من «القوافي» لأبي يعلى التنوخي (ت ٤٥٠هـ)
السناد
وأصله الاختلاف. يقال: خرج القسوم متساندين. أي: لم يتبعوا رئيساً واحداً. ويقال: إن قريشاً خرجوا يوم الفجار متساندين. وقد ذكرت العرب السناد. وقال ذو الرمة:
وَشِعْرٍ قَدْ سَهِرْتُ لَه كَرِيمأُجَبِّبُهُ المُسَانَدَ والْمَحَالا
وقال جرير بن عطية:
فلا إِقواء إذْ مَرِسَ القَوافِيبِأَفْوَاهِ الرِّوِاةِ وَلا سنَادا
وقال عدي بن زيد بن الرقاع العاملي:
وقَصِيدَةِ قَدْ بِتُّ أُجْمَعُ شَمْلَهَاحَتَّى أُفَوِّمَ مَيلَهَا وَسِنادهَا
وقال أبو حزام العكلي:
قَوَافٍ عَلَى الهَاءِ سَحْجِيَّةبِغَيرِ السِّنَادِ ولا المَكْفُوءَةَ
والسناد على ضروب، جميعها قبل الروي، فمن ذلك ما ليس بمكروه، وهو تعاقب الواو المضموم ما قبلها والياء المكسور ما قبلها في ردف القصيدة الواحدة، وذلك مجمع على استعماله، ولا يحاط بكثرته.
ومنه ما هو مكروه، وذلك ينقسم أقساماً.
فمنه ما هو في التأسيس، كقول العجاج:
يا دارَ سَلْمى يا لسلمى ثُمَّ اسْلَمىبِسَمْسَمٍ أَو عَنْ يَمينٍ سَمْسَمِ
ثم قال:
فَخِنْدِفٌ هَامَةُ هَذا العَالَمِ
وكان رؤبة يعيب ذلك على أبيه، وقيل كأن الهمزة من لغة العجاج. فإن صح ذلك، فإن الهمزة في العالم يخرجه من السناد. وكذلك الكلام في قوله فيها:
مُكَرَّمٌ للأنبياء خَاتِمُ
إما أن يهمز فلا يكون سناداً، أو بترك الهمزة فيكونه، والهمزة بتأتي في خاتم إذا فتحت التاء، فإن كسرت فلا يهمز؛ لأنه يصير فاعلاً من الختم.
ومن السناد اختلاف حركات الدخيل كقول ورقاء بن زهير:
دَعَاني زُهَيْرٌ تُحْتَ كَلْكَلِ خَالِدٍفَأقْبَلْتُ أسعَى كالعَجُولِ أُبَادِرُ
فَشُلَّتْ يَمِيني يَوْمَ أَضْرِبُ خَالِداًوَيَمْنعُهُ مَنِّي الحَدِيدُ المُظَاهَرُ
ففتح الهاء مع كسر الدال. ولو كانت مع الكسرة ضمة لكان أقل من العيب.
ومن السناد أن يجئ حذو مفتوح وحذو غير مفتوح. نحو قوله:
عَبْدُ شَمْسِ أَبِي كُنْتِ غَضْبَىفَامْلَئِي وَجْهَكِ المَليحَ خُمُوشَا
نَحنُ كُنَّا سُكَّانَهَا مِنْ قُرَيشوَبِنَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا
وقال عبيد بن الأبرص:
فَإنْ يَكُ فَاتَني وَمَضى شَبَابِيوَأصْبَحَ عَارِضِي مِثْلَ اللُّجَينِ
فَقَدْ أَلِجُ الخِبَاءَ عَلَى عَذَارىكأنَّ عُيُونَهُنَّ عُيُونُ عِينِ
ومن السناد أن يجئ ردف مضموله ما قبله مع غير ردف، كقوله:
إذا كُنْتَ فِي حَاجَةٍ مُرْسِلاًفَأرْسِلْ لَبِيباً وَلاَ تُوصِه
وَإنْ بَابُ أَمْرٍ عَلَيْكَ الْتَوَىفَشَاوِرْ حَكِيماً وَلاَ تَعْصِهِ
قالوا وفي توصه ردف محض وفي الناس من يهمز الواو وإذا انضم ما قبلها فعلى ذلك لا يكون سناداً.
ومن السناد ورد ياء مشددة مفتوح ما قبلها مع ياء مشددة مكسور ما قبلها. كقول عمرو بن الأطنابة:
أبْلِغِ الحَارِثَ بْنَ ظَالِمٍ الرّعديد وَالنَّاذِرَ النُّذُورَ عَلَيَّا
إِنَّمَا يُقْتَلُ النِّيَامُ ولا يُقْتَل مَنْ كانَ ذَا سِلاحٍ كَمِيَّا
وذلك بمنزلة قول الشاعر:
فَبَايعَ أمْرَهُمْ وَعَصى قَصيِراًيَكادُ يَقُولُ لَوْ نَفَعَ اليَقِينَا
وَقَدَّمَتِ الأَدِيمَ لِراهِشَيهِوَأَلْفَى قَوْلَها كَذِباً وَمَينا
وبمنزلة ما تقدم لعبد بن الأبرص.
ومن السناد اختلاف التوجيه في الشعر المقيد، وهو أن يجئ ما قبله الروي تارة مضموماً وتارة مفتوحاً وتارة مكسوراً، وبعضهم لا يرى ذلك سناداً.
فأما الشعر المطلق، فاختلاف ذلك ليس فيه بعيب.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٩٧٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع