تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر أخبار أبى نجاح بن فنا النصرانى الراهب وقتله

كان هذا الرّاهب من أهل أشموم طنّاح. وكان قد خدم ولىّ الدّولة يحنّا بن أبى الليث، ثم اتّصل بالخليفة الآمر بعد القبض على المأمون. وبذل فى مصادرة قوم من النّصارى مائة ألف دينار، فأطلق يده فيهم. وتسلسل الأمر إلى أن عمّ البلاء منه جميع رؤساء الدّيار المصريّة وقضاتها وكتّابها وغيرهم. ولم يبق أحد إلا ناله منه مكروه من الضّرب والنهب وأخذ المال. وارتفع شأنه عند الآمر حتى كان يعمل له ملابس

مخصوصة به بدمياط وتنّيس من الصّوف الأبيض المنسوج بالذّهب، فكان يلبسها ويلبس من فوقها الغفافير الدّيباج. وكان يتطيب فى كلّ يوم بعدة مثاقيل من المسك. وكان يركب الحمير بالسّروج المحلّاة بالذهب والفضة، ويجلس فى قاعة الخطابة بالجامع العتيق بمصر ويستدعى النّاس للمصادرة. فاستدعى فى بعض الأيام رجلا يعرف بابن الفرس، وكان من أكابر العدول ذوى الهيئات والدّيانة، والناس يعظمونه ويبجّلونه- وأوقع به الإهانة والإخراق؛ فخرج من عنده ووقف فى الجامع يوم الجمعة وقال: يا أهل مصر، انظر واعدل مولانا الآمر فى تمكينه هذا النّصرانى من المسلمين! فارتجّ الناس لكلامه وكادت تكون فتنة؛ فدخل جماعة على الآمر وخوّفوه العاقبة، وعرّفوه ما حلّ بالمسلمين منه فاستدعاه، وكان فى المجلس رجل من الأشراف، فأنشد الآمر أبياتا منها:

إن الّذى شرّفت من أجلهيزعم هذا أنّه كاذب

فقال له الآمر: ما تقول يا راهب؟ فمسكت. فأمر به فقتل. وكان الّذى تولّى قتله الأمير مقداد والى مصر، وصلبه على الجسر. ثم أنزل وربط على خشبة ورمى فى بحر النيل وخرجت الكتب إلى الأعمال البحريّة أنّه إذا ألقاه الماء إلى جهة أخرجوه عنها حتّى ينتهى إلى البحر المالح.

ولما قتل هذا الرّاهب وجدوا له مقطعا فيه ثلاثمائة طرّاحة سامان محشوة، جددا، لم تستعمل. هذا من هذا النّوع، خلا ما وجد من الذّهب والفضة والأقمشة والديباج.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.