من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ومما وصفت به البرك
قال البحترىّ عفا الله عنه:
يا من رأى البركة الحسناء رؤيتهاوالآنسات التى لاحت مغانيها!
ما بال دجلة كالغيرى تنافسهافى الحسن طورا، وأطوارا تباهيها؟
كأنّ جنّ سليمان الذين ولواإبداعها فأدقّوا فى معانيها
فلو تمرّ بها بلقيس عن عرض،قالت: هى الصّرح تمثيلا وتشبيها
تنصبّ فيها وفود الماء معجلةكالخيل خارجة من حبل مجريها
كأنّما الفضّة البيضاء سائلةمن السبائك تجرى في مجاريها
إذا علتها الصّبا أبدت لها حبكامثل الجواشن مصقولا حواشيها
إذا النّجوم تراءت فى جوانبهاليلا، حسبت سماء ركّبت فيها
لا يبلغ السّمك المحصور غايتهالبعد ما بين قاصيها ودانيها
يعمن فيها بأوساط مجنحّةكالطير تنقضّ فى جوّ خوافيها
كأنها حين لجّت فى تدفّقهايد الخليفة لمّا سال واديها!
وقال ابن طباطبا:
كم ليلة ساهرت أنجمها لدىعرصات أرض ماؤها كسمائها
قد سيّرت فيها النجوم كأنّمافلك السماء يدور فى أرجائها
أحسن بها بحرا إذا التبس الدّجى،كانت نجوم الليل من حصبائها!
ترنو إلى الجوزاء وهى غريقةتبغى النّجاء، ولات حين نجائها!
تطفو وترسب فى اصطفاق مياههالا مستعان لها سوى أسمائها
والبدر يخفق وسطها فكأنّهقلب لها قد ريع فى أحشائها
وقال عبد الجبار بن حمديس، يصف بركة يجرى إليها الماء من شاذروان من أفواه طيور وزرافات وأسود، من أبيات:
والماء منه سبائك من فضّةذابت على دولاب شاذروان!
فكأنّما سيف هناك مشطّبألقته يوم الرّوع كفّ جبان!
كم شاخص فيه يطيل تعجّبامن دوحة نبتت من العقيان!
عجبا لها تسقى هناك ينائعاينعت من الثّمرات والأغصان!
خصّت بطائرة على فنن لهاحسنت، فأفرد حسنها من ثانى!
قسّ الطيور الساجعات بلاغةوفصاحة من منطق وبيان
فإذا أتيح لها الكلام تكلّمتبخرير ماء دائم الهملان
وكأنّ صانعها استبدّ بصنعةفخر الجماد بها على الحيوان!
أوفت على حوض لها فكأنّهامنها إلى العجب العجاب روان
وكأنّها ظنّت حلاوة مائهاشهدا، فذاقته بكلّ لسان
وزرافة فى الجوّ من أنبوبهاماء يريك الجرى فى الطّيران
مركوزة كالرّمح حيث ترى لهمن طعنه الحلق انعطاف سنان
وكأنّما ترمى السماء ببندقمستنبط من لؤلؤ وجمان!
لو عاد ذاك الماء نفطا، أحرقتفى الجوّ منه قميص كلّ عنان
فى بركة قامت على حافاتهاأسد تذلّ لعزّة السّلطان!
نزعت إلى ظلم النفوس نفوسها،فلذلك انتزعت من الأبدان
وكأنّما الحيّات من أفواههايطرحن أنفسهنّ فى غدران
وكأنّما الحيتان إذ لم تخشها،أخذت من المنصور عهد أمان!
وقال آخر:
ولقد رأيت، وما رأيت كبركةفى الحسن ذات تدفّق وخرير!
عقدت لها أيدى المياه قناطرامن جوهر فى لجّة من نور!
وقال علىّ بن الجهم، يصف فوّارة:
وفوّارة ثارها فى السّماء،فليست تقصّر عن ثارها!
تراها اذا صعدت فى السّماءتعود الينا بأخبارها
تردّ على المزن ما أنزلتعلى الأرض من صوب مدرارها!
وقال ابن حجاج فيها:
علمت فى دارك فوّارة،غرّقت الأفق بها الأنجما!
فاض على نجم السما ماؤها،فأصبحت أرضك تسقى السما!
وقال تميم بن المعزّ العبيدىّ:
وقاذفة بالماء فى وسط بركةقد التحفت ظلّا من الأيك سجسجا
إذا أينعت بالماء سلّته منصلاوعاد عليها ذلك النّصل هودجا
تحاول إدراك النجوم بقذفها،كأنّ لها قلبا على الجوّ محرجا!
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع