من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر استيلاء بجكم على الأهواز وخروج ابن البريدى منها
قال: ولما وصل جواب رسالة ابن البريدىّ إلى محمد بن رائق بالمعالطة عن إعادة جنده من البصرة استدعى بدرا الخرشنى وخلع عليه وعلى بجكم وسيّرهما فى جيش وأمرهما أن يقيما بالجامدة، فبادر بجكم ولم يتوقف على بدر وسار إلى السوس، فأخرج إليه البريدىّ جيشا مع غلامه المعروف بالحمال عدته ثلاثة آلاف مقاتل، فالتقوا واقتتلوا بظاهر السوس. وكان مع/ بجكم مائتان وسبعون رجلا من الأتراك فانهزم أصحاب البريدى وعادوا إلى صاحبهم فضرب الحمال وسبّه ووبّخه على انهزامه ثم ردّه وأضاف إليه من لم يشهدوا الواقعة فبلغوا ستة آلاف رجل.
فلما التقوا انهزموا من غير قتال، فلما رآهم البريدى ركب هو وإخوته ومن يلزمه فى سفينة ومعه ما بقى عنده من المال وهو ثلاثمائة ألف دينار فغرقت السفينة بهم، فأخرجهم الغواصّون وقد كادوا يهلكون، وأخرج الغواصون باقى المال لبجكم ووصل
أولاد البريدى إلى البصرة وأقاموا بالأبلة وأعدّوا المراكب للهرب إن هزم إقبال، وسيّر أبو عبد الله البريدى غلامه إقبالا إلى مطارا فالتقوا مع أصحاب ابن رائق فانهزمت الرائقية وأسر منهم جماعة فأطلقهم البريدى، وكتب إلى ابن رائق يستعطفه، وأرسل إليه جماعة من أعيان البصرة فلم يجبهم وطلبوا منه أن يحلف لأهل البصرة ليكونوا معه، فامتنع وحلف لئن ظفر بها ليحرقنها ويقتل كل من فيها فازدادوا بصيرة فى قتاله واطمأن البريدىّ وأقام بالبصرة.
ثم جهز ابن رائق جيشا آخر وسيّره فى البرّ وفى الماء، فالتقى عسكره الذى فى البرّ مع عسكر البريدى فانهزم الرائقية، وأما عسكر الماء فانهم استولوا على الكلاء فلما رأى أبو عبد الله/ البريدى ذلك ركب فى السفن وهرب إلى جزيرة أوال، وترك أخاه أبا الحسين بالبصرة فى عسكر يحميها. فخرج أهل البصرة مع أبى الحسين لدفع عسكر ابن رائق عن الكلاء فقاتلوهم وأجلوهم عنه فسار ابن رائق بنفسه من واسط إلى البصرة على الظهر وكتب إلى بجكم ليلحق به فأتاه فيمن عنده من الجند، فتقدّموا وقاتلوا أهل البصرة فاشتد القتال. فرجع ابن رائق وبجكم إلى معسكرهم، وأما أبو عبد الله البريدى فإنه سار إلى عماد
الدولة بن بويه واستجار به وأطمعه فى العراق وهوّن عليه أمر الخليفة وابن رائق، فنفّذ معه أخاه معز الدولة وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
قال: ولما سمع ابن رائق إقبالهم من فارس إلى الأهواز سيّر بجكم إليها، ثم قصد جماعة من أصحاب البريدىّ عسكر ابن رائق ليلا فصاحوا فى جوانبه، فانهزموا. فلما رأى ابن رائق ذلك أمر بإحراق سواده وآلاته لئلا يغنمه البريديون. وسار إلى الأهواز جريدة وأقام بها أياما، وعاد إلى واسط وكان باقى عسكره قد سبقه إليها.
ودخلت سنة ست وعشرين وثلاثمائة:
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع