من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر مقتل الوزير نظام الملك
وفي ليلة السبت العاشر من شهر رمضان سنة خمس وثمانين وأربعمائة قتل الوزير خواجا بزرك قوام الدين نظام الملك أبو على الحسن بن على بن إسحاق بالقرب من نهاوند، وكان هو والسلطان ملكشاه قد عادا من أصفهان إلى بغداد، فلما كان بهذا المكان بعد أن فرغ من إفطاره، وقام من خيمته إلى خيمة حرمه، أتاه صبى ديلمى من الباطنية في صورة مستميح، أو مستغيث، فوثب عليه، وضربه بسكين، فمات، وهرب الصبى، فعثر في أطناب الخيمة، فأدركوه وقتلوه، ولما قتل ركب السلطان إلى خيمته، وسكن عسكره وأصحابه،
وقيل في سبب موته أنه كان قد ولى عثمان بن ابنه جمال الملك رئاسة مرو، فأرسل السلطان إليها شحنة من أكبر مماليكه، وأعظم أمرائه يقال له:
قودن، فجرى بينه، وبين عثمان منازعة، فحملت عثمان حدة الشبيبة على قبضه، والإخراق به، ثم أطلقه، فجاء إلى السلطان مستغيثا، وأخبره بما صنع به عثمان، فغضب السلطان، وأرسل إلى جده الوزير نظام الملك يقول: «إن كنت شريكى في الملك، ويدك مع يدى في السلطنة فلذلك حكم، وإن كنت نائبى، فيجب أن نلتزم حد البيعة، والنيابة. هؤلاء أولادك قد استولى كل منهم على كورة عظيمة، وولاية كبيرة، ولم يقنعهم ذلك حتى تجاوزوا أمر السياسة إلى أن فعلوا كيت وكيت ... »، وأطال القول، وأرسل إليه بهذه الرسالة تاج الملك، ومجد الملك الباسلانى وغيرهما، من أرباب دولته، وأرسل معهم الأمير «باليرد »، وكان من ثقاته، وقال له: تعرفنى ما يقول، فربما كتم هؤلاء شيئا، فحضروا عند الوزير، وأدوا الرسالة، فقال: قولوا للسلطان إن كنت ما عمت أنى شريكك في الملك فاعلم، فإنك ما نلت هذا الأمر إلا بيدى، ورأيى، أما يذكر حين قتل أبوه، فقمت بتدبير أمره، وقمعت الخوارج عليه
من أهله وغيرهم، وهو في ذلك الوقت يتمسك بى ويلازمنى، ولا يخالفنى، فلما رددت الأمور إليه، وجمعت الكلمة عليه، وجمعت له الأمصار القريبة والبعيدة سمع فيّ السعايات. قولوا له: «إن ثبات هذه القلنسوة [معذوق] بهذه الدواة، وأن انفاقهما رباط كل رعية، وسبب كل غنيمة، ومتى أطبقت هذه زالت تلك». فى كلام كثير قاله، فلما خرجوا من عنده اتفقوا على كتمان ما قاله عن السلطان، ومضى كل منهم إلى خيمته وجاء باليرد إلى السلطان، فأخبره بما قاله الوزير على غرة، وجاء الجماعة بكرة النهار إلى السلطان، فأخبروه عنه بالعبودية، فقال لهم: إنه قال: كيت وكيت، فأشاروا عند ذلك بكتمانه رعاية لحق نظام الملك، ولعظم شأنه، فإن مماليكه كانوا قد أنافوا على عشرين ألفا غير الجند والأتباع، فوقع التدبير عليه حتى قتل، وظن السلطان أن الدنيا قد صغت له بعد ذلك، فما عاش بعده إلا خمسة وثلاثين يوما.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع