تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

وأما من افتخر بشربها وسبائها

فقد كانت العرب تفتخر بسبائها، وتضيفه إلى عظيم غنائها، وتقرنه بمذكور بلائها. وشاهد ذلك قول امرىء القيس:

كأنّى لم أركب جوادا للذّةولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»
ولم أسبأ الزّقّ الروىّ ولم أقللخيلى كرّى كرّة بعد إجفال
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

فقرن جوده في سباء الزقّ ببسالته في كرّ الخيل. ولمّا أنشد أبو الطيب المتنبى سيف الدولة بن حمدان قصيدته التى يقول فيها:

وقفت وما في الموت شكّ لواقفكأنك في جفن الردى وهو نائم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمةووجهك وضّاح وثغرك باسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

فقال له سيف الدولة: انتقدنا عليك يا أبا الطيّب هذين البيتين كما انتقد على امرىء القيس بيتاه، وذكرهما، قال: وبيتاك لا يلتئم شطراهما كما لا يلتئم شطرا هذين البيتين: كان ينبغى لامرىء القيس أن يقول:

كأنى لم أركب جوادا ولم أقللخيلى كرّى كرّة بعد إجفال
ولم أسبأ الزقّ الروىّ للذّةولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال

وأن تقول أنت:

وقفت وما في الموت شكّ لواقفووجهك وضّاح وثغرك باسم
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمةكأنك في جفن الردى وهو نائم

فقال: أيّد الله مولانا! إن كان صحّ أنّ الذى استدرك على امرىء القيس أعلم منه بالشعر فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، والثوب لا يعرفه البزّاز معرفة الحائك لأن البزّاز يعرف جملته والحائك يعرف جملته وتفاريقه، لأنه هو الذى أخرجه من الغزليّة الى الثوبيّة. وإنما قرن امرؤ القيس لذّة النساء بلذّة الركوب للصيد، وقرن السماحة في سباء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء؛ وأنا لما ذكرت الموت في أوّل البيت أتبعته بذكر الردى وهو الموت ليجانسه. ولما كان الجريح المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوسا وعينه باكية قلت:

ووجهك وضّاح وثغرك باسم

لأجمع بين الأضداد في المعنى وإن لم يتسع اللفظ لجميعها. فأعجب سيف الدولة بقوله ووصله.

وقال لقيط بن زرارة:

شربت الخمر حتى خلت أنىأبو قابوس أو عبد المدان
للشاعر لقيط بن زرارة، اقرأ القصيدة

وقال حسّان بن ثابت الأنصارىّ عفا الله عنه ورحمه:

إذا ما الأشربات ذكرن يومافهنّ لطيّب الراح الفداء
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «عفت ذات الأصابع فالجواء»
ونشربها فتتركنا ملوكاوأسدا ما ينهنهها اللّقاء
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «عفت ذات الأصابع فالجواء»

حكى أنّ حسّان بن ثابت عنّف جماعة من الفتيان على شرب الخمر وسوء تنادمهم عليها وأنهم يضربون عليها ضرب الإبل ولا يرجعون عنها؛ فقالوا: إنا اذا هممنا بالإقلاع عنها ذكرنا قولك:

ونشربها فتتركنا ملوكاوأسدا ما ينهنهها اللقاء
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «عفت ذات الأصابع فالجواء»

فعاودناها.

وقال الأخطل يخاطب عبد الملك بن مروان:

اذا ما نديمى علّنى ثم علّنىثلاث زجاجات لهنّ هدير
خرجت أجرّ الذيل حتى كأننىعليك أمير المؤمنين أمير

وقال آخر:

إذا صدمتنى الكأس أبدت محاسنىولم يخش ندمانى أذاى ولا بخلى
ولست بفحّاش عليه وإن أساوما شكل من آذى نداماه من شكلى

وقال آخر:

شربنا من الدّاذىّ حتى كأنناملوك لهم برّ العراقين والبحر
فلما انجلت شمس النهار رأيتناتولّى الغنى عنّا وعاودنا الفقر

ومثله للمنخّل اليشكرىّ:

فإذا سكرت فإننىربّ الخورنق والسدير
وإذا صحوت فإننىربّ الشّويهة والبعير
للشاعر المنخل اليشكري، من قصيدة «إن كنت عاذلتي فسيري»

وقال عنترة:

وإذا سكرت فإننى مستهلكمالى، وعرضى وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصّر عن ندىوكما علمت شمائلى وتكرّمى
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

أخذه البحترىّ وزاد عليه في قوله:

وما زلت خلّا للندامى إذا انتشواوراحوا بدورا يستحثّون أنجما
للشاعر البحتري، من قصيدة «أكَانَ الصّبا إلاّ خَيالاً مُسَلِّما»
تكرّمت من قبل الكؤس عليهمفما اسطعن أن يحدثن فيك تكرّما

والزيادة أن عنترة ذكر أنه يستهلك ماله اذا سكر، والبحترى ذكر أن ممدوحه يتكرم قبل الكؤس فيبالغ حتى لا تستطيع الكؤس أن تزيده تكرّما.

وكان الأعشى ميمون بن قيس مشهورا بتعاطى الخمر مشغوفا بها كثير الذكر لها فى شعره. ومن اشتهاره بها قال المفضّل بين قدماء الشعراء: أشعرهم امرؤ القيس اذا ركب، والنابغة اذا رهب، وزهير اذا رغب، والأعشى اذا طرب. وقصد الأعشى رسول الله ﷺ ليسلم وامتدحه بقصيدته التى أوّلها:

ألم تغتمض عيناك ليلة أرمداوبتّ كما بات السليم مسهّدا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألَمْ تَغتَمِضْ عَيناكَ لَيلَة َ أرْمَدَا،»

فاعترضه في طريقه من أراد منعه، فقالوا له: إنه يحرّم عليك الزنا والخمر.

فقال: أمّا الزنا فقد كبرت فلا حاجة لى فيه، وأمّا الخمر فلا أستطيع تركها. وعاد لينظر في أمره، وقيل: إنه قال: أعود فأشربها سنة وأرجع، فمات قبل الحول.

قالوا: ونظر الحسن بن وهب الى رجل يعبس في كأسه، فقال: ما أنصفتها، تضحك في وجهك وتعبس في وجهها. ومن ذلك قول الشريف الرضىّ:

كالخمر يعبس حاسيها على مقةوالكأس تجلو عليه ثغر مبتسم
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «هذي الرماح عصي الضال والسلم»

وهو مأخوذ من قول عبد الله بن المعتزّ حيث يقول:

ما أنصف النّدمان كأس مدامةضحكت اليه فشمّها بتعبّس
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «كم ليلة محمودة أحييتها»

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.