تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر وفاة الحسن بن زيد وشىء من أخباره وسيرته

كانت وفاته يوم الاثنين لثلاث خلون من رجب سنه سبعين ومائتين، فكانت مدة ولايته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وستة أيام- وقيل- واثنى عشر يوما، وكان مهيبا عظيم الخلق. حكى صاحب كنوز المطالب في بنى أبى طالب عن الصولى: أن الحسن عطس يوما عطسة، وكان رجل يؤذن في المنارة ففزع فسقط منها إلى الأرض فمات. قال:

وكان أقوى البغال لا تحمله أكثر من فرسخين، وكان في آخر عمره يشق بطنه ويخرج منه الشحم ثم يخاط. وكان جوادا ممدوحا، امتدحه رجل فأعطاه عشرة آلاف درهم، وفيه يقول محمد بن إبراهيم الجرجانى وقد افتصد:

إنّما غيّب الطبيب شبا المبضع عندى في مهجة الإسلام
سرّت الأرض حين صبّ عليهادم خير الورى وأعلى الأنام

وكان متواضعا لله ﷿. حكى عنه أنه مدحه شاعر فقال الله فرد وابن زيد فرد، فردّ فقال: بفيك الكثكث يا كذّاب!! لم لا قلت: الله فرد وابن زيد عبد، ثم نزل عن مكانه وخرّ ساجد الله تعالى، وألصق خدّه بالتراب وحرم ذلك الشاعر. وكان عالما بالشعر والعربية.

فمدحه شاعر فقال:

لا تقل بشرى ولكن بشريانغرّة الداعى ويوم المهرجان

فقال: كان الواجب أن تفتح الأبيات بغير لا، لأن الشاعر المجيد يتخيّر لأول القصيدة، ما يعجب السامع ويتبرّك به، ولو ابتدأت بالمصراع الثانى لكان أحسن، فقال الشاعر: ليس في الدنيا كلمة أجلّ من لا إله إلا الله وأوّلها لا، فقال له الحسن: أصبت، وأجازه. وأهدى إليه أبو العمر الطبرى سهمين في بعض الأعياد عليهما مكتوب:

أهديت للداعى إلى الحقسهمى فتوح الغرب والشرق
للشاعر أبو الغَمْر الطبري، اقرأ القصيدة
زجّاهما النصر وريشاهماريشا جناحى طائر المسبق
للشاعر أبو الغَمْر الطبري، اقرأ القصيدة
أيّد هذا للفال بالصدقهما بشيرا دعوة الحق

فسرّه الفأل، وأعطاه عشرة آلاف درهم. وحكى عنه أنه غنى عنده مغن بأبيات الفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب، التى أوّلها:

وأنا الأخضر من يعرفنىأخضر الجلدة من بيت العرب
للشاعر الأخضر اللهبي، اقرأ القصيدة

فلما وصل إلى قوله:

برسول الله وابنى عمّهوبعبّاس بن عبد المطّلب

غيّر البيت فقال: لا بعبّاس بن عبد المطّلب، فغضب الحسن وقال: يا ابن اللخناء، أتهجو بنى عمّنا بين أيدينا، وتغيّر ما مدحوا به؟!، إن فعلتها مرة ثانية لأجعلنّها آخر غنائك.

وكان الحسن شاعرا فمن شعره:

لم نمنع الدنيا لفضل بهاولا لأنّا لم نكن أهلها
لكن لنعطى الفوز في جنّةما إن رأى ذو بصر مثلها
هاجرها خير الورى جدّنافكيف نرجو بعده وصلها

وله أشعار مستحسنة تركناها اختصارا، وكان كاتبه سعيد بن محمد الطبرى. قال: ولما مات قام بالأمر بعده أخوه محمد بن زيد.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.