من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن» لإسماعيل ابن الأحمر (ت ٨٠٧هـ)
كنيته: (٥١)
يكنى أبا زيد، وهو من أهل فاس، وبها رأيته، وصحبته.
حاله: هو شاعر مجيد، ومبدىء في البلاغة ومعيد. قد فاق في النحو، وسلم نظمه من الحشو. مقرىء للعلوم الأدبيّة، بنفس مطاوعة غير أبيّه.
وكنت قد سألته شيئا من نظمه، لأنشر رداء معرفته وفهمه.
فأبطأ عليّ بالجواب دهرا، حتى جمع من شعره نزرا. وكتب ذلك في أوراق، وذيّل بكلامه الذي راق. وذكر في أول كلامه اسمي، وطرزه برسمي. لما توالى تكرار السؤال عليه، ودؤب الطلب مما من النظم لديه. وبعث بذلك إلي، وألقى زمامه في يديّ. واخترت منه ما يعلمه باتساع باعه، وانطباع طباعه.
وهذا ما كتب في صدر كلامه، وما ذيل به عند ذكر نظامه:
«يقول عبد الرحمن بن علي بن صالح المكودي-لطف الله به- سألني صاحبنا الشهير بالنبل والذكاء، وسروة الهمّة والبهاء. الضابط لفنون الآداب، العالم بعيون التاريخ والأنساب. رافع راية القريض، وناشر لوائه الطويل العريض. علم الرؤساء ودرّة أبناء الأمراء أبو الوليد إسماعيل بن الرئيس أبي الحجاج يوسف بن الأحمر الخزرجي أن أقيّد له شيئا من شعري فلم أسعفه بمطلوبه، ولا عجّلت له بمرغوبه؛ استحقارا لشعري، واستضعافا لما صدر من نظمي ونثري.
وهجرا للأدب وطريقته، وقلى لمجازه وحقيقته. طريقة كثر قائلها وقلّ نائلها! فلو أمكن أن يجتمع في زماننا هذا أبو تمام باغترافه من بحره، وأبو الطّيب باقتطافه من زهره، وأبو العلاء بنحته من صخره، على استخراج درهم واحد من أهل زماننا لما حظوا منهم بنائل، ولا وقفوا في أمورهم على طائل! دهر وقى الله من حوادثه سيّان ذو الجهل فيه والعالم.
ولما كان السائل المذكور ممن لا يسعني خلافه، ولا يمكنني إلا إسعاده وإسعامه؛ قيدت له شيئا من شعري، مع نبذ من نثري.
وليتخير من ذلك ما يستجيده، وينتخب ما يريده. والله يعصمنا من الزّلل، ويهدينا إلى صالح القول والعمل».
قال إسماعيل مؤلف هذا الكتاب: فمما اخترت من كلامه الرائق ونظامه العذب الفائق؛ قوله يمدح رسول الله ﷺ، وهي القصيدة
التي ضربت في البلاغة بسهم، وحازت من الفصاحة أوفر سهم:
أرّقني بارق نجد إذ سرىيومض ما بين فرادى وثنى
أهّبتي إذ هبّ منه موهناما سدّ ما بين الثريّا والثّرى
شممت من أرجائه إذ شمتهريح صبا أطوع من ريح الكبا
فيا له من بارق ذكّرنيمن الهوى ما كنت عنه في غنى!
أثار شوقا كان مني كامنابين ضلوع طالما فيها ثوى
فكان قلبي المجتوى إذ هاجهكالزّند إذ أوراه مور فورى
وسحّ سحب مقلتي فما بقينوع من الدّمع بها إلا همى
ما كنت أدري قبل أن أنفدهأنّ البكا يمنعني من البكا!
وليلة سبحت في ظلمائهاإذ سحبت فضول أذيال الدّجا
ألفت فيها كل ما ألفيتهيوهي القوى إلا التّسلي والكرى
طالت وما أطلّ بازي صبحهاإلا باغيا ما لديها من جوى
قد وقفت نجومها في أفقهاوقفة حيران طويل المشتكى
جبت بها وحدي قفرا سبسباليس به إلا النّعام والمها
نائي الزّيازي والفلا، داني الصّفاخالي الفيافي والذّرى، خافي الصّوى
قطعتها ببازل ذي مرّةينوّع السير بأنواع المشى
فتارة يعمل فيها الهيدبىوتارة يعدو عليها الخيزلى
كأنّ رحلي إذ علوت ظهرهفوق متين المتن وجريّ القوى
من وحش مهمه بعيد غورهذي أكرع أصلب من صمّ الصّفا
يقذف بي من فدفد لفدفدوينتهي بي من فلا إلى فلا
حتّى إذا انتضى الصباح نصلهوقدّ جلباب الدّياجي فانفرى
كأنّه كتائب قد نشرتراياتها على الإكام والرّبى
أحسّت الشّهب بها فأجفلتوأمّت الغرب وجدّت في السّرى
إذا أنا ببقعة غيطانهاجرى بها سلسال نهر وانحنى
كأنّه معصم خود غادةعلى رداء قد وشاه من وشى
وظلّ روض راضه صوب الحيافاعتمّ من نور حلاه واكتسى
باكره وسميّه فانفتحتكمامه عن زهر طيّب الشّذا
وهزّ أيدي الرّيح منه قضباغنّى بها الطّير الأغنّ وشدا
أحسن به روضا نميما عرفهمعطّرا داني القطوف والجنى
قد نثرت شمس الغداة أيدعافيه وقد بلله قطر النّدى
وقفت طرفي بإزاء دوحهأسرح طرفي في مبانيه العلا
وأشتكي دهرا دهاني صرفهلمّا قضى بالبين فيما قد قضى
منازل كانت بنا أواهلانلنا بها حينا أساليب المنى
كم بتّ في أفنائها أجري إلىغاياتها بطرف جد ما كبا
وكم سحبت إذ صحبت غيدهابروضها ذيل السّرور والهنا
وكم مددت من سرادق علىضفّة نهر أرج رحب الذّرى
وكم سعدت إذ صعدت صهوةلمنزه منزّه عن الخنا
وكم هصرت فيه من غضن نقامن قدّ ظبي أهيف طاوي الحشا
وكم لثمت زهر ثغر أشنبمن شادن عذب الثنّايا واللّمى
وكم رشفت من رضاب سلسليفعل بالألباب أفعال الطّلا
أيّام أزهار المنى مونقةوالدّهر ذو وجه منير المجتلى
تزفّني من الأماني دائباعرائس ذوات حلي وحلى
أنى أرجّي لفؤادي سلوةمن بعد بعد المونقات المجتنى؟
يا ليت شعري والأماني خدّعهل يرجع الدّهر لنا ما قد مضى؟
وهل لنا من عودة لمعهدصبوت فيه جلّ أيّام الصّبا؟
إذ لا مشيب فوق فودي يرعوىمن شينه، ولا رقيب يختشى!
أيّام أنس أسرعت في خطوهاكذا اللّذاذات سريعات الخطا
يا قلب لا تجزع فأنت قلّبوأنت عندي ذو دهاء وحجا
فلا يهولنّك صرف الدّهر فيما قد جنى عليك من خطب النّوى
فكلّ وصل ينتهي لفرقةتفرى العرى منه وإن طال المدى
والدّهر في صروفه ذو عجبيدني بها كلّ جديد للبلى
يبكي إذا أضحك يوما أهلهويعقب الكرب إذا العيش صفا
كم ملك ذي نجدة في ملكهيضيق عن جنوده رحب الفضا
قد ملك الأرض وراض صعبهاوشيّد القصور فيها والبنى
أخنى عليه دهره وعاقهعن كلّ ما شيّده وما بنى
أين الألى شادوا وساسوا ملكهمكمثل ساسان وعاد وسبا
دارت على أدؤرهم دوائروجرّعوا كاس المنايا والرّدى!
وأين باني إرم وجيشه؟صاروا رميما تحت أطباق الثّرى!
وملك كسرى حين تمّ أيدهأوهته أحداث اللّيالي فوهى
ولم تقصّر عن ملوك قيصرحتّى أبادتهم وطاحوا في التّوى
ولم تدع من ملك غسّان فتىسامى المعالي في ذراها وسما
وكم ملوك قهروا بملكهمأسد الشّرى صاروا حديثا في الدّنى
هذي هي الدّنيا فلا يغررك ماتراه فيها من سرور وهنا!
فانفض يديك من عراها وارمهاوابرأ بها إن كنت من أهل النّهى!
وظنّ بالإخوان شرّا واخشهموصيّر الأحباب منهم كالعدا
وإن أردت خبرهم فاخبر فماخبر قوما أحد إلا قلا!
وسرّك اكتمه عن الخلق ولاتطلع عليه أحدا من الورى
واقنع-على عزّ-بما يكفي ولاتحرص فإنّ الحرص ذلّ للفتى
وساير الناس على أخلاقهموساعد المسعد واحمل من جفا
وصافهم وإن أساؤوا نيّةفإنّما لكلّ شخص ما نوى
كم من صديق مظهر لودّهلكن له قلب على الحقد انطوى
يشكر في وجهك إن لاقيتهوإن تغب يغتبك في كلّ ملا
يذيع ما يراه من قبح وإنرأى جميلا منك أخفى ما رأى
فاترك إخا من هذه سيرتهواهجره في الله ودعه والعمى
ولا تهابنّ ذوي الجهل وإنراقك منهم منتدى ومنتمى
كم من أناس كالأناسي منظرافهم إذا أشبه شيء بالدّمى
وكم رجال في الدّنى ليس لهممن العلا إلاّ الأسامي والكنى
يرون أنّ المجد والعلياء فيما ينتقى من أبّهات وكسا
ليس العلا والمجد إلاّ لامرىءرقا إلى أفق المعالي وارتقى
وصمّم العزم على ترك الهوىوجدّ في طلاب ما يجدي الثّنا
وانتعل الشّهب الدّراري رفعةوامتهد البدر المنير واعتلى
وما المعالي غير علم رائقيصيّر المرء على أعلى السّها
طوبى لمن برّز في ميدانهوابتدر السّبق لديه وجرى
وجدّ فيه وحماه جدّهحتّى ارتقى منه بأسنى مرتقى
ودان بالدّين القويم والعلاوازدان بالخلق الجميل والتّقى
لله قوم قارعوا أنفسهمعن الهوى إذ قرعوا باب الرّضا
عابوا نفيس الدّرّ والعقيان إذباعوا نفوسهم بأنفاس علا
وأنت يا نفس شغلت بالهوىحتّى هويت منه في قعر هوى!
فرّطت إذ أفرطت في اكتساب مايردي ولم أسلك سبيل من نجا
كم خضت في بحر المعاصي جامحالا أرعوي نصحا للحي من لحا
وكم تعبت إذا تبعت أملاقد انقضت لذّته وما انقضى!
واحسرتا قد مرّ عمري ضائعابين خزعبلات لهو وهوى
هلكت في الهلاّك لولا أنّنيذخرت ذخرا أرتجي به الهدى
وليس ذخري غير مدح أحمدسيّد أهل الأرض طرّا، وكفى
محمّد أسمى النّبيّين علاومن كأحمد النّبيّ المصطفى
أكرم مبعوث لخير أمّةفضّلها الله به على الورى
توراة موسى قد أتت ببعثهوصدّق الإنجيل ما فيها أتى
قد أكثرت في كتبها الأحبار منما أخبرت من فضله فيما مضى
وأشرقت بنوره الآفاق فيمولده، وشرقت منه اللها
فالملك كسرى قد تداعى صرحهوانقضّت الأرجاء منه وهوى
وفارس قد خمدت نيرانهاوألف عام سعرت فيها خلا
وغار نهر ساوة فساءهاما لقيت من ظمأ ومن صدى
وخرّت الأوثان يوم بعثهوظهر الذّلّ عليها وبدا
وانبعثت ثواقب الشّهب ترىمحرقة للجنّ في جوّ السّما
وكم له من آية بيّنهومعجزات مثل إشراق الضّحا
منهنّ نطق الذّيب في تصديقهوالعير أيضا والذّراع والرّشا
ومن عظيم المعجزات أنّهقد سبّحت في كفّه صمّ الحصا
والجذع إذ فارقه حنّ كماتحنّ ثكلى هاجها حرّ الجوى
والسّرح بالشّام لها أعجوبةإذ عفّرت أغصانها على الثّرى
والأيك إذ أمرتها فأقبلتوما بقي عرق بها إلاّ انفرى
وقلت عودي فكأنّ أصلهاما زال عن موضعه ولا نأى
والشاة إذ مسحتها عادت بهبعد الهزال ذات نحض يشتهى
فروّت الرّكب بشكر ضرعهاإذ سحّ منها الضرع ذرّا وانهمى
وفي انشقاق البدر أيّ آيةبانت وما كانت حديثا يفترى
وكم مشت من فوقه غمامةتقيه حرّ الشّمس حيثما مشى
وآية الغار مع الصّديق إذتواريا في جوفه عن العدا
قال له الصّديق كيف نختفيونحن فيه عرض لمن يرى؟
فقال: لا تحزن، فإنّ الله قدحجبنا عن كلّ ضر وأذى
فحاك فيه العنكبوت سادلاببابه في الحين سجفا قد ضفا
وسترت وجه النبيّ سرحةجاءت إلى الغار بأغصان علا
وحام في الحين الحمام حامياكأنّه مذ أزمن فيه ثوى
وليلة المعراج أجلى آيةإذ سار من مكّة ليلا وسرى
فاخترق السّبع الطّباق صاعداحتّى انتهى منها لأعلى منتهى
وائتمّ سكان السّماوات بهمن ملك ومن نبيّ مجتبى
سايره جبريل حتّى أشرفامعا على بحار نور وسنا
فقال جبريل تقدّم راشداهذا مقامي في السّماوات العلى
فاخترق الأنوار يمشي وحدهوالحجب تنجاب له حيث انتمى
وقامت الأملاك إجلالا لهأمامه يسعون حيثما سعى
ناداه في ذاك المقام ربّهيا صفوة الخلق ادن مني، فدنا
فكان منه قاب قوسين فماكذب إذ ذاك الفؤاد ما رأى
خلا به حتّى حباه آيةما زاغ فيها بصر ولا طغى
وكان هذا كلّه في ليلةلم يستلبها الصّبح أثواب الدّجا
وفي نزول الغيث عام المحل ماسرّ نفوس الخلق طرّا وجلا
إذ أمسك القطر عن الأرض ولمينل بها غيث ولا هبّت صبا!
حتّى دعا الله ليسقي أرضهفسحّت السّحب بهطّال الحيا
وبقيت سبعا تريق ريّقاراق به نور البطاح والرّبا
فأفرط الوبل على الخلق، فلميقلع ولا انجاب الحيا حتّى دعا
والصّاع اتّسعت به ألفا كماأرويت نصف الألف والألف معا
وعاد بعد شبع القوم كأنلم (ينتقص) منه طعام بل نما
وقصّة الزّوراء فيها عجبإذ روي الجيش جميعا من إنا
وضع فيه كفّه فانهلّ منأنملها ماء نمير وجرى
وكان جيشا من ثلاث مئةفكلّهم غرف منه وارتوى
وفي نزول الوحي أمر هال إذأعجز أرباب البيان والحجا
أنزل في عصر البيان فتليعلى الجميع في البوادي والقرى
طلبتهم في سورة من مثلهفكلّهم إذ ذاك للعجز انتمى
فقام منهم كاذب معارضهذى بعيّ غيّه وما هدى
جاء بقول هلهل مقبّحوفاه فيه بفرى لا ترتضى
تمجّه الآذان عند سمعهنظم ركيك النسج، إفك مفترى
كأنّه منطق ورها مسّهاخبل من الجنّ ففاهت بالهرا
وردّه عين قتادة كماكانت فعادت ذات حسن وبها
وكم أنالت كفّه من نعموكم أزالت من وبال وعنا
وكم له من غزوة ذلّت لهفيها رقاب المشركين والعدا
قاد بها من صحبه عساكراعزّ بهم دين الإله وسما
من كل شهم مكم بحزمهوممتط للعزم أسنى ممتطى
يسقي كؤوس الحتف في يوم الوغىكلّ عدوّ ضلّ فيها وغوى
بكلّ رمح نافذ بادي السّناوكل نصل باتر ماضي الشّبا
أسد لدى الهيجاء لكن مالهمغاب سوى ظلّ القتام والقنا
كم زاولوا الأوراد في ظلمائهموقاتلوا الأبطال يوم الملتقى
فهم إذا جنّ الظلام سجّدوبالنّهار مضرمو نار الوغى
ريع بهم فؤاد كلّ مشركمن كلّ شاك عاث كفرا وعثا
كم صدموا أقيال كلّ جحفلوكم أداروا بينهم كاس الرّدى
ومن يكن نصيره محمّدخير الورى تجم له أسد الشّرى
سل عنهم بدرا وسل أبطالهاما فعلوا إذ بلغ السّيل الزّبى
جاءت جيوش الشرك في عساكربسبق تعدو بهنّ الجمزى
قادوا خميسا غصّت الأرض بهمن كلّ ضرغام وليث قد سطا
فجاء جبريل بأملاك لهمخيل من الكدن سريعات الخطا
بعدد ذي كثرة وعددما حاك خلق نسجها ولا حكى
جند حمى الله به نبيّهأكرم بمحميّ به ومن حمى
وكان من آيات بدر أنّهرمى جيوشهم بكف من حصى
أصبت منهم أعينا فعميتوامتلأت حين رميت بالقذى
وما رميت إذ رميت أعينامنهم به، ولكن الله رمى
فكلّهم عقل عن حراكهوجاش ممّا قد دهاه وجثا
موضع حتف حان فيه حينهمورويت أقطاره من الدّما
فكم قتيل خرّ مبتور المعاوكم طريد فرّ مذعور الحشا
وكم أسير مثخن في قدّهإمّا إلى المنّ وإما للفدا
وغزوة الخندق فيها عجبإذ ابتلى الله بها من ابتلى
أقبل مشركو قريش كلّهموجيّشوا الأحزاب من كلّ ملا
حرّضهم بنو النّضير إذ بغواوغيرهم من اليهود والعدا
وصارخوا من غطفان عسكراعرمرما من [كل] جبّار عصى
راموا بجيش المسلمين نقمةإذ جيّشوا برومة؟، ونقما
أكثر من عشرة آلاف لهمفي معضلات الحرب مكر ودها
من قيس عيلان ومن نجد ومنتهامة وغيرهم ممّن طغا
هنالك ابتلي كلّ مؤمنوزلزلوا لما دهاهم ما دها
فأرسل الله على عدوّهمريحا أراحت منهم كلّ عنا
وأنزلت عليهم ملائكمن السّماء بجنود لا ترى
لمّا رأوا أن البلاء عمهموفرّقوا، تفرّقوا أيدي سبا
جلاهم دون قتال ربّناإذ كفّ عنه المؤمنين وكفى
وانقرضت قريظة بالقتل إذخانوا وخالوا أنّهم ذو ونهى!
ما بين سبعمئة ونيّفقد ضربت بالسّيف منهم الطّلى
لم يقهم من المنايا والرّدىما شيّدوه من حصون وبنى
فما حيي حييّ بن أخطببما جنى عمدا ولا كعب نجا!
راحت غداة غودروا رهن التّوىأرواحهم من الدّنى إلى لظى!
وقد فشت أخبار أرض خيبرإذ خربت بما أتاها من توى
حلّ بهم جيش النّبيّ غدوةوعمّهم من جأشه خطب دهى
فاستفتحوا حصونهم، واستأصلواأعيانهم بالمرهفات والقنا
وفي علي إذ أراد بعثه[لخيبر] معجزة لمن يرى
كان بعينيه أذى من رمدفتفل النّبيّ فيها فبرا
وسار في الحين إليهم ناشرارايته يجوب بالجيش الفلا
قلع باب خيبر فما عصىراحته كأنّه فيها عصا
أقامه عن ترسه فلم يزلبيده حتى جرى ما قد رجا
فاستفتح الحصن الحصين واعتلىبه على الأديان دين المجتبى
وحين تمّ المصطفى افتتاحهلخيبر سار إلى وادي القرى
حاصرهم لياليا وآب منغزوته تلك بعلق مقتنى
وفي افتتاح مكّة عز غدامذلّ كلّ كافر فيها عدا
إذ جاءها يزحف في عساكرضاق بها رحب الأراضي والفلا
كتائب كأنها كواكبوهو بها كأنّه بدر الدّجى
ملأتها خيلا ورجلا منهمبين جبال وبطاح وربى
جبت بهم ظلماء نقع ما لهاثواقب إلا أسنّة القنا
عشرة آلاف كرام ألّفتقلوبهم طرّا على سبل الهدى
قبائل علت على قبائلمن كلّ شهم في الحروب متّقى
وكلّ ضرغام بصير بالوغىقد سلّ نصل العزم فيها وانتضى
أقبلت في كتيبة خضراء قدحفّ بها التأييد من ربّ العلا
عنّت بها ركائب كأنّهامراكب في لجّ قمقام طما
وأنت يا خير الورى تقدمهاكأنّما أنت بها شمس الضّحا
أتيت في جند الإله رافلافي ثوب تأييد ونصر قد صفا
والخيل من خلفك تختال بهاوالعيس تنثال ثناء وثنى
قد انطويت من تواضع علىرحلك لمّا أن وصلت ذا طوى
خشعت من تحت لواء العزّ إذعلا بك الدّين كمالا وسما
فاهتزّت الأرض به من فرحوزهو إذ حلّ بها عيش حلا
عزّ نبيّ عقد الله لهلواءه فوق السّماوات العلا
وحين حطّ رحله ببكّةكبا بها كل عدو وبكى
لم يبق إذ ذاك بها من مشركإلا اختفى خوفا بها، أو انجلى
فما أفادت «ابن حرب» حربهحتى أتاه صاغرا فيمن أتى
ولا حمى فيها «حماسا» حزمهحتى نجا منهزما فيمن نجا
فكان من فضل النّبيّ المجتبىيومئذ أن كفّ عنهم وعفا
وطاف بالبيت العتيق شاكرالله ما أعطاه فضلا وحبا
ومرّ بالأصنام إذ طاف بهيشير نحوها فخرّت للثّرى
فبعضها خرّ على الوجه لماأصابه، وبعضها على القفا!
فأصبح الدّين القويم قيّماسما على الأديان طرّا وعلا
وعاد برق الشّرك برقا خلّبا-من بعد ما أومض حينا-وخبا
وفي حنين حان حين حارثوملك مالك بن عوف قد عفا!
دارت عليهم إذ أتوا دوائروأسلموا «دريدهم» إلى الرّدى
لما أتاهم ما حبا الله بهنبيّه من الفتوح والغنى
غاظهم فجمعوا من حينهمعساكرا ممّن تولّى وغوى
وجمعت «هوازن» قبائلاممن زها عقلا بها حتى هوى
جاؤوا بأطفال وأموال لهممن ذي بكاء ويعار ورغا!
فخرج النبيّ في عساكرمن كلّ صنديد كريم المنتمى
عساكر تتبعها عساكركلّ له عزم إذا الخطب عرا
لما تراءى العسكران أقبلتجيوش أهل الشّرك تعدو الخيزلى
ففرّ جيش المسلمين هاربافما ثنى عنانه منهم فتى!
فأنزل الله على نبيّهسكينة شام بها برق المنى
فقام في الجيش لهم منادياأنا محمّد النبيّ المصطفى
ثم دعا العبّاس جهرا فانثنىإليه أنصار النبيّ إذ دعا
فاجتمعت عليه نحو مئةممّن به في المعضلات يهتدى
وأيّدوا بعسكر عرمرمأنزله الله من املاك السّما
فانهزمت جيوش أهل الشّرك إذحمى جيوش المسلمين من حمى
فخذلوا طعنا وضربا إذ جثوابين عوامل الرّماح والظّبا
نصر إلهي قضى الله بهمن قبل خلق الخلق فيما قد مضى
نبيّ صدق صادق في زهدهما فوقه لمعتل من معتلى
عنت له شمّ الجبال ذهباطوع يديه من دنا ومن قصى
وراودته برهة عن نفسهفما اشرأبّ نحوها ولا رنا
كم وقف الليل الطويل قانتالم يغتمض بسنة ولا كرى
حتّى اشتكت رجلاه ما قد نالهاوشفّها من ورم ومن (مأى)؟
فأنزلت (طه) له تكرمةوزال عنه ما اعتراه من شقا؟
وكم طوى إنابة لربّهعلى الحجار كشحه من الطّوى
لولاه ما كانت سماوات ولاأضاء نجم من دراريها العلا
هو الحبيب الآمر النّاهي الذيليس يضاهيه نبيّ مجتبى
هو الشّفيع في المعاد للورىمنقذنا في الحشر من نار لظى
هو المرجّى للخطوب كاشفاومن سواه للخطوب يرتجى؟
هو الذي من أمّه مستشفعامستمسكا بحبله فقد نجا
هو الذي فاق النّبيين معافي خلقه وخلقه منذ بدا
فكلّهم مسلّم لفضلهوالعلم والحلم جميعا والندى
وكلّهم من بحره مغترفمعترف بأنه خير الورى
وكلّهم دون علاه واقففي حدّه ملتمس منه الرّضا
وكل ما جاؤوا به من آيةفأصله من النّبي المصطفى
فانسب له ما شئته من شرفواثن بما شئت عليه من ثنا
فلا ترى تبلغ منه غايةوكيف يحصي أحد عدّ الحصا!؟
وما عسى تثني عليه مادحاوحامدا لفعله وما عسى؟
وربّه في محكم القرآن قدأثنى عليه وحباه بالهدى
يا أيّها المبعوث فينا رحمةأنقذنا الله بها من الرّدى
خدمتكم بمدحتي هذي وإنكنت من الإحسان نائي المنتأى
أقصرت إذ كنت بها مقصراأو لم أجئ فيها بمعنى منتقى
لكنّني طرّزتها من مدحكمبحلل ذات بهاء وحلا
مقصورة، لكنّها مقصورةعلى امتداح المصطفى خير الورى
ما شبتها بمدح خلق غيرهلرتبة أحظى بها ولا جزا
فاقت علاء كلّ ذي مقصورةوإن هم نالوا الأيادي واللها
فحازم قد عدّ غير حازموابن دريد لم يفده ما درى
فإن أكن ملقى الغنى من غيرهفلن يفوت مملقا منه الغنى
وإنّما قصدي أن أحظى بمايبقى من الذّكر الجميل والتّقى
وأستجير من ذنوب أثقلتظهري وأوهى ثقلها منه القوى
وأقعدتني مقعدا قد غضّنيكأنّني منه على جمر الغضا
يا أكرم الخلق علاه وندايا سيّد الرّسل الكريم المنتمى
يا صاحب الحوض الذي من أمّهيظفر بورد لم تكدّره الدّلا
باع المعالي واشترى غيّ الهوىيا نعم ما باع وبئس ما اشترى!
فكم أضاع في الدّنا سبل الهدىوكم أطاع في الهوى غيّ الصّبا
فكن شفيعي يوم لا يغني امرءاما ضمّ من مال الدّنا وما حوى
يا ربّ بالمختار من أرومةقصّر عنها كلّ أصل قد زكا
ومن له كلّ فخار انتمىومن به كلّ نبي اقتدى
خذ بيدي وامنن بلطف منك فيديني ودنياي وجد لي بالرّضا
واغفر بعفو منك ما اجترمتهواصفح عن الزلاّت يا ربّ العلا
واجل صدا قلبي وهب لي توبةأمحو بها آثام قلب قد قسا
فلست ألفى لسواك راجياومن سواك يا إلهي يرتجى؟
وارحم محمّدا وآل بيتهوصحبه الغرّ الكرام المنتمى
صلّ صلاة منك تترى أبداعليه ما هبّت على الرّوض الصّبا
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٣٩٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع