من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن» لإسماعيل ابن الأحمر (ت ٨٠٧هـ)
حاله-﵀ (٢٠)
-:
كان حسن المشاركة في العربية، حافظا للطريقتين التاريخية والأدبية.
حسن المخايل، لطيف الشمايل. مع ذكاء لا يوجد في سواه، وكلام أحلى من الشهد في الأفواه. ونظم كالقلائد، في أجياد الخرائد: ونثر بارع مستعذب، أرق من مرّ النسيم وأطيب، بل هو أحلى من الشهد وأعجب!.
أنشدني لنفسه في الفخر والتعريض لبعض أهل العصر:
من المشيب على فوديه يشتعلفكيف باللهو في دنياه يشتغل؟!
وكيف يحرص في طول المقام بهامن كان يعلم أن لا بدّ يرتحل
صحّ الذّي خرّج الشيخان من نبأعن النّبيّ وما في قوله خطل
إن الفتى إن يشب مسودّ مفرقهتشبّ منه اثنتان: الحرص والأمل
إنّي لأعجب ممنّ ساءه عمروسرّه أنّ أمر النفس ممتثل
لكنّ أعجب منه مبتغي رتبولا لديه بها علم ولا عمل!
شتّان ما بين من رقّاه محتدهوخامل كسل أودى به الكسل
قل للمناوي بإفك المين من حسدأيستوي الكحل في العينين والكحل؟!
نحن الألى فرعوا للمجد ذروتهوفي ظلال تلاع العزّ قد نزلوا
إن كان ذو نهل للعلم أو عللفعن أبي كان ذاك النّهل والعلل
لم نتّكل في ارتفاع الصيّت قطّ علىإشادة الصّوت من زيد-كما اتكّلوا-
ولم نبع أجر تعليم القرآن بمايفنى من السّوم في الدّنيا-كما فعلوا-
يقرّ بالفضل إنصافا لصاحبهويسبق السّيف في أعدائنا العذل
وليس ظهري لباغي الضّيم محتملاكما سوانا إليه-الدّهر-يحتمل
لا نبتغي غير هذا في الدّنى صفةقفوا لشنشنة دانت بها الأول
ما طلب أصل له فالفرع يتبعهوليس عن طبعها الأشياء تنتقل
لو أسقيت بمجاج النّحل حنظلةلم يعذب الطّعم منها ذلك العسل
بسيبويه نسينا كلّ فائدةفي صنعة النّحو لا «الكرّاس» و «الجمل»
وفي مسائل «إيضاح» لنا وضحتمن التّصرّف شمس بيتها الحمل
وعندي «حرز الأماني» شاهد فطنإذ أحرزت بحمانا تلكم السّبل
وكم لنا في «عروض الشعر» من نكتيدري بذلك عنا «الزّحف» و «العلل»
«بالشعر» نفعل إن نشرع أسنّتهما ليس تفعله الخطّية الذّبل
إن كنت تجهل هذا فلتعد نظراما العالمون كمن للشّيء قد جهلوا!
وطلب منه صاحبنا الفقيه أبو العلى إدريس بن أبي زيد التونسي أن يصنع (غداء) لكسكسو
(فصنعه) له، وأحضره بين يديه في منزله و (طلب؟) منه أن يحضر معهم صاحبنا الفقيه أبو عبد الله الماجري المغيلي. فبعث شيخنا منديل إليه [ببطاقة دعوة فيها]:
فإنّ عندي أبا العلى ولهإرادة أن يراك في الوقت
قد جعلت القرى لمقدمهالكسكسو بالقديد واللّفت
لو جئت) مستعجلا لتجمع منحضورنا مطلبين في سمت
سمعك للحين من قصائدناوالأكل أكل (الحضور؟) للسحت!
فأتى أبو عبد الله الماجري-أكرمه الله تعالى-وقد نظم أبياتا للجواب أسرع من طرفة العين، والتزم فيها التجنيس بين كل قافيتين، فقال:
يا من بآدابه البديعة قدأخمل ذكر البديع والبستي
وسيّدا من يشم شمائلهيقل فرى (؟) ذا الجمال والبست
لبّيك يا من دعا أحبّتهل «كسكسو» بالقديد واللّفت
قد كنت عقلي ب «كسكسو» وأناألفت من نهمتي أخو لفت
وقد قلى ذكر القديد فإنحمّ لقاه فغاية البخت
وكدت لمّا سمعت ذا فرحاأطير؟) يا سيّدي من البخت
فليهننا عندكم تألفّنامؤمّنا من غوائل الشّت
نقطف من دوحة المنى ثمراأحلى وأغلى من الحلى السّت!
قوله «قد كست عقلي» أي رفعته، من قولهم «كاس الفرس» إذا رفع إحدى قوائمه.. .. وقوله: «أخو لفت» من قولهم لفثّ فلانا ألفته إذا (لويته وصرفته).
وأنشدني لنفسه (في؟) منديل بن زنبق:
... فاعمل على... فإنك ميتحين ابتليت بخطة «العقار»
وكان العقار المذكور قدم صاحب الصلاة، فعاجلته قبل تمام الشهر الوفاة. وقدم ابن زمور بعده، ثم عزل قبل أن يأخذ للأمر عدة.
ولما عزل ابن زمور، ورجع بعده منديل بن زنبق قال فيه صاحبنا الفقيه أبو العلى إدريس ابن أبي زيد التونسي:
إن ابن زنبق جار في أحكامهوسطا (على) الفقراء والضعفاء
فالله ينزع عنه ستر مصانهنزع الدّنانر من يد السّفهاء
فرميت) سهمي في صميم فؤادهوالحتف يصحب أسهم الشعراء
فعزل بعد أيام قلائل.
وطلبت من شيخنا منديل هذا أن يبعث لي بشعر أبي بحر صفوان بن إدريس في رثاء الحسين بن علي-﵄ وأرسلت له في ذلك أبياتا من قولي، وهي:
أيّها الأستاذ يا منهو قوت للقلوب
والسّريّ النّدب ذو الــمجد وذو الفضل الرّحيب
ابعثن لي بقريضلأبي بحر الأديب
في رثا المولى حسينذي العلى الأزكى الحسيب
دمت (في كل) جديدآمنا (ضر) الكروب
فجاوبني بقوله (...):
شعر صفوان بن إدريــس أخي (الفهم؟) العجيب
يندب المولى حسينابنحيب ووجيب
سلم الله عليهفي شروق وغروب
فجزى) الرّحمن خيرامن رثاه من أديب!
وأنشدني لنفسه يعزي الفقيه القاضي الخطيب الرئيس الكاتب صاحب القلم الأعلى أبا القاسم محمد بن الفقيه الصالح أبي زكريا يحيى الغساني البرجي الأندلسي في بنت توفيت:
تأسّ أبا القاسم في الذيأصبت به من ممات البنات
بقول النّبي ﵇دفن البنات من المكرمات
فذيل عليها صاحبنا الفقيه الكاتب أبو عبد الله محمد بن حزب الله الطائي الوادي آشي بيتا لأجل التجنيس، وكان كثيرا ما يعني به، فقال:
وقد كنت تخشى بها المكر منغوائل صهر، فها المكر مات!
وهذا المعنى نظير قول أبي القاسم السّجزي من شعراء اليتيمة.
يا ماكرا بي وبخلانيهمهلا فما المكر من المكر مات
عليك بالصحّة فهي التيتحيا فتحييك إذا المكر مات!
وأنشدني لنفسه يمدح أمير المؤمنين (المتوكل على الله) أبا عنان المريني ملك المغرب-رحمه الله تعالى- (...) ومنها:
*ألا لله هاتيك الليالي
كأن الشمع سهم من نضاريقدّ الدّجن أو عصب يمان
كأن ذبالها لسن الأفاعيإذا نضنضن أو قلب الجبان
كأن القطر منها دمع ثكلىتواتر، أو نثار من جمان
كأنّ الزّهر زهر غبّ قطرتبسّم ثغره بالأقحوان
كأنّ الشّمس مشرقة محيّاأمير المؤمنين أبي عنان!
وأخبرني أنه اجتمع مع بعض أصحابه ليلة إعراس عند بعض إخوانه، فاستبطأهم الطعام فقال:
يا معرسا عرس الجمال بخدّهروضا بهار (رائع) وشقيق
بادر-فديتك-للذين دعوتهمبالمرجفين: الطّست والإبريق!
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٣٩٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع