تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ما قيل في الاعتذار والاستعطاف

رأيت جماعة من أهل الأدب قد ألحقوا الاعتذار والاستعطاف بالمدح، كالحمدونىّ فى تذكرته، وغيره، فلذلك أضفته اليه، وجعلته من فصوله. قال الله عزّوجلّ:

(وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ).

وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من اعتذر اليه أخوه المسلم، فلم يقبل، لم يرد على الحوض».

وقال علىّ رضى الله عنه: أولى الناس بالعفو، أقدرهم على العقوبة. وقال:

العفو زكاة الظّفر. وقال: اذا قدرت على عدوّك، فاجعل عفوك عنه شكر المقدرة عليه.

وقال الحسن بن علىّ رضى الله عنهما: لا تعاجل الذنب بالعقوبة، واجعل بينهما للاعتذار طريقا. وقال: أوسع ما يكون الكرم بالمغفرة، اذا ضاقت بالذنب المعذرة.

وقال جعفر بن محمد الصادق: شفيع المذنب إقراره، وتوبة المجرم الاعتذار.

وقالوا ما أذنب من اعتذر، ولا أسى من استغفر.

وأوصى بعض الحكماء ولده فقال: يا بنىّ لا يعتذر اليك أحد من الناس، كائنا من كان، فى أى جرم كان، صادقا كان أو كاذبا، إلا قبلت عذره، فكفاك بالاعتذار برّا من صديقك، وذلّا من عدوّك.

قال بعض الشعراء

فإن كنت ترجو في العقوبة راحةفلا تزهدن عند التجاوز في الأجر

وقال أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكرىّ: الاعتذار ذلّة، ولا بدّ منه، لأن الإصرار على الذنب، فيما بينك وبين خالقك هلكة، وفيما بينك وبين صديقك فرقه، وعند سائر الناس مثلبة وهجنة، فعليك به، اذا واقعت الذنب، وقارفت الجرم، ولا تستنكف من خضوعك وتذلّلك فيه، فربما استثير العزّ من تحت الذلة، واجتنى الشرف من شجرة النذلة، وربّ محبوب في مكروه، والمجد شهد يجتنى من حنظل.

قال: ومما خصّ به الاعتذار أنّ الحقّ لا يثبت لباطله، والحقيقة لا تقوم مع تخييله وتمويهه، وأنّ ردّه لا يسع مع الكذب اللائح في صفحاته. وقالوا: لا عذر فى ردّ الاعتذار، والمعتذر من الذنب، كمن لا ذنب له، وهذه خصلة لا يشركه فيها غيره.

قال بعضهم: كنت بحضرة عبيد الله بن سليمان، فوردت عليه رقعة من جعفر ابن توّابة، نسختها: قد فتحت للمظلوم بابك، ورفعت عنه حجابك، فأنا أحاكم الأيّام الى عدلك، وأشكو صروفها الى فضلك، وأستجير من لؤم غلبتها بكرم قدرتك، وحسن ملكتك، فإنها تؤخّرنى اذا قدّمت، وتحرمنى اذا قسّمت، فإن

أعطت أعطت يسيرا، وإن ارتجعت ارتجعت كثيرا، ولم أشكها الى أحد قبلك، ولا أعددت الانتصاف منها إلا الى فضلك، ولى مع ذمام المسألة لك، وحقّ الظّلام اليك، ذمام تأميلك، وقدم صدق في طاعتك، والذى يملأ من النّصفة يدى، ويفرغ الحقّ علىّ، حتى تكون لى محسنا، وأكون بك الى الأيام مقرّبا، أن تخلطنى بخواصّ خدمك الذين نقلتهم من حدّ الفراغ الى الشغل، ومن الخمول الى النباهة والذّكر، فإن رأيت أن تعذّبنى فقد استعديت اليك، وتنصرنى فقد عذت بك، وتوسع لى كنفك فقد أويت اليه، وتسمنى بإحسانك فقد عوّلت عليه، وتستعمل يدى ولسانى فيما يصلحان له من خدمتك، فقد درست كتب أسلافك وهم القدوة في البيان، واستضأت بآرائهم، واقتفوت آثارهم اقتفاء جعلنى بين وحشىّ الكلام وأنيسه، ووقفنى منه على جادة متوسطة، يرجع اليها العالى، ويلحق بها المقصّر التالى، فعل إن شاء الله. قال: فعل إن شاء الله! قال: فجعل عبيد الله يرددها ويستحسنها؛ ثم قال: هذا أحقّ بديوان الرسائل.

ومن الاستعطاف: ما حكى أن محمد بن الحنفيّة، جرى بينه وبين أخيه الحسين، كلام افترقا بسببه متغاضبين؛ فلما وصل محمد الى منزله، كتب الى الحسين رقعة فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإن لك شرفا لا أبلغه، وفضلا لا أدركه، أبونا علىّ، لا أفضلك فيه ولا تفضلنى، وأمّى امرأة من بنى حنيفة، وأمّك فاطمة بنت رسول الله ﷺ، ولو كان ملء الأرض نساء مثل أمى ما وفين بأمّك، فاذا قرأت رقعتى هذه فالبس رداءك ونعليك وتعال لتترضّانى، وإياك أن أسبقك الى هذا الفضل الذى أنت أولى به منى والسلام. فلبس الحسين رداءه ونعليه وجاء الى محمد وترضّاه.

وقيل: وقّع جعفر بن يحيى في رقعة معتذرا: قد تقدمت طاعتك ونصيحتك، فإن ثبت منك هفوة فلن تغلب سيئة حسنتين.

وقال شاعر

إرض للسائل الخضوع وللقارف ذنبا مذلّة الإعتذار

قال أبو هلال العسكرىّ: لم يرو عن أحد قبل النابغة الذبيانىّ في الاعتذار شعر؛ فمن أجود ما روى له فيه، قوله حين سعى به المنخّل اليشكرىّ الى النّعمان، وزعم أنه غشى المتجرّدة حظيّة النعمان، وذلك حين وصفها النابغة في شعره فقال

واذا لمست، لمست أخثم جاثمامتحيّزا بمكانه ملء اليد
واذا طعنت، طعنت في مستهدفرابى المحبّسة بالعبير مقرمد
للشاعر موسى بن حسين بن شوال، اقرأ القصيدة
واذا نزعت، نزعت من مستحصفنزع الحزوّر بالرّشاء المحصد
للشاعر موسى بن حسين بن شوال، اقرأ القصيدة

فقال المنخّل للنعمان: هذا وصف من ذاقها، فوقر ذلك في نفس النعمان، ثم وفد عليه رهط من بنى سعد بن زيد مناة من بنى قريع، فأبلغوه أن النابغة ما يزال يذكرها ويصف منها، فأجمع النعمان على الإيقاع بالنابغة، فعرّفه بذلك عصام حاجب النعمان، وهو الذى قيل فيه

نفس عصام سوّدت عصاما

فانطلق النابغة الى آل غسّان وكانوا قتلوا المنذر ولد النعمان، فزادهم لحاق النابغة بهم حشمة؛ ثم اتصلت بالنعمان كثرة مدائح النابغة لهم، فحسدهم عليه وأمّنه وراسله فى المصير اليه، فأتاه وجعل يعتذر ممّا قذف به ومن مدحه لآل غسّان فقال

حلفت فلم أترك لنفسك ريبةوليس وراء الله للمرء مذهب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»
لئن كنت قد بلّغت عنى جنايةلمبلغك الواشى أغشّ وأكذب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيتَ اللعنَ أنكَ لمتني»
ولست بمستبق أخا لا تلمّهعلى شعث! أىّ الرجال المهذب؟
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»
فأن أك مظلوما، فعبد ظلمتهوإن تك ذا عتبى، فمثلك يعتب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»

يقول: مثلك يعفو ويحسن وإن كان عاتبا، وفي كرمك ما يفعل ذلك، ولك العتبى والرجوع الى ما تحبّ، ومنه قوله أيضا للنعمان

أتانى أبيت اللّعن! أنك لمتنىوتلك التى تستكّ منها المسامع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»
مقالة أن قد قلت سوف أنالهوذلك من تلقاء مثلك رائع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»
فبتّ كأنّى ساورتنى ضئيلةمن الرّقش في أنيابها السمّ ناقع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»
لكلّفتنى ذنب امرىء وتركنهكذى العرّ يكوى غيره وهو راتع

الى أن قال

فإن كنت لا ذو الضّغن عنى مكذّبولا حلفى على البراءة نافع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»
ولا أنا مأمون بشىء أقولهوأنت بأمر لا محالة وقع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»
فإنك كالليل الذى هو مدركىوإن خلت أنّ المنتأى عنك وسع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

وقال أيضا

أنبئت أن أبا قابوس أوعدنىولا قرار على زار من الأسد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»
مهلا، فداء لك الأقواء كلّهم،وما أثمّر من مال ومن ولد
لا تقذفنّى بركن لا كفاء بهوإن تأثّفك الأعداء بالرّفد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»
ما قلت من سيىء ممّا أتيت بهاذا فلا رفعت سوطى الى يدى

قال: فخلع عليه النعمان خلع لرضى، وكنّ حبرات خضرا مطّرقّة بالجوهر.

قال العسكرىّ: ولم يسلك أحد طريقته فأحسن فيها كإحسان البحترىّ، فمن اعتذاراته قوله في قصيدته التى أوّلها

لوت بالسلام بنانا خضيبا

قال منها

فديناك من أىّ خطب عرىونائبة أو شكت أن تنوبا
وإن كان رأيك قد حال فيّوأوليتنى بعد شرّ قطوبا
يريبنى الشىء تأتى بهوأكبر قدرك أن أستريبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «لوت بالسلام بنانا خضيبا»
وأكره أن يتمادى علىّ سبيل اغترارفألقى شعوبا
أكذّب نفسى بأن قد سخطتوما كنت أعهد ظنّى كذوبا
ولو لم تكن ساخطا لم أكنأذمّ الزمان وأشكو الخطوبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «لوت بالسلام بنانا خضيبا»
أيصبح ودّى في ساحتيك طرقا ومرعاى محلا جديبا
وما كان سخطك إلا الفراقأفاض الدموع وأشجى القلوبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «لوت بالسلام بنانا خضيبا»
ولو كنت أعرف ذنبا لما كان خالجنى الشك في أن أتوبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «لوت بالسلام بنانا خضيبا»
سأصبر حتى ألاقى رضاكإما بعيدا وإما قريبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «لَوَتْ بالسّلامِ بَنَاناً خَضِيبا»
أراقب رأيك حتى يصحّوأنظر عطفك حتى يثوبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «لوت بالسلام بنانا خضيبا»

وقوله

عذيرى من الأيّام رنّقن مشربىولقّيننى نحسا من الطير أشأما
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهون عليها أن أبيت متيما»
وأكسبننى سخط امرىء بتّ موهناأرى سخطه ليلا مع الصبح مظلما
للشاعر البحتري، من قصيدة «يَهُونُ عَلَيْهَا أنْ أبِيتَ مُتَيَّما»
تبلّج عن بعض الرضى، وانطوى علىبقية عتب شارفت أن تصرّما
اذا قلت يوما: قد تجاوز حدّهاتلبّث في أعقابها وتلوّها
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهون عليها أن أبيت متيما»
وأصيد إن نازعته الطرف ردهقليلا، وإن راجعته القول جمجما
ثناه العدا عنى، فأصبح معرضاووهّمه الواشون حتى توهّما
وقد كان سهلا واضحا فتوعّرترباه، وطلقا ضاحكا فتجهّما
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهون عليها أن أبيت متيما»
أمتّخذ عندى الإساءة محسنومنتقم منى امرؤ كان منعما
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهون عليها أن أبيت متيما»
ومكتسب فيّ الملامة ماجديرى الحمد غنما والملامة مغرما
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهون عليها أن أبيت متيما»
يخوّفنى من سوء رأيك معشرولا خوف إلا أن تجور وتظلما
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهون عليها أن أبيت متيما»
أعيذك أن أخشاك من غير حادثتبيّن، أو جرم إليك تقدما
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهون عليها أن أبيت متيما»
الست الموالى فيك نظم قصائدهى الأنجم اقتادت مع الليل أنجما؟
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهون عليها أن أبيت متيما»
أعد نظرا فيما تسخطت، هل ترىمقالا دنيئا أو فعالا مذمّما؟
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهون عليها أن أبيت متيما»
وكان رجائى أن أؤوب مملّكافصار رجائى أن أؤوب مسلّما
للشاعر البحتري، من قصيدة «يَهُونُ عَلَيْهَا أنْ أبِيتَ مُتَيَّما»
حياء فلم يذهب بى الغىّ مذهبابعيدا، ولم أركب من الأمر معظما
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهون عليها أن أبيت متيما»
ولم أعرف الذنب الذى سؤتنى لهفأقتل نفسى حسرة وتندّما
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهون عليها أن أبيت متيما»
ولو كان ما خبّرته أو ظننتهلما كان غروا أن ألوم وتكرما
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهون عليها أن أبيت متيما»
أذكّرك العهد الذى ليس سؤدداتناسيه، والودّ الصحيح المسلّما
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهون عليها أن أبيت متيما»
وما حمل الركبان شرقا ومغرباوأنجد في أعلى البلاد وأتهما
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهون عليها أن أبيت متيما»
أقرّ بما لم أجنه متنصّلااليك، على أنى إخالك ألوما
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهون عليها أن أبيت متيما»
لى الذنب معروفا. فإن كنت جاهلابه، فلك العتبى علىّ وأنعما
ومثلك، إن أبدى الفعال أعادهوإن صنع المعروف زاد وتمّما
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهون عليها أن أبيت متيما»

وقال سعيد بن حميد

لم آت ذنبا، فإن زعمت بأنأتيت ذنبا، فغير معتمد
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
قد تطرف الكفّ عين صاحبهافلا يرى قطعها من الرشد
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة

وقال آخر

وكنت اذا ما جئت أدنيت مجلسىووجهك من ماء البشاشة يقطر
فمن لى بالعين التى كنت مرّةالىّ بها في سالف الدهر تنظر؟
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «أنا اليوم لي والحمد لله أشهر»

وقال آخر

اغتفر زلّتى لتحرز فضل العفو عنى ولا يفوتك أجرى
لا تكلنى الى التوسّل بالعذر لعلّى أن لا أقوم بعدرى
للشاعر عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، من قصيدة «اغتفر زلتي لتحرز فضل الشك»

وقال بعض فضلاء الأندلس

إنى جنيت ولم يزل أهل النهىيهبون للجانين ما يجنونه
ولقد جمعت من الذنوب فنونهافاجمع من الصفح الجميل فنونه
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «قل للأمير أدام ربي عزه»
من كان يرجو عفو من هو فوقهفليعف عن ذنب الذى هو دونه

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.