من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ومما وصفت به الأنهار
قال الصنوبرى:
والعوجان الذى كلفت بهقد سوّى الحسن فيه مذعوّج
ما أخطأ الأيم فى تعوّجهشيئا إذا ما استقام أو عرّج
تدرّج الريح متنه فترىجوشن ماء عليه قد درّج
إن أعنقت بالجنوب أعنق فىلطف، وإن هملجت به هملج
من أين طافت شمس النهار بهحسبت شمسا من جوفه تخرج
وقال أبو فراس:
والماء يفصل بين زهر الرّوض فى الشّطّين فصلا
كبساط وشى جرّدتأيدى القيان عليه نصلا
وقال الناجم:
انظر إلى الرّوض الذّكى فحسنه للعين قرّه!
فكأنّ خضرته السماء، ونهره فيه المجرّه
وقال عبد الله بن المعتزّ:
وترى الرّياح إذا مسحن غديرهوصفينه ونقين كلّ قذاة،
ما إن يزال عليه ظبى كارعكتطلّع الحسناء فى المرآة
ومثله قول الآخر:
وغدير رقّت حواشيه حتىبان فى قعره الذى كان ساخا
وكأنّ الطّيور إذ وردتهمن صفاء به، تزقّ فراخا
وقال آخر:
والنّهر مكسوّ غلالة فضّة؛فإذا جرى سيل، فثوب نضار
وإذا استقام، رأيت صفحة منصل؛وإذا استدار، رأيت عطف سوار
وقال أبو مروان بن أبى الخصال:
النّهر قد رقّت غلالة خصرهوعليه من صبغ الأصيل طراز
تترقرق الأمواج فيه كأنّهاعكن الخصور تهزّها الأعجاز
وقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسى:
لله نهر سال فى بطحاءأشهى ورودا من لمى الحسناء!
وغدت تحفّ به الغصون كأنّهاهدب تحفّ بمقلة زرقاء
والرّيح تعبث بالغصون وقد جرىذهب الأصيل على لجين الماء!
وقال أبو القاسم بن العطار:
مررنا بشاطى النهر بين حدائقبها حدق الأزهار تستوقف الحدق
وقد نسجت كفّ النّسيم مفاضةعليه، وما غير الحباب لها حلق!
وقال محمد بن سهل البلخى، شاعر «الذخيرة»:
راقنا النهر صفاءبعد تكدير صفائه
كان مثل السيف مدمىفجلوه من دمائه
أو كمثل الورد غضّافهو اليوم كمائه
وقال القاضى التنوخى، شاعر «اليتيمة»:
أحبب إلىّ بنهر معقل الذىفيه لقلبى من همومى معقل!
عذب إذا ما عبّ فيه ناهلفكأنّه من ريق حبّ ينهل
متسلسل فكأنّه لصفائهدمع بخدّى كاعب يتسلسل
فإذا الرّياح جرين فوق متونهفكأنّها درع جلاه الصّيقل!
وقال مؤيد الدين الطّغرائىّ فى الغدير:
عجنا إلى الجزع الذى مدّ فىأرجائه الغيم بساط الزّهر
حول غدير ماؤه المنتمىإلى بنات المزن يشكو الخصر
لولاذه الرّيح سموما بهلانقلبت وهى نسيم السّحر
حصباؤه درّ ورضراضهسحالة العسجد حول الدّرر
وقد كسته الرّيح من نسجهادرعا به يلقى نبال المطر
وألبسته الشّمس من صبغهانورا به يخطف نور البصر
كأنّها المرآة مجلوّةعلى بساط أخضر قد نشر
وقال أيضا:
ملنا إلى النّشر الذى ترتقىإليه أنفاس الصبا عاطره
حول غدير ماؤه دارعوالأرض من رقّته حاسره
والشمس إن حاذته رأد الضّحىحسناء فى مرآتها ناظره
والشّهب إن حاذته جنح الدّجىتسبح فى لجّته الزاخره
قد ركّب الخضراء فيه، فمنحصبائه أنجمها زاهره
يخضرّ إن مرت بأرجائهلفح سموم فى لظى هاجره
أنموذج الماء الذى جاءنا الوعد بأن نسقاه فى الآخره!
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع