من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ما قيل في الشكر والثناء
قال الله ﵎: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)
فالشكر مما يوجب الزيادة.
وقال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: لا يزهّدك في المعروف من لا يشكرك عليه، فقد يشكرك عليه من لا يستمتع بشىء منه، وقد يدرك من شكر الشاكر، أكثر مما أضاع الكافر، (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) *.
ومما تعزيه الفرس الى إسفنديار: الشكر أفضل من النعمة لأنه يبقى وتلك تفنى.
وقال موسى بن جعفر: المعروف لا يفكّه إلا المكافأة أو الشكر، وقال: قلّة الشكر تزهّد في اصطناع المعروف.
وقيل: إذا قصرت يدك عن المكافأة، فليطل لسانك بالشكر. وقيل: للشكر ثلاث منازل: ضمير القلب، ونشر اللسان، ومكافأة اليد. قال الشاعر
أفادتكما النّعماء منّى ثلاثةيدى ولسانى والضمير المحجّبا
وقال يحيى بن زياد الحارثىّ بن كعب
حلفت بربّ العيس تهوى بركبهاالى حرم ما عنه للناس معدل
لما يبلغ الإنعام في النفع غايةعلى المرء إلا مبلغ الشكر أفضل
ولا بلغت أيدى المنيلين بسطةمن الطّول إلا بسطة الشكر أطول
ولا ثقلت في الوزن أعباء منّةعلى المرء إلا منّة الشكر أثقل
فمن شكر المعروف يوما فقد أتىأخا العرف من حسن المكافاة من عل
وقال رجل من غطفان
الشكر أفضل ما حاولت ملتمسابه الزيادة عند الله والناس
وقال أبو بجيلة
شكرتك إنّ الشكر حبل من التّقىوما كلّ من أوليته نعمة يقضى
ونبّهت لى ذكرى وما كان خاملاولكنّ بعض الذّكر أنبه من بعض
وقال آخر
سأشكر عمرا ما تراخت منيّتىأيادى لم تمنن وإن هى جلّت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقهولا مظهر الشكوى إذا النعل زلّت
رأى خلّتى من حيث يخفى مكانهافكانت قذى عينيه حتّى تجلّت
وقال أبو تمام
كم نعمة منك تسربلتهاكأنها طرّة برد قشيب
من اللواتى إن ونى شاكرقامت لمسديها مقام الخطيب
وقال أبو عيينة بن محمد بن أبى عتبة المهلّبىّ
ياذا اليمينين قد أوليتنى منناتترى هى الغاية القصوى من المنن
ولست أسطيع من شكر أجىء بهإلا استطاعة ذى جسم وذى بدن
لو كنت أعرف فوق الشكر منزلةأوفى من الشكر عند الله في الثّمن
أخلصتها لك من قلبى مهذّبةحذوا على مثل ما أوليت من حسن
قالوا وأجود ما قيل في عظم النعمة وقصور الشكر من قديم الشّعر قول طريح ابن إسماعيل
سعيت ابتغاء الشكر فيما صنعت لىفقصّرت مغلوبا وإنّى لشاكر
لأنك تولينى الجميل بداهةوأنت لما استكثرت من ذاك حاقر
فأرجع مغبوطا وترجع بالّتىلها أوّل في المكرمات وآخر
وقال دعبل
هجرتك لا عن جفوة وملالةولا لقلى أبطأت عنك أبا بكر
ولكنّنى لما رأيتك راغبافأفرطت في برّى عجزت عن الشكر
فملآن لا آتيك إلا تعذّراأزورك في الشهرين يوما وفي الشهر
وقال البحترىّ
هاتيك أخلاق إسماعيل في تعبمن العلا والعلا منهنّ في تعب
أبث شكرى فأمسى منك في نصبأقصر فمالى في جدواك من أرب
لا أقبل الدهر نيلا لا يقوم لهشكرى ولو كان يسديه إلىّ أبى
لما سألتك وافانى نداك علىأضعاف شكرى فلم أظفر ولم أخب
وقال أيضا
إنى هجرتك إذ هجرتك وحشةلا العود يذهبها ولا الإبداء
أخجلتنى بندى يديك فسوّدتما بيننا تلك اليد البيضاء
وقطعتنى بالجود حتّى إنّنىمتخوّف أن لا يكون لقاء
صلة غدت للناس وهى] قطيعةعجبا وبرّ راح وهو جفاء
ليواصلنّك ركب شعر سائريرويه فيك لحسنه الاعداء
حتى يتمّ لك الثناء مخلّداأبدا كما تمت لك النّعماء
فتظلّ تحسدك الملوك الصّيدبىوتظلّ تحسدنى بك الشعراء
وقال الحسن بن هانىء
قد قلت للعباس معتذرامن عظم شكريه ومعترفا
أنت امرؤ جلّلتنى نعماأوهت قوى شكرى فقد ضعفا
لا تسدينّ إلىّ عارفةحتّى أقوم بشكرها سلفا
وقال الحسين بن الضحّاك للواثق من أبياتإذا كنت من جدواك في كلّ نعمة
فلا كنت إن لم أفن عمرى بشكركا
وقال البحترىّ
إذا أنا لم أشكر لنعماك جاهدافلا نلت نعمى بعدها توجب الشّكرا
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر
إنى لشاكر أمسه ووليّهفى يومه ومؤمّل عنه غدا
وقال آخر
وكيف أنساك؟ لا نعماك واحدةعندى ولا بالذى أوليت من قدم
وقال عبد الأعلى بن حمّاد: دخلت على المتوكّل، فقال لى: قد هممنا أن نصلك، فتدافعت الأمور، فقلت: يا أمير المؤمنين، قد بلغنى عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال: من لم يشكر للهمّة، لم يشكر للنعمة، وأنشدته قول الباهلىّ
لأشكرنّك معروفا هممت بهإن اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إن لم يمضه قدرفالشىء بالقدر المحتوم مصروف
وقال ابن الرومىّ
كم من يد بيضاء قد أسديتهاتثنى إليك عنان كلّ وداد
شكر الإله صنائعا أوليتهاسلكت مع الأرواح في الأجساد
وقال آخر
وأحسن ما قال امرؤ فيك مدحةتلاقت عليها منّة وقبول
وشكر كأن الشمس تعنى بنشرهففى كلّ أرض مخبر ورسول
ومن كلام الحسن بن وهب: من شكر لك على درجة رفعته اليها، أو ثروة أفدته إيّاها، فإن شكرى لك على مهجة أحييتها، وحشاشة أبقيتها، ورمق أمسكته، وقمت بين التّلف وبينه، ولكل نعمة من نعم الدنيا حدّ ينتهى إليه، ومدى توقف عليه، وغاية من الشكر يسمو اليها الطرف، خلا هذه النعمة التى فاتت الوصف، وطالت الشكر، وتجاوزت كلّ قدر، وأتت من وراء كلّ غاية، وردت عنّا كيد العدوّ، وأرغمت أنف الحسود، نلجأ منها الى ظلّ ظليل، وكنف كريم، فكيف يشكر الشاكر، وأين يبلغ جهد المجهود.
وقال الشريف الرضىّ
ألبستنى نعما على نعمورفعت لى علما على علم
وعلوت بى حتّى مشيت علىبسط من الأعناق والقمم
فلأشكرنّ يديك ما شكرتخضر الرّياض مصانع الدّيم
فالحمد يبقى ذكر كلّ فتىويبين قدر مواقع الكرم
والشكر مهر للصنيعة إنطلبت مهور عقائل النّعم
وقال أبو الحسن الكاتب المغربىّ
سأشكر نعماك التى انبسطت بهايدى ولسانى فهو بالمجد ينطق
وأثنى بما أوليتنى من صنيعةومن منّة تغدو علىّ وتطرق
وكلّ امرىء يرجو نداك موفّقوكلّ امرىء يثنى عليك مصدّق
وقال ابن رشيق القيروانىّ
خذ ثناء عليك غبّ الأيادىكثناء الرّبى على الأمطار
سقط الشكر وهو موجب نعماك سقوط الأنواء بالأثمار
ومن المنعمين من رأى أن الشكر بإظهار النعمة، أبلغ منه بالنطق باللسان، وعاقب على ذلك بالحرمان.
فمن ذلك مارواه أبو هلال العسكرىّ يسنده الى العتبىّ قال: أراد جعفر بن يحيى حاجة كان طريقه إليها على باب الأصمعىّ، فدفع الى خادم له كيسا فيه ألف دينار وقال: إنى سأنزل في رجعتى الى الأصمعىّ، ثم سيحدثنى ويضحكنى، فاذا ضحكت، فضع الكيس بين يديه، فلما رجع، ودخل إليه، رأى حبّا مكسور الرّأس، وجرّة مكسورة العنق، وقصعة مشعبة، وجفنة أعشارا، ورآه على مصلّى بال، وعليه برنكان أجرد، فغمز غلامه أن لا يضع الكيس بين يديه، فلم يدع الأصمعى شيئا ممّا يضحك الثّكلان والغضبان إلا أورده عليه فلم يتبسم، ثمّ خرج، فقال لرجل يسايره:
من استرعى الذئب ظلم، ومن زرع السّبخة حصد الفقر، إنى والله لما علمت أن هذا يكتم المعروف بالفعل، ما حفلت بنشره له باللسان، وأين يقع مديح اللسان
من آثار العيان؟ إن اللسان قد يكذب، والحال لا تكذب، ولله در نصيب حيث يقول
فعاجوا فأثنوا بالذى أنت أهلهولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
ثم قال: أعلمت أن ناووس أبرويز، أمدح لأبرويز من زهير لآل سنان؟
وقالت الحكماء: لسان الحال، أصدق من لسان الشكوى.
وقد أجاد ابن الرومىّ في هذا المعنى فقال
حالى تبوح بما أوليت من حسنفكلّ ما تدعيه غير مردود
كلّى هجاء، وقتلى لا يحلّ لكمفما يداويكم منّى سوى الجود
وقالوا: شهادات الأحوال، أعدل من شهادات الرجال.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع