من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر فتح مدينة أنطاكية
وفى سنة سبع وسبعين وأربعماية سار سليمان من بلاده، وقصد الشام وملك مدينة انطاكية، وكانت بيد الروم من سنة ثمان وخمسين وثلثماية. وكان سبب ملكه إياها أن صاحبها الفزدرؤس الرومى كان قد سار عنها إلى بلاد الروم، ورتب فى انطاكية شحنة وكان الفزدرؤس كثير الإساءة إلى أهل البلد وإلى جنده، حتى أنه حبس ابنه، فاتفق ابنه والشحنة على تسليم البلد إلى سليمان، فكاتبوه يستدعونه فركب فى البحر ومعه ثلثماية فرس وكثير من الرجالة، وخرج منه وسار فى جبال وعرة ومضايق شديدة حتى وصل إليها فى وقت الموعد، فنصب السلاليم وصعد باتفاق من الشحنة وابن صاحبها، فملكها فى شعبان من السنة. وقاتله أهل البلد فهزمهم مرة بعد أخرى، وقتل كثيرا منهم، ثم عفا
عنهم، وتسلم القلعة وأخذ من الأموال ما لا يحصى كثرة، وأحسن إلى الرعية وعدل فيهم، وأرسل إلى السلطان ملكشاه يبشره بالفتح فأظهر الفرح بذلك وهنأ الناس.
قال: ولما فتحها أرسل إليه شرف الدولة مسلم بن قريش صاحب حلب يطلب منه حمل ما كان صاحب انطاكية يحمله إليه، ويخوفه معصية السلطان. فأجابه أن صاحب انطاكية كان كافرا يحمل الجزية عن رأسه وأصحابه، وأنا مسلم والخطبة والسكة فى بلادى للسلطان، وهذا الفتح إنما فتحته بسعادته وكاتبته به. فنهب شرف الدولة بلد انطاكية، ونهب سليمان بلد حلب، فلقيه أهل السواد، فشكوا إليه من نهب عسكره. فقال لهم: «أنا كنت أشد كراهة لما جرى، ولكن صاحبكم أحوجنى إلى ما فعلت، فلم تجر عادتى بنهب مال مسلم. ولا أخذ ما حرمته الشريعة» وأمر أصحابه بإعادة ما نهب على أصحابه، فأعادوه. ثم جمع شرف الدولة الجموع وسار لقتال سليمان. فالتقوا واقتتلوا، فانهزم عسكر شرف الدولة وقتل هو؛ وذلك فى يوم الجمعة لست بقين من صفر سنة ثمان وسبعين وأربعماية.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع