من «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١هـ)
حرب أهل شنقيط وأهل وادان
هذه الحرب واقعة بعد التي قبلها، وتقدم أن بين البلدين نحو يوم. وكان سكان وادان، من قبيلة كنته وإدولحاج، وكانوا كالشيء الواحد. فوقعت الحرب بين أهل المدينتين، ومن أصح ما نورد عنها، رسالة حرم بن عبد الجليل العلوي،
وقصيدته. وكان حرم المذكور موجودا إذ ذاك، وموضعه من العلم والورع معلوم، وهذا نصهما:
عفت والعياذ بالله معاهد الإسلام، وغدى المستضيئ بها في أعظم الغياهب والظلام، وصار سلوك مسالك الفسق فخرا بين الأنام، واشتد اشتداد كاهله، وبلغ أشده، وجاوز في كل المواطن حدَّه. وذاع فلم تدرك يد العَدَّ عدَّه. ولكن من أعظم ما سمعنا به في الزمان، ما فعلته وندمت عليه أهل وادان، وذلك أنهم مر منهم بأهل شنجيط رجلان، فقتلهما من غير يمالئ رجل قتلوا قبل أباه، وطالب الثأر منا ليس ينساه، فحاولوا ما صميم الشرع يأباه. فقلنا لهم: هذه دية مهذبة الوسط والنواح:
فإنْ ترضوا فإنا قد رضيناوإلا فأطراف الرماح
مقومة وبيض مرهفاتتبين جماجماً وبنانَ راح
فقال سيدهم: لتفعلُنّ كيت وكيت، أو لأطأنكم عما قليل بجحافل، لكنه مضى من ملتقى المحافل، والحال منه يضحك: وينشد قول القائل:
عقبي اليمينِ على عقبي الوغى ندمُماذا يزيدك في إقدامك القسمُ
وفي اليمين على ما أنتَ واعدهما دل أنك في الميعاد متّهم
وقلنا لهم: لما رأينا مقالهم، يوم التقى الجيشان كذب الفعل:
أبيتم قبول السلم منّا فكدتمُلدى الحرب أن تغنوا السيوف عن السلِّ
فصاروا أضحوكة بين أهل السهل والجبال. فحرضتهم نساءهم إذ ذاك على القتال، فوجهوا إلينا في الشهر الحرام جيشا لهاما، وكان من مضى من أهل الملل كفرا وإسلاما، يرى القتال في الشهر الحرام حراما. فلم نبق منهم غاربا ولا سناما. فمن دعاه حب الحمد إلى القتال بقى منشورا، ومن دعاه حب التمر إلى الفرار فر مذعورا:
يفر من فر منهمْ للِعدى دهشاكأنهم في الموامى لم يروا سبلا
وضاقت الأرض حتى كان هاربهمإذا رأى غير شيء ظنه رجلا
فلا تلم جيشكم من بعد هزمهمإذا رأيت رجالا منهم سلموا
عليك هزمهمُ في كل معتركوما عليك بهم عار إذا انهزموا
ولما أغرقهم اللعين، نكص على عقبيه، كما فعل بقريش في غابر الأزمان. فصاروا كأهل قرية كانت آمنة مطمئة؛ يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فكفرت بأنعم الله، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون، وصاروا حسبنا الله ونعم الوكيل؛ عبرة يعتبر بها المعتبرون. وصاروا ألين من الماء بعد الصلابة، فمتُّول إلى كُنْتَ حينئذ بالقرابة فملكوهم حينئذ ملك الأمراء، بل
لم يبلغوا لهم درجة الوزراء، فألجموا الخيل، وزموا الإبل؛ وأتى منهم من يملأ السهل والجبل، ولما رأينا ما سمعنا من أمرهم، تذكرت ما قال بعض الولائد:
تجمعتمُ من كل أوب ووجهةٍعلى واحد لا زلتمُ قِرن واحد
فأتوا معشرا معاطاة كؤوس الحِمام، أشهى إليهم من معاطات كؤوس المدام:
فَجُلْ بقولك في أقصى مآثرهمإن أنت في ذاك بالإفعال لم تجل
لقد وجدت مكان القول ذا سعةفإن وجدت لساناً قائلاً فقل
أولئك قوم كلُّ من جد غيرهمترى جِدَّه هزلاً إذا ما هُم جَدّوا
ولا ترج يوماً صالحاً لعدوّهموإن هو منهم كان أكثر إن عُدوا
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعواقليل إذا عُدُّوا كثير إذا شَدُّوا
فسقط في أيدي تلك العساكر وولوا خائبين، فكم من فئة قليلة، غلبت فئة كثيرة بإذن الله؛ والله مع الصابرين، فقُطع دابرُ القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين:
إذا الدهر بالمكروه سامك فاصبراولا تجزعنْ منه أقلَّ أو اكثرا
فما دام شجوٌ لامرئٍ ومسرةأرى الدهر من هذا وهذاك أكثرا
لقد كنتُ أحجو الهجر أكبرَ فاجعفألفيته من أصغر البين أصغرا
أرى البين عن ساقيه أضحى مشمّراًوشجوك لما شمّر البين شمرا
وليس يرد الحزن من شطّ وليُهَافأقصرْ عن الأحزان إن كنت مقصرا
تغيرتَ أحوالا كما أن رسمهاوحُق له من بعدها قد تغيرا
غدا رائحُ الأرواح والمعْتدى بهإذاً بدلاً منه أصمّ وأعورا
أمرُّ على أكنافه متجاهلالأني متى أعرِفه جَفْتَيَ أمطرا
كأني حنيناً من تذكر أهلهامسنٌ لأيام الشباب تذكرا
تقول وقد أضمرتُ ما بي أترْتضىهوىً لم يزل في مضمر القلب مضمرا
فقلت لها أمسى وأصبح أمرهمن الشمس أو من فتح وادان أظهرا
أقرَّ بذاك الفتح من كان منكراًله وغدا يُخفيه من كان مظهرا
وأدلج إدلاجاً به كلُّ راكبٍعلى رغم أنف الحاسدين وهجّرا
وسيّر في الآفاق أمرَ وقائعتُطيل إذا فَكرت فيها التفكرا
دعا عاجلُ الآجال للحَيْنِ معشراًبوادان لنْ يُدعى مدى الدهر معشرا
لئن وردتْ شنجيطَ يوما ظماؤهملقد شربوا بوازُعْقاً من الموت أكدرا
وكان لهم شر الموارد مورداًوكان لهم شر المصادر مصدَرا
هم حزبوا الأحزاب من كل جانبكما حزّبت أحزابها أهل خيبرا
أتوا بالرعايا يَنشدون وعيدهمفصاروا على البطحاء لحما منشرا
وفاض أتيٌّ من نجيع دمائهمبه شجرُ البطحاء أصبح مثمرا
فمن كرَّ منهم قد تكسر عمرهومن فرّ منهم صبره قد تكسرا
نجا مُذعَراً مما رأت عينه ومانجا من نجا من مأزِق الحرب مذعرا
إذا هو في المِرآة أبصر وجههتوهّم وجه القرب ما كان أبصرا
وإن نام لو حفته منهمْ عساكررأى مَشْرفياً بين فوديه أحمرا
لكان لهم صبر شديد وشدَّةولكنهم لاقوا أشد وأصبرا
تطوف بهم صير هناك تخالهاإذا وقعت حول العساكر عسكرا
ترى الذئب مسروراً يقول لصحبهيزوّدنا هذا سنيناً وأشهراً
أبوا وطلبنا السلم منهم قبولَهاوقالوا لقد كنا على الحرب أقدرا
فولوا على أعقابهم خشية الردىغداة غدا بازِ المنايا مصرصرا
غدت كُنْتَ تقضي دونهم ما ينوبهممن الأمر كانوا غائبين وحُضّرا
فأقبل من آكان جندٌ لنصرهموأدبر عنه النصر إذا فرَّ مدبرا
فشنجيط ظنوا هدمه متيسراًفألفَوْه من إحياء كبّادِ أعْسرا
كلهمُ لم يعرفوا بأس أهلهولو سالوا بانُمَّ والمسكَ أخبرا
أتوا بخميس لم تكن خمس خمسهفقلْ فيه لو ساواه أو كان أكثرا
أتاه يجوبُ البيد والقفر صائلاًفآب من الأبطال والدين مقفرا
بدا إذ بدا ما قد رأوه تواضعٌلمن كان منهم طاغياً متكبرا
فقال زعيم القوم أصبحتُ راضياًبما كان من أمر القدير مقدرا
فنالوا إذاً عبداً ببعض دمائهمونِيماً وتنوريْن والبعضُ أهدِرا
دمٌ أهدرته سادة علويةوما كان فيهم مثلُ ذلك منكرا
وما استنصروا غير الصوارم ناصراوأغنتهمُ عمن أتى متنصرا
يخوضون يوم الروع في لجج الردىكأنَّ منال العز فيهنَّ أبحرا
يسابق عَزرائيلَ وقعُ سيوفهمإذا ما مُحَيّا الحرب أصبحَ مسفرا
فكم مشهدٍ في الحرب يثنى عليهمُوكم معشر من بأسهم صار أزورا
تراهم وليس الدهر إلا نوائباًإذا كَبُرَتء تلك النوائب أكبرا
سما للمعالي منْ تقدّم منهمُفيسموا على آثاره من تأخرا
مآثرهُمْ حَلْىُ الزمان لو إنهعلى صورة الإنسان كان مصوّرا
فكم من فتى فيهم يروقك علمهويَهزم من أجناد وادان عسكرا
ويجعل في إحدى يديه مهنداًطريراً وفي الأخرى كتاباً مطرَّرا
يحب الردى يوم الوغى فكأنهإذا مات فيه لا يزال معمَّرا
بعينيك فانظر كيْ ترى بعض مجدهمإذا أنت عن إدراكه كنت مُقْصِرا
ولما أراد كنت، أن ينصروا إدولحاج على إدوعل، وقام لذلك (كبادى) وقعد. وكان من رؤساء كنته. فحذرته امرأته من البغي وخوفته من إدوعل. فقال لها: إن رُصَيَّصهم لا يقتل، لأنهم لا يجعلون في مدافعهم من البارود إلا إصبعين، فبلغتهم المقالة. فعرفه رجل من آحاد الناس وضربه وقال له (صرت عباس الّ صبعين) صرت: أصله سرة. وسرة الإنسان: معروفة. وعباس قريب
الضارب. ومعنى الّ صبعين: يعني لم أجعل في بندقيتي غيرهما. وصرت قسم عندهم، كما يقول أهل المشرق، ورأس فلان، قالوا: وكان جعل مع باروده ذلك نواتين، عوضا عن الرصاص. فمات كبّادي المذكور من تلك الضربة.
وبعد تلك الواقعة، التي تقدمت هزيمتهم فيها، صالوا على شنقيط أيضا، فذهب إليه أحد علماء أهل شنقيط، ليفاوضهم في الصلح، فقتلوه ومن معه من تلامذته. وكان أهل شنقيط لا يذهبون إليهم، فإذا أتوهم أنذروهم. فإن لم ينتهوا قاتلوهم. فطلب ابن الشيخ المقتول من قومه، أن يأخذوا معه بثأر أبيه. فقالوا: لا نصول عليهم ما لم يوافونا. فرجع القوم، فذهب حتى أتى أهل تيججك. فأخذ شيئا من صعاليكهم، وغزا بهم قتلة أبيه. فوجدوا قافلة عظيمة من إدولحاج خارجة من تيشيت. فقتلوا أهلها عن آخرهم، ونهبوا إبلهم.
ثم أن إدولحاج، جمعوا جموعا كثيرة، وحاصروا مدينة شنقيط. فسافرت بينهم السفراء، ووقع بينهم الصلح، على أن يعطوهم مائة من كل شيء. فتحملوا لهم
ذلك، ورهنوا لهم ما في تنوشرت من النخل. فبقى النخل تحت أيديهم إلى الآن.
النص من طبعة الشركة الدولية للطباعة بمصر (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع