من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر أخبار مجير الدين ابق ابن جمال الدين محمد بن بورى ابن طغرتكين
ملك دمشق بعد وفاة أبيه فى ثامن شعبان سنة أربع وثلاثين وخمسماية، وهى إذ ذاك محاصرة، فقام بتدبير دولته معين الدين مدبر دولة أبيه. وداوم زنكى الحصار وضيق على أهل البلد، فعند ذلك راسل أنر الفرنج واستدعاهم لنصرته، وإعانته على حرب زنكى. وبذل لهم بذولا من جملتها أن يحاصر بانياس ويسلمها إليهم. وخوفهم أن زنكى إن ملك دمشق قصدهم وغزاهم. فاجتمعوا وعزموا على المسير إلى دمشق، فاتصل ذلك بزنكى فتوجه إلى حوران
وقصد غزو الفرنج وذلك فى منتصف شهر رمضان. فبلغ خبره الفرنج فأقاموا ببلادهم، فعاد إلى حصار دمشق ثم نزل بعذرا فى سادس شوال، وأحرق عدة ضياع من المرج والغوطة، وعاد إلى بلاده.
ووصل الفرنج إلى دمشق فى ميعاد أنر، بعد رحيل زنكى فسار معهم إلى بانياس وحصرها وأخذها وسلمها للفرنج. ولما فعل ذلك عاد زنكى لمحاصرة دمشق فقاتله أهلها، فرحل عنهم. ثم اتفق قتل عماد الدين زنكى فى سنة إحدى وأربعين وخمسماية، فسار مجير الدين ابق إلى بعلبك وحصرها وبها نجم الدين أيوب، فخاف أن أولاد زنكى لا يمكنهم إنجاده فى عاجل الحال، فصالحه وسلم القلعة إليه، وأخذ منه إقطاعا ومالا، وملكه عدة قرى من بلد دمشق.
وانتقل نجم الدين أيوب إلى دمشق وسكنها، وأقام بها، واستمرت دمشق بيد مجير الدين إلى أن ملكها نور الدين محمود بن زنكى فى سنة تسع وأربعين وخمسماية على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخباره.
ولما ملكها [نور الدين] تحصن مجير الدين بالقلعة، فراسله فى تسليمها وبذل له إقطاعا من جملته مدينة حمص، فأجاب إلى ذلك، وسلم القلعة وتسلم الإقطاع، وسار إلى حمص. ثم راسل أهل دمشق بعد ذلك على أن يسلموها إليه. فعلم نور الدين به،
وأخذ منه حمص وعوضه عنها بالس فلم يرض بها، وسار إلى بغداد وابتنى بها دارا بالقرب من النظامية. وتوفى بها.
هذا ما كان من أخبار ملوك دمشق على سبيل الاختصار، وإنما أوردنا أخبارهم فى هذا الموضع على سبيل الاستطراد، ولئن تكون أخبارهم متتابعة. فلنرجع إلى أخبار الملوك السلجقية، ولنذكر ملوك الروم منهم.
ذكر أخبار الملوك السلجقية أصحاب قوينة واقتصرا وملطية ودقوقا من الروم
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع