من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر شىء مما وصفت به الآلات
الموضوعة لمعرفة الأوقات قد وضع أهل هذا الفنّ لمعرفة درجات الليل وساعات النهار آلات، يستدلّون بها على معرفة ما مضى من ذلك وما بقى، ولتحرير المواقيت: كالاصطرلاب، والطّرجهارة والبنكام.
ووصف الشعراء والفضلاء ذلك بأوصاف، نذكر منها إن شاء الله تعالى ما نقف عليه.
فأما الاصطرلاب وما قيل فيه.
فقال أبو طالب، عبد السلام المأمونى:
وشبيه بالشّمس يسترق الأنوار من نور جرمها فى خفاء
فتراه أدرى وأعلم منها،وهو فى الأرض، بالذى فى السّماء
وقال أيضا:
وعالم بالغيب من غير ماسمع، ولا قلب، ولا ناظر! يقابل الشمس فيأتى بما
ضمّنها من خبر حاضر.كأنها ناجته لمّا بدا
لعينها بالفكر والخاطر.وألهمته علم ما يحتوى
عليه صدر الفلك الدّائر.
وقال أبو إسحاق الصابى، وقد أهداه فى مهرجان إلى مخدومه:
أهدى إليك بنو الآمال واجتهدوافى مهرجان جديد أنت تبليه
لكنّ عبدك إبراهيم، حين رأىسمّو قدرك عن شىء يساميه
لم يرض بالأرض يهديها إليك فقدأهدى لك الفلك الأعلى بما فيه!
وقال أبو الصلت أميّة بن عبد العزيز:
أفضل ما استصحب النبيل فلايعدل به فى المقام والسّفر،
جرم إذا ما التمست قيمتهجلّ عن التّبر وهو من صفر
مختصر وهو إذ تفتّشهعن ملح العلم غير مختصر
ذو مقلة تستنير ما رمقتعن صائب اللحظ صادق النّظر
تحمله وهو حامل فلكالو لم يدر بالبنان لم يدر
مسكنه الأرض وهو ينبئناعن جلّ ما فى السماء من خبر
أبدعه ربّ فكرة بعدتفى اللّطف عن أن تقاس بالفكر
فاستوجب الشّكر والثناء بهمن كلّ ذى فطنة من البشر
فهو لذى اللّبّ شاهد عجبعلى اختلاف العقول والفطر
وكتب أبو الفرج الببغاء يصف اصطرلابا أهداه فقال:
آثرتك- أيدك الله- ببرهان الحكمة ونسبها، ومدار الفلسفة وقطبها؛ ومرشد الفكر ومناره، وميزان الحسن ومعياره؛ ونافى الشك ومزيله، وشاهد الأثير ودليله؛ مصوّر الحكمة وممثّلها، ومقسم البروج ومعدّلها؛ وموقف النجوم ومسيّرها، وجامع الأقاليم ومدبّرها؛ مرآة الحبك، وصورة الفلك؛ وأمين الكواكب، وحدّ المشارق والمغارب؛ مما اخترعت العقول تسطيحه، وأتقن الحسّاب تصحيحه؛ وتمارت الفطن
فى ترتيبه، واصطلحت الحكماء على تركيبه؛ فأوضحت بالنقش تقسيمه، وأبانت بالكتابة رسومه؛ إلى أن شافهنا بالارتفاع على بعد مسافته، وحصر متفرّق الأمور فى خرقى عضادته؛ واحتوى على قطرى الشّمال والحنوب، واطلع باللطف على خفيّات الغيوب؛ الملقب بالاصطرلاب، الفاصل بين الخطإ والصواب.
وقال أبو نصر الكاتب فيه:
قطب الزمن ومداره، وميزان الفلك ومعياره؛ وأساس الحكمة وموضوعها، وتفصيل الفطنة ومجموعها؛ الناطق فى صمته، الموفى على نعته؛ مظهر السّر المكنون، المخبر بما كان وما يكون؛ ذو شكل مقمر مستدير، ولون مشمس مستنير؛ ومنطقة محيطة بأجزائه، وخطوط معدّلة على اعضائه؛ وكتابة مطبقة بتدويره، ورموز بائحة بضميره؛ متقابل الأهداف، متكامل الأوصاف؛ بحجرة مسكونه، وصفائح مصونه؛ وقدّ موموق، وباب مطروق؛ للعلم فتحه ورتاجه، وعليه طريقه ومنهاجه؛ إذا انتصب قال فحمد، وإذا اضطجع عيى فلم يفسد؛ صفرىّ الانتساب، ذهىّ الإهاب؛ يخترق الأنوار من نقابه، ويستخدم الشّمس فى حسابه؛ يجمع الشرق والغرب فى صفحته، ويستره الحامل فى راحته؛ رافعه ينظر من تحته، وأخباره تسند عن خرته.
ومما قيل فى طرجهارة.
قال أبو الفتح كشاجم يصفها:
روح من الماء فى جسم من الصّفرمؤلّف بلطيف الحسّ والفكر
له على الظّهر أجفان محجّرةومقلة دمعها جار على قدر
تنشاله حركات فى أسافلهكأنها حركات الماء فى الشّجر
وفى أعاليه حسّاب مفصّلةللناظرين بلا ذهن ولا نظر
إذا بكى، دار فى أحشائه فلكخافى المسير؛ وإن، لم يبك لم يدر
ومخرج لك بالأجزاء ألطفهامن النهار، وقوس اللّيل فى السّحر
مترجم عن مواقيت يخبّرناعنها فيوجد فيها صادق الخبر
تقضى به الخمس فى وقت الوجوب وإنغطّى على الشمس أو غطّى على القمر
وإن سهرت لأسباب تؤرّقنىعرفت مقدار ما ألقى من السّهر
محدّد كلّ ميقات، تخيّرهذوو التّخيّر للأسباب والسّفر
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع