من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر غزو الفرنج
وفى سنة سبع وسبعين ومائة أغزى هشام عبد الملك بن عبد الواحد ابن مغيث فى جيش، فدخلوا بلاد الفرنج فبلغوا أربونة وجرندة فبدأ بجرندة وبها حامية الفرنج فقتل رجالها وهدم أسوارها وأشرف على فتحها. ورحل عنها إلى أربونة ففعل مثل ذلك وأوغل فى بلادهم ووطىء برطانية واستباح حريمها وقتل مقاتلتها وجاس البلاد شهورا يخرّب الحصون ويحرق ويغنم. وجفل العدو بين يديه، وأوغل فى بلادهم ورجع ومعه الغنائم وما لا يحصى كثرة، وهى أشهر مغازى المسلمين بالأندلس.
وفى سنة ثمان وسبعين ومائة بعث هشام جيشا مع عبد الكريم ابن عبد الواحد بن مغيث إلى بلاد الفرنج فغزا ألبة والقلاع فغنم وسلم. وسيّر جيشا آخر مع أخيه عبد الملك بن عبد الواحد إلى بلاد الجلالقة فخرّب دار ملكهم وكنائسه وغنم، فلما قفل المسلمون ضلّ الدليل بهم فنالهم مشقة شديدة ومات منهم خلق كثير، ونفقت دوابّهم وتلفت آلاتهم، وعاد من سلم منهم.
ثم بعثه فى سنة تسع وسبعين فى جيش كثيف فساروا حتى انتهروا إلى أسترقة وكان ملك الجلالقة قد جمع وحشد واستمد جيرانه من الملوك، وصار فى جمع عظيم. فلما قدم عبد الملك رجع ملك الجلالقة هيبة له، وتبعهم عبد الملك يقفو أثرهم ويخرب.
وهتك حريم ملك الجلالقة! وبلغه أنه احتمى بواد فسار إليه وواقعه يوم الجمعة لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة فهزمه، وقتل من قمامصتهم ورؤسائهم كثيرا، ورجع سالما.
وكان هشام قد سيّر جيشا آخر من ناحية أخرى، فدخلوا البلاد أيضا على ميعاد من عبد الملك، فأخربوا ونهبوا وغنموا فلما أرادوا الخروج من بلاد العدو عارضهم عسكر الفرنج، فنال منهم، وقتل من المسلمين، ثم تخلصوا وعادوا.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع