تجاوز إلى المحتوى

من «أسماء المغتالين من الأشراف» لمحمد بن حبيب (ت ٢٤٥هـ)

زيادة بن زيد بن مالك وهدية بن خشرم بن كرز بن جحش العذريّان

وكان سبب قتلهما أنهما أقبلا من الشام في ناس من قومهما، فقالوا: من يسوق بنا؟ فقال زيادة: أنا أسوق بكم. فنزل فساق بهم ساعة، ثم ارتجز فقال - وعرض بأخت هدية -:

عوجي علينا واربعى فاطماما دون أن يرى البعير قائماً
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة
فعوجتْ مطرداً عراهمارسلاً يبذُّ القلصَ الرواسما

في شعر طويل.

فغضب هدبة ونزل وساق بهم، وعرض بأخت زيادة، فقال في رجز له طويل:

بالله لا يشفى الفؤاد الهائماتمساكك اللّبّات والمآكما
ولا اللَّمامُ دونَ أن تفاغماولا الفغام دون أن تفاقما

وتعلو القوائمُ القوائما

فغضب زيادة فارتجز بأخت هدبة فقال:

أنعت آياتٍ لكيما تعلميبالخال بالكشح اللّطيف الأهضم
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة
والشّامة السوداءِ بالمخدَّمأتذكرين ليلةً بإضمِ
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة

وليلةً أخرى بخبت العلم

فلما سمع هدبة هذه الأبيات أتى أخته فشهر عليها السّيف، وقال: من أين علم هذه العلامات التي وصفك بها؟ فقالت: ويحك، إن النساء أخبرنه عني! فكفَّ عنها.

وقال هدبة يرجز بأخت زيادة:

عوجى علينا واربعى يا طارفاًما دون أن يرى البعيرُ واقفاً
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
ما اهتجتُ حتى هتكوا الخوالفاغدوا وردوا جلةً مقاذفا
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
ألا ترين الأعينَ الذوارفاحذارَ دارٍ منكِ أن تساعفا
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

فغضب زيادة، وكان بين القوم سباب وشبيه بالقتال، فحجز بينهم حتّى إذا

رجعوا إلى أهليهم تهاجيا وتفاخرا بأشعار كثيرة، وإن هدبة قال:

ناطوا إلى قمر السماء أنوفهموعن التراب خدودهم لا ترفع
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
ولدت أميمة أعبدا فغدت بهمثجلا إذا مشت القوائم تظلع
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
ابني أميمة إن طالع لؤمكملونٌ إذا وضح المراسن أسفع
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

قال: فغضب زيادة وأصحابه، فجاءوا إلى منزل هدبة ليلاً فأخذوه وأباه، فشجوا أباه عشراً، ووقفوا هدبة، فقال زيادة:

شججنا خشرماً في الرأس عشراًووقفنا هديبة إذ هجانا
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة

فقال هدبة:

إن الدهر مؤتنفٌ طويلوشرُّ الخيل أقصرها عنانا
وشرُّ القوم كلّ فتى إذا مامرته الحربُ بعد العصب لانا

فمكث هدبة ما شاء الله، حتى إذا برئ جمع لهم، فخرج إليهم بأصحابه فوجدوا زيادة ورفيعا وأدرع، ولم يجدوا من رجال الحي غيرهم، فهرب رفيع وأدرع لما رأيا ما جمع القوم، وأخذوا زيادة فجدعوه بسيوفهم حتى إذا ظنوا أنهم قد قتلوه انصرفوا.

وقد كان زيادة ذبَّ عن نفسه بالسيف فأصاب هدبة فجدع أنفه، فلما خلفوا الحي وأشرفوا على الثّنيّة وجد هدبة شفيف الريح في أنفه، فذهب ينظر فإذا أنفه قد جدع، فقال لأصحابه: انتظروا حتّى آنيكم، فو اللّه لا أعيش أبداً ورجلٌ قد جدع أنفي! فرجع إلى زيادة وهو يقول:

أحوسُ في الحيِّ وبالرمحِ خطلْما أحسن الموتَ إذا الموت نزل
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
قد علمت أنّى إلى الهيجا عجلإنّى امرؤ لا أقرب الضيَّم بغل
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

فقتله وأدرك أصحابه.

ثم إن هدبة أخذ أهله فجعل يؤامر نفسه: إما يأتي القوم فيضع يده في أيديهم أو في يد السلطان. فأقبل حتى وضع يده في يد سعيد بن العاص - وهو عامل معاوية على المدينة - فأطلق من كان سجنه بسببه وسجنه هو، فقال في السجن أشعاراً كثيرة.

ثم عزل سعيد وولى مروان بن الحكم مكانه.

وإن بني عمه قالوا: لو زوجناه لعل الله أن يبقى منه خلفاً! فزوجوه وأدخلوا عليه امرأته في السجن، فلما رأت ما هو فيه هالها، فراودها فأبت عليه.

ثم رد سعيد إلى المدينة فبلغه أن امرأة هدبة أبت عليه، فأمرها أن تطيعه، فوقع عليها فحملت فولدت غلاما سمته هدبة. ثم إن أصحاب هدبة أعطوا به عشر ديات، وأعطاهم سعيد بن العاص - وكان يومئذ على المدينة - مائة ألف درهم، فأبوا. وكان سعيد لا يألو ما ردّهم، وأنه سألهم: هل لزيادة ولىّ سوى

أخته؟ فقيل: له ابن صغير لم يدرك. قال: فليس لنا أن نقتله حتى يدرك الغلام.

فحبس هدبة حتى أدرك الغلام، فلما أدرك جاءت به أمه تطلب قتل هدبة، فدفع إليها وأعطى الغلام ديات كثيرة فطمع، فقالت له أمه: والله لئن فعلت لأتزوجن رجلاً أهب له نصيبي من الديات ثم يقاسمكها، فجسر على قتل هدبة، فأخرج من السجن فأدخل على سعيد، وهو في جنبذة له مشرفة، ودخل معه الأخزر عبد الرحمن [بن] زيد أخو زيادة، فقال له سعيد:

يا أخزر، قد أعطاك أمير المؤمنين معاوية مائة ألف، وعبد الله بن جعفر مائة ألف، والحسن والحسين مائة ألف، وأنا أعطيك مائة ناقة سود الحدق ليس فيها جداء، ولا خداء، ولا ذات داء. فقال عبد الرحمن: أصلح الله الأمير، والله لو وهبت لي جنبذتك هذه ثم سكبت فيها الذهب حتى يخرج من ثقبها ما كنت لأختاره على هذا الخلسى الأسود عبدك، فقال له هدبة: يا أخيزر أو بالموت تخوفني؟ والله لا أبالي أسقط على أم سقطت عليه، فاصنع ما أنت صانع! ثم رد إلى السجن.

وخرج عبد الرحمن فأتى بكتاب معاوية: «أن يدفع هدبة إلى أولياء زيادة».

فقال سعيد: يوم الجمعة أدفعه إليكم. فلما كان يوم الجمعة بعث إليه سعيد

بلوزينه وخبزة. فلما انصرف من الصلاة دفعه إليهم، فخرجوا به يسوقونه فمر بقوم جلوس تحت حائط فقال: يا هؤلاء قوموا فإن هذا الحائط واقع عليكم.

فقالوا: ما رأينا مثل هذا يساق إلى الموت ويحذر الحائط. فلم يكن إلا قليلاً حتى سقط الحائط.

ومر على بناء يبنى حائطاً فقال: ويحك عوجت حائطك!

وكان أبواه وامرأته يمشيان على أثره، فنادته امرأته: يا هدبة يا هدبة! فالتفت، فقطعت قرناً من قرون شعرها، ثم نادته ثانية فالتفت فقطعت قرناً.

فناشدوه الله أن لا يلتفت إليها. ثم التفت إلى أبويه وهما يبكيان فقال:

أبلياني اليوم صبراً منكماإن حزناً منكما عاجلُ ضرّ
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
لا أرى ذا الموت إلا هيناًأنَّ بعد الموت دارَ المستقرّّ
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
اصبرا اليومَ فإني صابرٌكلُّ حيٍّ لفناءٍ وقدر
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

ثم قال لامرأته:

أقلّى علىّ اللّوم يا أمَّ بوزعاولا تجزعي مما أصابَ فأوجعا
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
وعيشى حبيسا أو تفتَّىْ بماجدٍإذا القومُ هشوا للسماح تبرعا
ولا تنكحي إن فرق الدهرُ بينناأغمَّ القفا والوجه ليس بأنزعا
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
كليلا سوى ما كان من حدِّ ضرسهِعلى الزاد مبطانَ الضُّحى غير أروَعا

فلما قدم ليقتل قال:

إن تقتلوني في الحديد فإنيقتلت أخاكم مطلقا لم يقيّد

فحلّوا قيوده، فقال: دعوني أصلي ركعتين، فصلى ثم التفت إلى عبد الرحمن أخي زيادة فقال: قم يا أخزر إلى جزورك فانحرها. فقال عبد الرحمن: بل يقوم إليك من قتلت أباه ظالماً متعدياً عليه [إن] قبل ذلك منك. قم يا مسور.

فقام إليه غلام حين احتلم، وأمسك بعضهم بيده فضربه، فتعلق رأسه بجلدة من حلقه، فقال له عمه: يا ابن أخي أجهز عليه، إياك [أنْ] تدع لهم فضلة!

وإن امرأة هدبة أتت جزاراً فأخذت مدية فجدعت أنفها وجاءته مجدوعة ليعلم أنها لا أربَ لها في الرجال بعد الجدع.

وذكروا أن هدبة قال: علامة ما بيني وبينكم إن جزعت فإني إذا قطعت رأسي مددت رجلي وقبضتها. وإن أنا بقيت ممدود الرجلين فإني لم أجزع.

فلما سقط رأسه بقي باسطا رجليه.

ومنهم:

النص من طبعة مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر (١٣٩٣هـ)، ضمن «نوادر المخطوطات» بتحقيق عبد السلام هارون، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وممن قتل غيلة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.