من «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١هـ)
الكلام على أولاد امبارك
تقدم أن أبناء امبارك، كانوا هم أهل الشوكة، حتى تغلبت عليهم قبائل إدوعيش، ومن انضم اليها، وكانوا أهل أبهة عظيمة، وكرم وعدل ومما يحكى عنهم من النخوة، أن أحدهم كان يعتاد أن يدخل على أمه في كل ضحوة، فيجد عندها
شيئا من اللبن، في قدح نظيف لا يشرب فيه غيره، فدخل عليها يوما على العادة، فلما أدنى اللبن من فمه، اقشعر جلده، فعلم إنه قد شرب منه أحد. فقال لأمه: أصدقيني من شرب من هذا اللبن. فقالت له: شرب منه شقيقك فلان، وهو مثلك، فقال لها: إني رأيته وهو صبي، عض صبيا من الحدادين بأسنانه، فامتنع من الشرب من ذاك الإناء بعد ذلك، ورآه نجس العين.
ومن نخوتهم، أن (الكفيه) المشهور، وقد أدركنا من يعرف شخصه، نزل ببكار بن اسويد أحمد، رئيس إدوعيش، فبنى له بيتا، وكان بكار يذهب إليه بنفسه، ويواكله
في محله، فأتاه ليلة مع من يحمل له شيئا من اللحم، فلما وضعه بين يديه امتنع من أكله، فسأله عن السبب. فقال: إني لست سبعا، فإن هذا الوقت لا يأكل اللحم فيه غير السباع. وخرجا يوما يتريضان على فرسين، فمرا بمنهل غاص بالناس، يسقون إبلهم فيه، فأتوهم باللبن، فشرب منه بكار أولا، وناوله، فامتنع من الشرب، فسأله عن السبب، فصرح له بأنه لا يشرب في المنهل، إلا أوباش الناس، فحقد عليه بكار، فكان هذا سببا في دس من يقتله بعد ذلك واشتهر الكفيه هذا، بالنظم المسمى عندهم بالغناء، ومنه قوله يعتبر بما فعل بهم مشظوف، وكانوا خولا لهم، فحاربوهم وغلبوهم، فقال:
أسْكِ عنْ تصريفْ القيُّومْوَاسْكِ يَذاك التّصرُّوفْ
مشظوفْ أكبلْ ملْكِ واليُومْعِدْتْ آنَ مالِكْن مشظوفْ
أسك عندهم: كلمة بمعنى التعجب، ويذاك: بمعنى يا ذلك، والتصروف: مصدر بمعنى التصرف، وأكبل: بمعنى قبل، وعدت: بمعنى صرت، وهي عربية، يعني انهم كانوا ملكه فانعكس الأمر. ومن نظمه أيضا:
مَحَدْ الدّنْييَ مايْلَشَوْرَكْ واعْليهَ مايِلْ
اعْلمْ بعْدْ إنه زايْلَوأنتَ واياهَ زايِلْ
محد: بمعنى ما دامت، وشورك: بمعنى إليك، أي ما دامت الدنيا تميل
إلى ناحيتك، وتميل إليها بقلبك، فاعلم بعد ذلك انكما زائلان.
مَذَ مِنْ حَدْ اشْتاكْهَواجْمَعْهَ بعْدْ افْرَاكْهَ
مِلْكْ اذْهَبْهَ وانْياكُهَيِمِرْكاتِنْ واشْوايلْ
وامْشَ عَنْهَ ما ظاكْهَوانَ ذا الِّ كايلْ
مذ: بمعنى ماذا، واشْتاكهَ: بمعنى اشتقاقها، وأفراكه: بمعنى فراقها، وأنياكه: بمعنى نياقها، وتمركاتن: بمعنى أنها غير حلوبة، واشوايل: بمعنى حلوبة، وهذه
اللفظة عربية، إلا أنهم عكسوا معناها، لأن الشائل عند العرب، هي التي شالت بذنبها اللقاح، ولا لبن لها أصلا، والشائلة ايضا: تقال لما بقي في ضرعها بقية، وامش: بمعنى ومشى، وظاكه: بمعنى ذاقها، وان ذا الّ كايل: أي وأنا هذا الذي أقول:
فاتُ مُلْكُوهَ لوْلِينْالِّ مُلْكوهَ مُلْكْ زينْ
أعْكبتْ فيْدْ التّاليبنهاذُوْكْ ارْحايلْ وانْزايلْ
غَيْرْ الِّ يِمْشُ كامْلِينْعَنْهَ مشْيِتْ لَوَايلْ
ارحايل، وانزايل: بمعنى راحلين ونازلين، هاذوك: بمعنى أولئك.
النص من طبعة الشركة الدولية للطباعة بمصر (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع