تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ما قيل فى الأناة والرويّة

كانت العرب تحمد الأناة فى الرأى وإجالة الفكرة فيه وعدم التسرّع.

وكان عبد الله بن وهب الرّاسبىّ يقول: إيّاى والرأى الفطير ! وكان يستعيذ [بالله] من الرأى الدّبرىّ؛ وهو الذى يسنح بعد الفوت.

وأوصى إبراهيم بن هبيرة ولده فقال: لا تكن أوّل مشير، وإيّاك والرأى الفطير؛ ولا تشيرنّ على مستبدّ، فإنّ التماس موافقته لؤم والاستماع منه خيانة.

وكان عامر بن الظّرب حكيم العرب يقول: دعوا الرأى يغبّ حتّى يختمر، وإيّاكم والرأى الفطير! يريد الأناة فى الرأى والتثبّت فيه. قال شاعر:

تأنّ وشاور فإنّ الأمور منها مضىء ومستغمض
فرأيان أفضل من واحدورأى الثلاثة لا ينقض

وقال آخر:

الرأى كاللّيل مسودّ جوانبهوالليل لا ينجلى إلا بإصباح
فاضمم مصابيح آراء الرّجال إلىمصباح رأيك تزدد ضوء مصباح

وقال المتنبّى:

الرأى قبل شجاعة الشّجعانهو أوّل وهى المحلّ الثانى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
فإذا هما اجتمعا لنفس حرّةبلغت من العلياء كلّ مكان

وقال طاهر بن الحسين:

اعمل صوابا تنل بالحزم مأثرةفلن يذمّ لأهل الحزم تدبير
فإن هلكت برأى أو ظفرت بهفأنت عند ذوى الألباب معذور
وإن ظفرت على جهل وفزت بهقالوا: جهول أعانته المقادير

ومن أحسن ما قيل فيمن أشير عليه فلم يقبل، قول السّبيع لأهل اليمامة بعد إيقاع خالد بن الوليد بهم: يا بنى حنيفة بعدا كما بعدت عاد وثمود، والله لقد أنبأتكم بالأمر قبل وقوعه، كأنّى أسمع جرسه وأبصر غبّه، ولكنّكم أبيتم النصيحة فاجتنيتم الندامة، وإنّى لمّا رأيتكم تتّهمون النصيح، وتسفّهون الحليم، استشعرت منكم اليأس وخفت عليكم البلاء. والله ما منعكم [الله] التوبة ولا أخذكم [على] غرّة، ولقد أمهلكم حتّى ملّ الواعظ وهرأ الموعوظ، وكنتم كأنّما يعنى بما أنتم فيه غيركم، فأصبحتم وفى أيديكم من تكذيبى التصديق ومن نصحى الندامة، وأصبح فى يدى من هلاككم البكاء ومن ذلّكم الجزع، وأصبح ما كان غير مردود، وما بقى غير مأمون.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.