يُغلبوفضلهُ إن يعطِه لم يُسلَب
والفعل منه عنه لم ينقَّبوحكمه في الكون لم يعقَّبِ
ولاّ كُم من اجْلِ ميراثِ النبيأمرَ الورى مِنَ اقربٍ وأجنبي
رحبُ الفَضا لولاكمُ لم يرحُبولم تُجَدْ جُزْرٌ يغُرّ السُّحب
وإن يَصِبْ صَوبُ الحيا أو يَصِبلم يُحيى ميتا دونكمْ ويُخَصِب
والدَّرُّ لولا رَغيكم لم يُحلبوالدُّرُّ لولا سِعْرُكم لم يُجلب
إذْ لرحى الأكوان حقُّ القُطبأنتمْ وهل تغنى الرحى عن قُطب
فليؤمنِ الحسودُ أو يكذِّبِما طُرُقُ الحق كطرُقِ الكذب
وأنتمُ غوْثٌ وغيْثُ المجدِبوالنادب الملهوف والمنتَدِب
ألفيتمُ الذين بقُطرِ المغربطارتْ به في الجوّ عَنْقا مُغرب
وَرَسمهُ عفتْهُ هُوجُ النُّكبولم تُعجْ له صدُورُ الرُّكب
شدَدْتمُ دُعُمَ كلِّ خَرِبِمنهُ فلمْ يُهْدَمْ ولم يَضطرِبِ
وعنه ذُدْتمْ بشبا ذِي شُطبيُجرّعُ البُغاةَ كأسَ العطب
مَهْما يَسمْهُ الخسْفَ ضَخْمُ القبقَبِقالت سيوفُ الحق فيه قبقَبِ
فبزغت شمس الهدى في الغيهبِفابَيضَّ كلُّ أبْيضٍ وأكهَبِ
مُشْرقةً في نورِها المحتجبِتبارك الله كأن لم تجبِ
من نوره استمدَّ نور الشُّهُبِفلاحَتْ اسْعُدُ السنين الشُّهُبِ
فطابتِ الحالُ التي لم تَطِبِوأرطبَ العيشُ الذي لم يُرْطِب
وآض صابُ الدهرِ بنْتَ العِنَبِواعتاضَ نابهُ ببرْدِ الشنَبِ
بورك فيكُم وفي مطيّبِما حُزْتمُوا من طيبهِ المطيّبِ
والله يُبقيكم لنفي الرّيَبِونفعنا منْ حاضرٍ وغيَّبِ
وعن سبيل الأبطحيّ اليَثْرِبيجزاكم خيرَ الجزا خيرُ رب
أدْعوهُ في كمالهِ المستوْجبأني متى أدعَّهُ يَستَجبِ
مؤمناً إن غيره لم يهبِولا يقي في رغبٍ أو رَهبِ
بالاسم الأعظمِ ومآلهُ اجتبيمن صفةٍ واسم وآي الكتب
والأنبياءِ كلّهمْ والنُّخَبِمن رُسلهمْ والمصطفى المنتخب
والآلِ والأصحابِ والمنتسِبوالأوْليا والمؤمن المحتسِبِ
وبالملائكة والمقرَّبِورُسلهمْ من اقربٍ فأقربِ
أن يُوليَ الرضى الذي لم يُعقَبِبِسَخَطٍ لكم وطولِ الحِقَبِ
وأن يزيد من عوالي الرُّتَبِمقامَكمْ دون عنيً ورَتَبِ
وأن يَقي نِعَمَكم منْ سَلَبِوأن يقيكمْ شرَّ كلّ مِخلَبِ
وحاسِدٍ وراصِدٍ مُرَقّبِونافثٍ وغاسِقٍ إنْ يَقِبْ
وعائنٍ وخائنٍ مُختلِبِوهاتِكٍ وفاتكٍ مستلب
وأن يُبارك لكم في العِقبمنكم فيَحظى بثباتِ العَقِبِ
ومنه جَلَّ وهو مولى الرَّغَبِوفاطِرُ السَّبْعَين دون لَغبِ
أرجو بكم نيلَ جميعِ أرَبىودرك هملاج هوادِ الربرب
وفوزِ سُهماني بكلّ مَطلَبِقَصَّرَ عنه كلُّ ماضٍ قُلّبِ
وَحَمليَ العِبَء بصلْبٍ صُلَّبِوكونَ بَرْقى غيرَ بَرْقٍ خُلَّب
ومتحِيَ الغربَ بأقوى الكرَبوأن يُفَرّجَ تعالى كُرَبي
وأن أفوتَ درك كلّ طلبِوأُدرك المطلوبَ دون طلب
وأحرزَ الخَصْلَ بغيرِ تَعَبِوَأَخْرُزَ الخرْقَ بغيرِ مشعَب
ويستقيمَ عرَجي ونكبيواركبَ النَّجاةَ خَيرَ مَركب
وَتُبْرِدوا من غُلَّتي بِنُغبِمن ثلْجِكم تُزْرِي ببْرِدِ الثغَب
وتسمحوا بنظرةٍ من حَدِبِبها يقومُ أوَدُ المحدَوْدِب
وتنفحوا بنفحةٍ من طيّبِطيبكم المطيِّبِ المطيبِ
وتنشِلوا بجذَبة من يُجْذَبِبها يصل بها فلم يُذَبذَب
حتى أرى بالنائلِ المكتسَبمِنكم إليكم صادِقَ المنتسَب
فيتولاَّني الذِي لم اكسِبِولاية منهُ فذاكَ مكسِبي
لا زِلتموا في الحرَمِ المحجَّبوالناسُ منْ حُرْمتهِ في عجب
وأنتم في قطرِهِ المرَجَّبوعصره في مكةٍ ورجب
يأتيه فلُّ أربٍ وهرَبِكلُّ أخي مخافةٍ وتَرَب
فآملٌ سيْحَ جِمامِ القُلُبِومشتكٍ هضْم اللُّصُوص الغُلُبِ
وَمُستَرَقٌ رَامَ فكَّ الرَّقبِوسالِك رام جوازَ العقَب
وسائلٌ عن مشكِلٍ مستَصْعَبوجاهل يمشي كمشي المُصْعَب
فيُلتَقي جميعهمْ بمرْحَبوَتُبسَطُ الكفُّ لهمْ بالرحب
وآدِبٌ بالنقرَى لم يدْرَبوالجفلى مهما دعاها يَطرب
تراهم لدى الجناب المُخْصِبعلى القِرَى كالعَكرِ المُعْصَوْصِب
فمَنْ يَقُمْ يُزَدْ على المطَّلبوَمَنْ يؤبْ فحامِدُ المنقلب
ولا يزَلْ برْقُ ندَاكم يطَّبىأهلَ القريض نحوكم وَالخُطَب
رِكابُهمْ ينهجْنَ كلَّ نَيْسبمن سبسبٍ خوارجاً لسَبْسب
لما رأوا مُهدِى الثنا في النصُبإلا لكم لم يذبحوا للِنُّصب
والكلُّ عَدَّ نفسه كالمذنبلعجزه أطنب أم لم يُطْنب
وكلُّ من أصابَ أو لم يُصِبِتُغْضُونَ عنهُ من علو النصب
فتتحفونهمْ بكلّ أرَبتأسّيًا بالحنفيّ اليثرَبي
أتحفهُ اللهُ بغيث صَيّبمن الصلاة والسلام الطيب
والآل والصحب وكل مُجتبىدينَ النبي المجتبى لم يرْثب
ما فاز بالشُرْب قصيرُ الكرَبمِن ازْرق الجمّ قريب المشرب
ولم يؤب فوق ركابٍ خُيَّبمَن انتهوْا لولدِ المسيَّب
جاَءت لقصدِ الزورِ والتقرُّبتسحبُ ذُلاّ خدَّها في التُّرُب
هذَّبها من ليس بالمهذّبلكنه في ضمنها لم يَكذب
تمري الندى الذي بدرّهِ حُبيمهدى الثنا مَرْيَ الصَّبا للسُّحب
ترجو النجاةَ من دواهي الحقبوالفوز بالنجح وحسن العقب
وقال أيضا:
ما للمحبينَ مِنْ أسرِ الهوى فادِولا مُقيدٌ لقتلاهمْ ولا وادِ
ولا حميمٌ ولا موْلى يرِقُّ لهمبلْ همْ بوادٍ وكلُّ الناس في وادِي
يا رحمتي لهمُ ما كان أصبَرهمْعلى مُعاناةِ جمعٍ بين أضدادِ
والناسُ ألْبٌ عليهم واحدٌ فلذاما إنْ ترى مَن يُواسيهم بإسْعاد
إمَّا عذُولٌ وإمَّا ذو مراقبةٍأو زاعمُ النصح أو ساعٍ بإفساد
إن أظهروا ما بهم ليموا وإن كتَمُوالاقوا بما كابدوا تصديعَ أكباد
وهيّنٌ كلما لاقوهُ عندهُملوَ انَّ أحْبابَهمْ ليسوا بصُدَّاد
يا عاذِلينَ أقُّلوا اللّوْمَ وَيْحكُمإني لمنْ رامَ قَوْدى غيرُ مُنْقاد
ولا يُلينُ قناتي غمزُ غامزِهاولا يقيمُ ثقافُ العذلِ مُنآدي
أحَيْثُ ما كنتُ أو يممْتُ من جهةٍألْفِي رَقيباً ولوَّاماً بمرْصادي
ما اعْتادَ قلبي الصّبا لكنَّ من ملكتيَدَ الغَرامِ يعَوَّدْ غيرَ مُعْتاد
يزدادُ باللوْمِ حُب الصادقين هَوًىواهاً لحبٍّ بطول اللوْم مزدادِ
والطرْفُ للِقلب مُرتادٌ ولا عجبٌفي قَفْوِ منتجعٍ آثارَ مرتادِ
والحبُّ أمرٌ عزيزٌ ليس مُرتبطاًفي حكمه عند مَن يدريه بالعادي
ما لي وحُبَّ الآلى يتركن منتظماًحَبَّ القلوبِ بألحاظٍ وأجياد
هلِ النساءِ سِوَى لحم على وضَمٍلمبتغى نُزُلٍ أو مبتغِى زاد
فُهنَّ قدْ هنَّ إذ صَيَّرن مبتذَلاما عِندَهنَّ لأوباش وأوغاد
لذاك أعرضْتُ عن لهو وعن غَزَلوعنُهما صُنتُ إنشائي وإنشادي
ولي من الفكرِ أبكارٌ مشنَّفةٌمِن البديع بترصِيع وإرصاد
وإنما بي هَوَى بيضاَء واضحةٍكَلفْتُ وجداً بها من قبل إيجَادي
حَسناَء مُعرقة في الأكرمين وماكانت لتدعى لآباءٍ وأجْداد
ما للزعانِفِ في وصلٍ لها كمعٌولا لهم سرُّها المكنون بالباد
وهذا ما بقي من قصيدته التي تقدمت بعد قوله: فمن يجل... الخ:
إلى خيْفِ المُحَصَّبِ رائحاتٍبكلّ أشَمَّ ضاحي الوجنتينِ
وتغدو بالشروق مبادراتٍبنا أجْلىْ نَعام جافَليْنِ
من التعريف مُسْياً صادراتٍيخدْنَ مَنكبات المأزِمينَ
ومن جمعٍ يسِرْنَ مُغلّساتٍلوقفةِ ساعةٍ بالمشعَرَيْنِ
ببطنِ مُحسَرٍ مُترامياتٍلأولى الجمرِ دون الأخريَيْن
وترجعُ إنْ أفاضتْ لابثاتٍثلاث ليائل أو ليلتينِ
وللبيتِ العتيقِ مُوَدّعاتٍقد ارتاحت لإِحدى الراحتين
وأخرى لم تكن لِتنالَ إلامُرور محلّ إحدى الهِجرتين
إليها من كُدًى يهبطن صُبحاًهبوط السيل بين القُنَّتيْن
توَّخى مسجدَ التقوى تحرَّىمُناخَ محمدٍ والصَّاحبين
تَمُرُّ بذي الحُلَيفْةِ حالِفاتٍعلى الألباب بين اللاّبتين
فتستقصي بِها الرُّكَباتُ منهامن القصوى مكان الرُّكبتين
ولا تُلِقى عِصِىَّ السيرِ إلاإذا وصَلتْ لثاني المسجدين
ضريحِ المصطفى صلى عليهمع التسليم رب المشرقين
يحفُّ خليفتاهُ بهِ فأكرِمْبهمْ من مصطفىً وخليفتين
وأصحابُ البقيع ومن حَوَتهُمِن الأبرارِ كلتا البقعتين
جُزوا عَنا برَيحانٍ ورَوْحٍعليهمْ لن يزالا دائمين
وأوتوا جنتين دنت عليهمْبخيرِ جَنى ظِلال الجنتينِ
أوْلاك الناسُ أهلُ الله حقاًحماةُ الدينِ بالأسلِ الرُّديني
بهمْ يا ربّ عاملنا جميعاًبلطفك دائماً في الحالتينِ
وبالمأمول جُدْ فضلاً عليناوق الاسْواَء في الدارين نَيْن
وبالحسنى لنا فاختمْ إلهيكتاب الحافظينِ الكاتبين
ولمولود المتقدم مقطعة تقدم منها بيت وهي:
لمثلها من عتاق شَعْشَعاناتِقضى اللبانةَ معنىُّ اللُّباناتِ
مِلْمَوْجِ شُدَّتْ لطياتٍ بأرحلهاويْلُمّها إبلا شُدّتْ لِطيَّات
راحت برَحْليَّ من فَرَلَّ واكتفلَتْتلك العشيَّةَ بالسبع الاضيّاتِ
طَوى برَحْليَ أجواز الفلا يَققٌعَركْركٌ من ذوات العجرفياتِ
جأبُ الشرَاسِيف ينبو عنْ وليتهِكالأخدَريّ يُبارى أخدريَّات
إذا النّجائب أمست لا حِراك لهاتحتَ الوليَّاتِ أشباه البليات
نُجُبٌ ينجيننا من كلّ مَهلكةٍلم يقتَحمْ هَوْلَها إلا ابن مقلات
زَوَى الأريب عنها خوفها فخَلتْألا الوحوشَ جماعاتٍ جماعاتِ
ولوْ تراهنَّ يَفرِين الفرِيَّ بِنامِنا بكلّ فتى كالنصل مِصلاتِ
ضخمُ الدسيعَةِ لا ينفكّ ديدنهُنَيْطُ المسرات أو ميط المضَرَّاتِ
معصوصباتٍ على معصوصب خشِنٍما بين وهْمٍ عَلندَي أو عَلنداة
مالي أرانيَ مذْ يوْمي وليْلاتيتامت فؤاديَ إحدى اللادِميَّاتِ
أدْمانةٌ من بني المبروك حُمَّ لنامنها لَعَمْرِي إدْمان الصَّباباتِ
وهذا ما بقي من جيميته التي تقدمت بعد قوله: هم الأسود.. الخ:
ما كان أحسن في الهيجا لقاَءهمُإذا التقى في الوغى القِرْنانِ واعْتلَجا
وَلاَّهُم الدبُرَ الناسُ الألى جَمَعوالهمْ وما منهمُ إلا بها حَبَجا
خاضوا لإظهار دين المصطفى لججالاقتْ بهمْ لججاً تستغرِقُ اللججا
يهُزُّ عَضباً كأن الموت صورتهُفي كف أرْوعَ يلقى الموت مبتهجا
تراه همتهُ في الموت تحسبهُيوفى به نُذُرًا يقضى به حَوَجا
تراه يقتحمُ الهيجا كأنَّ بهعلى كمالِ النُّهي عند اللقا هَوَجا
كم قاسموا البيض والسمرَ الموارن منحمى أعاديهم النسوان والمهجا
فللجحاجح منها كلُّ خَرْعَبةٍروْدٍ حوى خِدرها منها رشا غَنجا
ترنو إليك بطرْفٍ زانهُ سَقَمٌفيه إذا نظرت منه تراه سجا
والسمهريُّ توخى ما نخيرهمنها الكُلى والنَسا والسَّحرَ والثبجا
والمشرفي تولى أمكُناً شَرُفَتْمنها القماحيد واليافوخ والحُججا
وكان مصطفيات المشرفيةِ منْذاك العلابيَ والحُلقومَ والودجا
ماذَا تظن بقوْمٍ بالهدى افترنوايَجرون أين جرى يحجون أين حجا
أرى بمدحي لهم عن مدحهمْ قِصراًحتى كأنَّ بليغَ المدح صار هِجا
يا منْ بقدْرته تقفو إرادتُهُلم يبغ إذ مرَج البحرين ما مرجا
بنورِ وجهِكَ بالذات العلى وبمامن الكمالات في أوصافه اندرجا
وبالنبيّ ومستقفي النبيّ ومَنْمِنَ أوْليائك ممنْ قبلَهُ اندرجا
اجْعل عُبَيْدَك مولودا من أوَّل مَنفي رحمةِ الله فيها خالداً ولجا
وإنني مؤمنٌ بالمصطفى وبمابه من الحق من عند المهيمن جا
وافتحْ علينا من ابواب الكرامة يافتاحُ ما كان منها دوننا ارتتجا
والطفْ بعبدك في حالاته سيماإذ هّو مُنحنِقٌ من ريقهِ بشجا
وثبتنْ قدمى على الصراط إذاما الاشقيا زَلِجَتْ أقدامُهمْ زلَجا
عليه من صلوات الله أطيبهاما هاج ذكر حبيب للحبيب شجا
معها سلامٌ كأنفاسِ الرياض إذافيها نسيمُ الصبَّا مع السما مَعَجا
إلى هنا وقف القلم بنا في الكلام، على أدباء شنقيط، وما تيسر لنا من شعرهم، مما حفظناه عنهم، وليعذرني المطلع على ذلك، فإني أول من عُنى بجمعه وتدوينه، ولعل من يأتي بعدي لتوسيع نطاق هذا الباب، يجد كتابي هذا أمامه، فيحذو حذوه،
والله الموفق.
النص من طبعة الشركة الدولية للطباعة بمصر (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع