تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ما قيل في التواضع

قال الله ﵎: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)

. وقال الله تعالى لنبيه ﷺ: (وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)

. وقال قتادة في تفسير قوله تعالى:

(وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ)

قال: هم المتواضعون. وكان رسول الله ﷺ يأكل على الأرض متواضعا.

وقال أنس بن مالك: كان رسول الله ﷺ يعود المريض ويتبع الجنائز ويجيب دعوة المملوك ويركب الحمار، ولقد رأيته يوم حنين على حمار، خطامه ليف. وقال ﷺ: «إن العفو لا يزيد العبد إلا عزّا فاعفوا يعزّكم الله، وإن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله، وإن الصدقة لا تزيد المال إلا نماء فتصدّقوا يزدكم الله». وقال عروة ابن الزبير: التواضع أحد مصايد الشرف، وفي لفظ «سلّم الشرف». وقال جعفر بن محمد: رأس الخير التواضع، فقيل له: وما التواضع؟ فقال: أن ترضى من المجلس بدون شرفك وأن تسلّم على من لقيت، وأن تترك المراء وإن كنت محقّا.

وعن على رضى الله تعالى عنه ولم يذكر المراء فيه وزاد فيه: وتكره الرياء والسمعة. وقيل: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة التواضع المحبة، وقيل: التواضع نعمة لا يفطن لها الحاسد، وقيل: التواضع كالوهدة يجتمع فيها قطرها وقطر غيرها.

وقال عبد الله بن المعتز: متواضع العلماء أكثرهم علما، كما أن المكان المنخفض أكثر الاماكن ماء.

وكان يحيى بن خالد يقول: لست أرى أحدا تواضع في إمارة إلا وهو في نفسه اكبر مما نال من سلطانه.

ومن التواضع المأثور ما روى: أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه مرّ ويده على المعلّى بن الجارود فلقيته امرأة من قريش، فقالت له: يا عمر، فوقف لها، فقالت له: كنا نعرفك مرّة عميرا ثم صرت بعد عمير عمر ثم صرت بعد عمر أمير المؤمنين فاتق الله يابن الخطّاب، فانظر في أمور الناس، فإنّه من خاف الوعيد، قرب عليه

البعيد، ومن خاف الموت، خشى الفوت، فقال لها المعلّى، إيّها، إليك يا أمة الله لقد ابكيت أمير المؤمنين، فقال له عمر أتدرى من هذه؟ ويحك! هذه خولة بنت حكيم التى سمع الله قولها من سمائه، فعمر أحرى أن يسمع قولها ويقتدى به. وقال عدىّ بن أرطاة لإياس بن معاوية: إنك لسريع المشية، قال: ذلك أبعد من الكبر وأسرع الى الحاجة. وقال عمر رضى الله عنه وقد قيل له مثل هذا: أنجح للحاجة وأبعد من الكبر. أما سمعت قوله عزوجل؟ (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ).

وقد مدح الشعراء أهل التواضع، فمن ذلك قول أبى تمّام حبيب

متبذّل في القوم وهو مبجّلمتواضع في الحىّ وهو معظّم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرض مصردة وأخرى تثجم منها»

وقال آخر

متواضع والنّبل يحرس قدرهوأخو النباهة بالنباهة ينبل

وقال البحترىّ

دنوت تواضعا وعلوت مجدافشأناك انحدار وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تسامىويدنو الضوء منها والشّعاع
للشاعر البحتري، من قصيدة «فدتك أكف قوم ما استطاعوا»

وقال أبو محمد التيمىّ

تواضع لما زاده الله رفعةوكلّ رفيع قدره متواضع

وقال آخر

دنوت تواضعا وعلوت قدراففيك تواضع وعلوّ شان

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.