تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ما قيل فى حفظ الأسرار

قال الله تعالى إخبارا عن نبيّه يعقوب بن إسحاق حين أوصى يوسف ابنه ﵈: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً.

وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان»

. وقالت الحكماء: صدرك أوسع لسرّك. وقالوا: سرّك من دمك. يعنون أنه ربما كان فى إفشاء السرّ سفك الدّم.

وقالوا: أصبر الناس من صبر على كتمان سرّه، فلم يبده لصديق فيوشك أن يصير عدوّا فيذيعه.

وقالوا: ما كنت كاتمه عن عدوّك فلا تظهر عليه صديقك.

وقال عمرو بن العاص: ما استودعت رجلا سرّا فأفشاه فلمته، لأنّى كنت أضيق صدرا حين استودعته منه حين أفشاه.

قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الفقيه:

إذا كان لى سرّ فحدّثته العداوضاق به صدرى فللنّاس أعذر
للشاعر عبيد الله بن مسعود الهذلي، اقرأ القصيدة
هو السّرّ ما استودعته وكتمتهوليس بسرّ حين يفشو ويظهر

وقال آخر:

فلا تودعنّ الدهر سرّك أحمقافإنّك إن أودعته منه أحمق
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
إذا ضاق صدر المرء عن كتم سرّهفصدر الذى يستودع السّرّ أضيق
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة

وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجّاج:

لا تفش سرّك إلا إليكفإنّ لكل نصيح نصيحا
فإنّى رأيت غواة الرجال لا يتركون أديما صحيحا

وقال الوليد بن عتبة لأبيه: إنّ أمير المؤمنين أسرّ إلىّ حديثا [ولا أراه يطوى عنك ما يبسطه لغيرك] أفلا أخبرك به؟ فقال: [لا!]، يا بنىّ إنّه من كتم سرّا كان الخيار له، ومن أظهره كان الخيار عليه، فلا تكن مملوكا بعد أن كنت مالكا.

وفى كتاب التاج: أن بعض ملوك العجم استشار وزيريه، فقال أحدهما: إنّه لا ينبغى للملك أن يستشير منّا أحدا إلا خاليا به، فإنّه أموت للسرّ وأحزم للرأى وأجدر بالسلامة وأعفى لبعضنا من غائلة بعض؛ فإن إفشاء السّرّ إلى رجل واحد أوثق من إفشائه إلى اثنين، وإفشاؤه إلى ثلاثة كإفشائه إلى جماعة؛ لأنّ الواحد رهن بما أفشى إليه، والثانى مطلق عنه ذلك الرهن، والثالث علاوة فيه. فإذا كان السرّ عند واحد كان أحرى ألّا يظهره رهبة ورغبة. وإن كان عند اثنين كان الملك على شبهة، واتسعت على الرجلين المعاريض. فإن عاقبهما عاقب اثنين بذنب واحد، وإن اتّهمهما اتّهم بريئا بجناية مجرم. وإن عفا عنهما كان العفو عن أحدهما ولا ذنب له، وعن الآخر ولا حجّة عليه.

وقال علىّ رضى الله عنه: الظّفر بالحزم، والحزم بأصالة الرأى، والرأى بتحصين السرّ.

وقيل: من حصّن سرّه فله من تحصينه إيّاه خلّتان: إمّا الظفر بما يريد، وإما السلامة من العيب والضرر إن أخطأه الظفر.

وقيل: كلّما كثر خزّان السرّ ازداد ضياعا.

ويقال: إذا انتهى السرّ من الجنان إلى عذبة اللسان، فالإذاعة مستولية عليه.

وقال عمرو بن العاص: القلوب أوعية للأسرار، والشّفاه أقفالها، والألسن مفاتيحها، فليحفظ كلّ امرئ مفتاح سرّه. قال شاعر:

صن السرّ عن كلّ مستخبروحاذر فما الحزم إلا الحذر
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «صن السر عن كل مستخبر»
أسيرك سرّك إن صنتهوأنت أسير له إن ظهر
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «صن السر عن كل مستخبر»

وكان يقال: الكاتم سرّه بين إحدى فضيلتين: الظّفر بحاجته، والسلامة من شرّ إذاعته.

ويقال: أصبر الناس من صبر على كتمان سرّه.

وقال آخر: كتمانك سرّك يعقبك السلامة، وإفشاؤه يعقبك الندامة، والصبر على كتمان السرّ أيسر من الندامة على إفشائه. قال شاعر:

إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرّهافسرّك عند الناس أفشى وأضيع
للشاعر عمرو بن العاص، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

تبوح سرّك ضيقا بهوتحسب كلّ أخ يكتم
وكتمانك السرّ ممن تخافومن لا تخافنّه أحزم
للشاعر الحسين بن علي بن أحمد، من قصيدة «تبوح بسرك ضيقاً به»
إذا ذاع سرّك من مخبرفأنت متى لمته ألوم

وكان يقال: لا تظهر كوامن صدرك بإذاعة سرّك، فيمكربك حاسدك، ويظهر عليك معاندك. قال عمر بن أبى ربيعة:

فقالت وأرخت جانب السّتر إنّمامعى فتحدّث غير ذى رقبة أهلى
للشاعر أبو الهدى الصيادي، من قصيدة «جرى ناصح بالود بيني وبينها»
فقلت لها ما بى لهم من ترقّبولكنّ سرّى ليس يحمله مثلى
للشاعر أبو الهدى الصيادي، من قصيدة «جرى ناصح بالود بيني وبينها»

ومما قيل فى استراحة الرجل بمكنون سرّه إلى صديقه- قال الله تعالى:

لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ

. وقالت الحكماء: لكل سرّ مستودع. قال بعض الشعراء:

وأبثثت عمرا بعض ما فى جوانحىوجرّعته من مرّ ما أتجرّع
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وأبثثت عمرا بعض ما في جوانحي»
فلا بدّ من شكوى إلى ذى حفيظةإذا جعلت أسرار نفسى تطلّع

وقال حبيب:

شكوت وما الشكوى لمثلى عادةولكن تفيض الكأس عند امتلائها

وقال أبو الحسن بن محمد البصرىّ:

تعب الهوى بمعالمى ورسومىودفنت حيّا تحت ردم همومى
وشكوت همّى حين ضقت، ومن شكاهمّا يضيق به فغير ملوم
للشاعر ابن لنكك البصري، اقرأ القصيدة

ومما وصف به كتمان السرّ- قيل: أسرّ رجل إلى صديق له حديثا، فلما استقصاه قال: أفهمت؟ قال: بل نسيت. وقيل لآخر: كيف كتمانك للسرّ؟ فقال: أجحد المخبر، وأحلف للمستخبر.

ومن جيّد ما قيل فى كتمان السرّ قول الأوّل:

تلاقت حيازيمى على قلب حازمكتوم لما ضمّت عليه أضالعه
أؤاخى رجالا لست أطلع بعضهمعلى سرّ بعض، إنّ قلبى واسعه

قال قيس بن الخطيم:

إذا جاوز الإثنين سرّ فإنّهبنثّ وتكثير الحديث قمين
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
وإن ضيّع الإخوان سرّا فإنّنىكتوم لأسرار العشير أمين
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
يكون له عندى إذا ما ضممتهمكان بسوداء الفؤاد مكين

وقال أبو إسحاق الصابى:

لسرّ صديقى مكمن فى جوانحىتمنّع أن تدنو إليه المباحث
تغلغل منّى حيث لا تستطيعهكؤوس النّدامى والأنيس المحادث
إذا الفحص آلى جاهدا أن ينالهتراجع عنه وهو خزيان حانث
فقل لصديقى اذا لم السّر آمناإذا لم يكن ما بيننا فيه ثالث

وهذا البيت مأخوذ من قول جميل:

ولا يسمعن سرّى وسرّك ثالثألا كلّ سرّ جاوز اثنين ضائع

وقال الصابى أيضا:

وللسرّ فيما بين جنبىّ مكمنخفى قصىّ عن مدارج أنفاسى
أضنّ به ضنّى بموضع حفظهفأجميه عن إحساس غيرى وإحساسى
فقد صار كالمعدوم لا يستطيعهيقين ولا ظنّ لخلق من الناس
كأنّى من فرط احتياطى أضعتهفبعضى له واع وبعضى له ناسى

وقال كثيّر:

كريم يميت السرّ حتى كأنّهإذا استنطقوه عن حديثك جاهله
رعى سرّكم مستودع القلب والحشاشفيق عليكم لا تخاف غوائله
وأكتم نفسى بعض سرّى تكرّماإذا ما أضاع السرّ فى الناس حامله
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أمن طلل أقوى من الحي ماثله»

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.