من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ومما قيل فى تباشير الصباح
قال أبو محمد العلوىّ:
كأنّ اخضرار الجوّ صرح ممرّدوفيه لآل لم تشن بثقوب
كأنّ سواد اللّيل فى ضوء صبحهسواد شباب فى بياض مشيب
وقال أبو علىّ بن لؤلؤ، الكاتب:
ربّ فجر كطلعة البدر جلّىجنح ليل كطلعة الهجران،
زار فى حلّة النراة فولّى الليل عنه فى حلّة الغربان
وقال الخالديّان:
وكأنّما الصّبح المنير وقد بداباز أطار من الظّلام غرابا
وقال النظام البلخىّ، من شعراء الخريدة:
فلاح الصبح مبتسم الثّناياوطار اللّيل مقصوص الجناح
يطير غراب أو كار الدّياجىإذا ما حلّ بازىّ الصّباح
وقال تميم بن المعزّ:
وكأنّ الصّباح فى الأفق بازوالدّجى بين مخلبيه غراب
وقال ابن وكيع:
غرّد الطير فنبّه من نعس.وأدر كأسك فالعيش خلس!
سلّ سيف الفجر من غمد الدّجىوتعرّى الصبح من ثوب الغلس
وانجلى فى حلة فضّيّةما بها من ظلمة اللّيل دنس
وقال أبو مروان بن أبى الخصال:
ولمّا رأيت الغرب قد غصّ بالدّجىوفى الشّرق من ثوب الصّباح دلائل،
توهّمت أن الغرب بحر أخوضهوأن الذى يبدو من الشّرق ساحل
وقال أسعد بن بليطة الأندلسىّ:
جرت بمسك الدّجى كافورة السّحرفغاب، إلا بقايا منه فى الطّرر،
صبح يفيض وجنح الليل منغمسفيه كما غرق الزنجىّ فى نهر
قد حار بينهما فى برزخ قمريلوح كالشّنف بين الخدّ والشّعر
وقال أحمد بن عبد العزيز القرطبىّ:
بتنا كأنّ حداد الليل شملتناحتّى بدا الصبح فى ثوب سحولىّ
كأنّ ليلتنا، والصبح يتبعها،زنجيّة هربت قدّام رومىّ
وقال أبو نواس:
فقمت والليل يجلوه الصّباح، كماجلا التّبسم عن غرّ الثّنيّات
وقال عبد الله بن المعتزّ:
قد أغتدى واللّيل فى جلبابهكالحبشىّ فرّ من أصحابه
والصّبح قد كشّر عن أنيابهكأنّما يضحك من ذهابه
وقال السرىّ:
وشرّد الصبح عنّا الليل فاتّضحتسطوره البيض فى آياته السّود
وقال أبو فراس:
مددنا علينا الليل، والليل راضعإلى أن تردّى رأسه بمشيب
بحال تردّ الحاسدين بغيظهموتطرف عنّا عين كلّ رقيب
إلى أن بدا ضوء الصّباح كأنهمبادى نصول فى عذار خضيب
وقال عبد الصمد بن بابك، شاعر اليتيمة:
واستهلّت لمصرع الليل ورقثاكلات، حدادها التّطويق
فتضاحكت شامتا وكأنّ الصبح جيب على الدّجى مشقوق
وقال أبو بكر الصنوبرىّ:
وليلة كالرّفرف المعلممحفوفة الظّلماء بالأنجم
تعلّق الفجر بأرجائها،تعلّق الأشقر بالادهم
وقال السلامىّ، شاعر اليتيمة:
وقد خالط الفجر الظّلام كما التقىعلى روضة خضراء ورد وأدهم
وعهدى بها، والليل ساق ووصلناعقار، وفوها الكأس أو كأسها الفم
إلى أن بدرنا بالنجوم، وغربهايفضّ عقود الدّرّ والشّرق ينظم
ونبّهت فتيان الصّبوح للذّةتلوح كدينار يغطّيه درهم
ومن رسالة للقاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانى، عفا الله عنه. جاء منها:
«فلما قضى الليل نحبه، وأرسل الصباح على دهمه شهبه؛ شمّر الليل إزاره، ووضع النجم أوزاره؛ ونزح بالطّيف طاردا، وظلّ وراء الصبح ناشدا؛ وفجر الفجر نهر النهار، واستردّ البنفسج وأهدى البهار؛ فمواكب الكواكب منهزمه، وغرّة الفجر كغرّة مولاى مبتسمه».
ومما يدخل فى هذا الباب، ما حكى أن بعض الأعراب تزوّج بأربع نسوة، فأراد أن يختبر عقولهنّ.
فقال لإحداهنّ: إذا دنا الصبح فأيقظينى. فلما دنا الصبح، قالت له: قم، فقد دنا الصبح! فقال: وما يدريك؟ قالت: غارت صغار النجوم وبقى احسنها وأضوؤها وأكبرها، وبرد الحلىّ على جسدى، واستلذذت باستنشاق النسيم. فقال لها: إن فى ذلك دليلا.
ثم بات عند الثانية، فقال لها مثل مقالته للأولى. فلما دنا الصبح، أيقظته.
فقال لها: وما يدريك؟ قالت: ضحكت السماء من جوانبها، ولم تبق نابتة إلا فاحت روائحها، وعينى تطالبنى بإغفاءة الصباح. فقال لها: إن فى ذلك دليلا.
ثم بات عند الثالثة، فقال لها مثل ذلك. فلما دنا الصبح، أيقظته. فقال لها:
وما يدريك؟ فقالت: لم يبق طائر إلا غرد، ولا ملبوس إلا برد، وقد صار للطّرف:
فى الليل مجال، وليس ذلك إلا من دنوّ الصباح. فقال لها: إن فى ذلك لدليلا.
ثم بات عند الرابعة، فقال لها مثل ذلك. فلما دنا الصبح، قالت له: قم، فقد دنا الصبح! فقال لها: وما يدريك؟ قالت: أبت نفسى النوم، وطلبنى فمى بالسواك واحتجت إلى الوضوء. فقال لها: أنت طالق، فإنك أقبحهنّ وصفا.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع