تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ما قيل فى الاستبداد وترك الاستشارة وكراهة الإشارة

ومن الناس من آثر الاستبداد برأيه وكره أن يستشير. قال عبد الملك بن صالح:

ما استشرت أحدا قطّ إلا تكبّر علىّ وتصاغرت له، ودخلته العزّة ودخلتنى الذّلّة.

فعليك بالاستبداد، فإن صاحبه جليل فى العيون مهيب فى الصدور. واعلم أنك متى استشرت تضعضع شأنك، ورجفت بك أركانك. وما عزّ سلطان لم يغنه عقله عن عقول وزرائه، وآراء نصحائه. فإيّاك والمشورة وإن ضاقت عليك المذاهب، واستبهمت لديك المسالك؛ وأنشد:

فما كلّ ذى نصح بمؤتيك نصحهولا كلّ مؤت نصحه بلبيب

وقال المهلّب بن أبى صفرة: لو لم يكن فى الاستبداد بالرأى إلّا صون السّرّ وتوفير العقل لوجب التمسّك به.

وقال بزرجمهر: أردت نصيحا أثق به فما وجدت غير فكرى، واستضأت بنور الشمس والقمر فلم أستضئ بشىء أضوأ من نور قلبى.

وقال علىّ بن الحسين: الفكرة مرآة ترى المؤمن سيئاته فيقلع عنها، وحسناته فيكثر منها، فلا تقع مقرعة التقريع عليه، ولا تنظر عيون العواقب شزرا إليه.

وما زال المنصور يستشير أهل بيته حتّى مدحه ابن هرمة بقوله:

يزرن امرأ لا يصلح القوم أمرهولا ينتجى الأدنين فيما يحاول
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «سرى ثوبه عنك الصبا المتخايل»

فاستوى جالسا وقال: أصبت والله! واستعاده، وما استشار بعدها.

قالوا: وعلى المستبدّ أن يتروّى فى رأيه، فكلّ رأى لم تتمخّض به الفكرة ليلة فهو مولود لغير تمام. قال شاعر:

إذا كنت ذا رأى فكن ذا أناءةفإنّ فساد الرأى أن تتعجّلا
وما العجز إلّا أن تشاور عاجزاوما الحزم إلا أن تهمّ فتفعلا

قال بعض جلساء هارون الرشيد: أنا قتلت جعفر بن يحيى، وذلك أنّى رأيت الرشيد يوما وقد تنفّس تنفّسا منكرا فأنشدت فى إثر تنفّسه:

واستبدّت مرّة واحدةإنما العاجز من لا يستبدّ
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ليت هندا أنجزتنا ما تعد»

وممّا مدح به ذوى الرأى قول بعض الشعراء:

بصير بأعقاب الأمور كأنّمايخاطبه من كلّ أمر عواقبه
وأين مفرّ الحزم منه وإنمامرائى الأمور المشكلات تجاربه

وقال البحترىّ فى سليمان بن عبد الله:

كأنّ آراءه والحزم يتبعهاتريه كلّ خفىّ وهو إعلان
ما غاب عن عينه فالقلب يكلؤهوإن تنم عينه فالقلب يقظان

وقال أيضا:

كأنّه وزمام الدّهر فى يدهيرى عواقب ما يأتى وما يذر
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «إذا أبو قاسم جادت لنا يده»

وقال آخر:

يرى العواقب فى أثناء فكرتهكأنّ أفكاره بالغيب كهّان
للشاعر أَبو الحسن بن مُطَرِّف، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

بديهته وفكرته سواءإذا ما نابه الخطب الخطير
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «بقاء الدين والدنيا جميعا»
وأحزم ما يكون الدهر يوماإذا عجز المشاور والمشير

ومن الناس من كره أن يشير، فمنهم عبد الله بن المقفّع؛ وذلك أنّ عبد الله ابن علىّ استشاره فيما كان بينه وبين المنصور؛ فقال: لست أقود جيشا، ولا أتقلّد حربا، ولا أشير بسفك دم، وعثرة الحرب لا تستقال، وغيرى أولى بالمشورة فى هذا المكان.

واجتمع رؤساء بنى سعد إلى أكثم بن صيفىّ يستشيرونه فيما دهمهم يوم الكلاب؛ فقال: إنّ وهن الكبر قد فشا فى بدنى، وليس معى من حدّة الذّهن ما أبتدئ به الرأى، ولكن اجتمعوا وقولوا، فإنّى إذا مرّ بى الصواب عرفته. وسيأتى خبر كلامه فى وقائع العرب؛ وإنما أوردناه فى هذا الموضع لدخوله فيه والتئامه به، ومناسبته له، لا على سبيل السهو والتّكرار لغير فائدة.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.