تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر متجدّدات كانت بالشام فى هذه السنة خلاف ما ذكرناه

فى هذه السنة فى شهر ربيع الأول فوض قضاء القضاة بدمشق على مذهب الإمام «أحمد بن حنبل» لقاضى القضاة عزّ الدين محمد بن قاضى القضاة تقى الدين سليمان الحنبلى عوضا عن قاضى القضاة شمس الدين بن مسلم بحكم وفاته، كما تقدم، ووصل تقليده إلى دمشق فى يوم الخميس الثامن عشر من الشهر، وخلع عليه، وقرىء تقليده فى يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر، وجلس للحكم بالمدرسة الجوزية على عادة والده رحمه الله تعالى.

وفيها فى مستهل شعبان فوضت مشيخة المشايخ بدمشق لقاضى القضاة شرف الدين محمد بن القاضى معين الدين أبى بكر المالكى مضافة إلى الحكم، وجلس بالخانقاة السّميساطية لذلك فى يوم الجمعة السادس والعشرين من الشهر.

وفيها فى سابع شهر رمضان فوض قضاء القضاة بدمشق على مذهب الإمام أبى حنيفة للقاضى عماد الدين أبى الحسن على بن محيى الدين أحمد ابن عبد الواحد الطّرسوسى الحنفى عوضا عن القاضى صدر الدين البصروى بحكم وفاته على ما نذكره، ووصل تقليده إلى دمشق فى يوم الأربعاء سادس عشر شهر رمضان، وخلع عليه فى يوم الخميس/ سابع عشر الشهر، وجلس للحكم بالمدرسة النّوريّة.

وفيها فوض قضاء القضاة بحلب المحروسة للقاضى فخر الدين عثمان بن [محمد بن] عبد الرحيم بن إبراهيم البارزى الحموى الشافعى، وكان يلى الخطابة بحماة، وينوب عن عمه قاضى القضاة شرف الدين فى الحكم بحماة.

وفيها فى نصف رمضان وصل إلى دمشق المحروسة جماعة من الأسرى [المسلمين] من بلاد الفرنج نحو مائة وأربعين أسيرا، ومعهم جماعة من تجار الفرنج تولوا استيفادهم، فجعلوا فى المدرسة العادلية الكبيرة بدمشق، ورسم بإعطاء التجار الفرنج ما ذكروا أنهم صرفوه وأنفقوه عليهم، بعد تحليفهم وتحليف الأسرى [وكان ذلك نحو ستين ألف درهم، فلما قبض التجار ذلك من

ريع الأوقاف على فكاك الأسرى أطلق الأسرى] وكان سبب سعى التجار فى فكاك هؤلاء الأسرى أن قاضى القضاة جلال الدين القزوينى أشهد على نفسه أنه جعل لكل من يحضر أسيرا من المكان الفلانى مبلغا عيّنه، وكتب بذلك مكتوبا، وعرف التجار ذلك، فسعوا فيه، وجعلوه من جملة متاجرهم، و «نقلت هذه الواقعة من تاريخ الشيخ علم الدين بن البرزالى ».

وفى يوم الاثنين الخامس والعشرين من ذى القعدة فوضت نيابة السلطنة بقلعة دمشق المحروسة إلى الأمير علاء الدين مغلطاى الخازن أحد الأمراء بدمشق عوضا عن الأمير علم الدين سنجر الدميثرى واستقر الدميثرى من جملة الأمراء بدمشق المحروسة.

وفيها فى يوم الاثنين الخامس والعشرين من ذى القعدة أيضا خلع على الأمير سيف الدين بلبسطى، وفوض إليه نيابة بحمص عوضا عن بلبان البدرى، رحمه الله تعالى، وكانت وفاة البدرى فى ليلة عيد الفطر من السنة بحمص، وحمل إلى دمشق، وصلى عليه بسوق الخيل، ودفن يوم السبت بسفح قاسيون.

وفيها فى التاريخ أيضا فوّض نظر أوقاف القدس الشريف، وحرم الخليل ﵊ إلى الأمير سيف الدين إبراهيم بن الأمير علم الدين الجاكى، وخلع عليه، وتوجه.

وفيها فى العشر الأول من ذى الحجة كمل ترخيم الحائط الشمالى بالجامع الأموى بدمشق، وكان فى الدولة الظاهرية/ الركنية قد رخّم

من جهة الشرق إلى باب الكلّاسة، ولم يكمل، واستمر كذلك إلى الآن، فرسم بترخيمه، فكان ذرع الذى استجد الآن من باب الكلّاسة إلى زاوية الغزالى ستون ذراعا طولا وفى الارتفاع ستة، وعمل بأعلاه طراز مذهّب.

وفى هذه السنة توفى أحد أولاد السلطان الملك الناصر وهو طفل، لعله الذى ذكرنا أنه ولد فى ثامن عشر المحرم من هذه السنة ودفن بتربة الخوند أردكين ابنة نوكاى زوج السلطان.

وتوفى فى ليلة الاثنين المسفرة عن السادس والعشرين من جمادى الأولى قبيل العشاء الآخرة الشيخ الصالح ضياء الدين محمد المعروف بالمعبدى وهى نسبة إلى معبد الشيخ محيى الدين الفارسى بالقرافة، وكانت وفاته بمنزله بجوار الزاوية المعروفة به بخطّ موردة الخلفاء بمصر، بشاطىء نيلها، وصلّى عليه بالجامع الناصرى، وأم الناس فى الصلاة عليه قاضى القضاة بدر الدين الشافعى، ثم صلّى عليه ثانيا فى جامع عمرو بن العاص بمصر، ودفن بالقرافة بتربته فى قبر كان قد حفره لنفسه، وأعده لدفنه فى حال حياته، وكان رحمه الله تعالى كثير الخدمة للفقراء، والتكرم عليهم والإنفاق، وله مروءة وافرة، كثير التعصب والقيام مع من يقصده، يطّرح/ الكلفة جدا، كان ينفق على الفقراء الواردين وغيرهم ممن يقصده النفقات الكثيرة، ويطعمهم الأطعمة اللذيذة الفاخرة، ويفرّجهم فى المستنزهات، وهو فى غالب أوقاته يلبس الدّلق المرقّع بغير قميص، وكان حسن المحاضرة، كثير النوادر، مشهورا بالخلاعة والانبساط رحمه الله تعالى/.

وتوفى فى يوم الأحد الثامن من شهر رجب القاضى الإمام الفاضل العالم نجم الدين أبو العباس أحمد بن صدر الدين محمد بن رشيد الدين حرمى الشافعى القمولى نائب الحكم العزيز بمصر، وناظر الحسبة بها، وكانت وفاته [بداره] بمصر، وصلّى عليه بجامع عمرو بن العاص عقيب صلاة الظهر من اليوم المذكور، وكانت جنازته مشهودة، حضرها القضاة والحكام والأكابر وغيرهم من العوام، ومولده فى سنة ثلاث وخمسين وستمائة تقريبا بقمولة من غربية مدينة قوص، وكان رحمه الله تعالى رجلا ديّنا فاضلا فقيها عالما، صنف: «كتاب البحر المحيط فى شرح الوسيط» فى نحو ثمانية عشر مجلدا كبارا، واختصره فى ثمانى مجلدات وسمى المختصر: «جواهر البحر» وشرح مقدمة الشيخ أبى عمر بن الحاجب فى النحو فى مجلدين وشرح الأسماء الحسنى، وغير ذلك من التآليف رحمه الله تعالى/.

وتوفى فى ليلة الأحد خامس عشر شهر رجب الشيخ الصالح أبو القاسم عبد الرحمن بن موسى بن خلف الحدافى وكانت وفاته بالبرج بقلعة الجزيرة مقابل مصر، وبه كان يسكن، وصلّى عليه بجامع عمرو بن العاص بعد صلاة الظهر، ودفن بسفح المقطّم بتربة الشيخ تاج الدين بن عطاء الله، بجوار تربة الشيخ أبى محمد بن أبى حمزة، وكان الشيخ عبد الرحمن رجلا صالحا زاهدا عابدا منقطعا متخلّيا عن الدنيا، رحمه الله تعالى.

وتوفى بحلب الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير سيف الدين أرغون الناصرى نائب السلطنة الشريفة والده، وكانت وفاته فى يوم السبت ثالث عشر شعبان، ونقل الشيخ علم الدين بن البرزالى فى تاريخه أنه توفى فى

يوم الجمعة ثانى عشره، ودفن يوم السبت، وكان قد استقر عند انتقال والده إلى نيابة السلطنة بحلب فى جملة الأمراء مقدمى الألوف بحلب، فمرض ومات، فوصل الخبر إلى الأبواب السلطانية فى يوم الأربعاء رابع عشرين الشهر، وكان قبل ذلك قد توفى أخوه الصغير أحمد، وهو من أمراء العشرات بحلب، ووصل الخبر أيضا بمرض والده وأخوته، فرسم السلطان أن يتوجه صلاح الدين بن البرهان أحد الأطباء بالباب الشريف، فتوجه إليهم على خيل البريد فى يوم الجمعة تاسع عشر الشهر.

وتوفى فى يوم الثلاثاء ثامن شهر رمضان/ القاضى عز الدين عبد العزيز بن [أحمد بن] عمر بن عثمان بن الخضر الهكّارى قاضى الأعمال الغربية، ويعرف بابن خطيب الأشمونين، وكانت وفاته بالقاهرة، وكان قد حضر من المحلة للسلام على قاضى القضاة جلال الدين فمرض ودامت به العلة إلى أن مات، وكان فقيها فاضلا نزها كريم الأخلاق، رحمه الله تعالى.

وتوفى فى يوم الثلاثاء ثامن شهر رمضان أيضا الأمير سيف الدين قطلوبغا [بن عبد الله] المغربى الناصرى الحاجب، وكان قد توجه صحبة الرسل إلى حلب كما ذكرنا، فمرض فى سفره، وعاد فعجز عن الركوب، فحمل فى محفّة، ورحل إلى القاهرة فى يوم الاثنين سابع عشر شهر رمضان، فبات بداره ليلة واحدة، ومات رحمه الله تعالى، وكان السلطان قد أعده لمهمّاته، ووعده بتقدمة ألف، فعاجلته المنية عن بلوغ الأمنية.

وفيها فى آخر ليلة الأربعاء سادس شهر رمضان توفى القاضى كمال الدين أبو المعالى محمد بن الشيخ علاء الدين على بن الشيخ كمال الدين عبد الواحد

ابن خطيب زملكا زين الدين عبد الكريم بن خلف بن نبهان الأنصارى الشافعى، المعروف بابن الزّملكانى، وكانت وفاته بمدينة بلبيس مدينة الأعمال الشرقية من الديار المصرية، وكان قد استدعى من حلب بالأمر السلطانى، لينقل إلى قضاء الشام، فجاء على خيل البريد، فلما انتهى/ إلى منزلة الصالحية مرض، فوصل إلى بلبيس، وقد اشتد به المرض فمات، وحمل إلى القرافة فى ليلة الخميس، فدفن بالقرب من قبر قاضى القضاة إمام الدين القزوينى جوار قبة الإمام الشافعى، ومولده فى ليلة الاثنين ثامن شوال سنة سبع وستين وستمائة، وكان من أعيان العلماء بمذهب الإمام الشافعى ومن الفضلاء، ولى كتابة الدّرج بدمشق مدة طويلة، وتنقل فى الولايات ودرس فى أجلّ مدارس دمشق، ثم نقل إلى قضاء حلب، كما تقدم، وله شعر حسن، وترسّل جيد، رحمه الله تعالى.

وتوفى فى يوم الأحد تاسع عشرين ذى الحجة الأمير سيف الدين كوجرى [ابن عبد الله] أمير شكار، وهو من أمراء المائة مقدمى الألوف، رحمه الله تعالى.

وتوفى بدمشق فى مستهل شهر ربيع الأول الأمير ناصر الدين إبراهيم بن الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك الزاهد داود بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن الملك القاهر ناصر الدين محمد بن الملك المنصور أسد الدين شيركوه بن شادى، ودفن بقاسيون، وكان من جملة مقدمى الحلقة بدمشق المحروسة، رحمه الله تعالى.

وتوفى بدمشق أيضا فى عشية نهار الأربعاء العشرين من جمادى الآخرة الملك الكامل، وهو الأمير/ ناصر الدين محمد بن الملك السعيد فتح الدين عبد الملك بن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن [نجم الدين] أيوب، وصلّى عليه بعد صلاة الظهر بالجامع الأموى، وحمل إلى تربة الملك الكامل بن الملك العادل وهو عم أبيه، وجده لأمه ربيعة خاتون ابنة الملك الكامل، فأغلق باب التربة دون تابوته عامل التربة موسى بن أخت صاين الدين خطيب مصلّى العيدين، وامتنع من الموافقة على دفنه بها، فتألم الناس لذلك، وضربوا موسى المذكور، ولم يفتح الباب، فتوجّهوا/ بجنازته إلى تربة أم جده الملك [الصالح، وكشفوا الأزج فوجدوه مملوءا بالأموات] فجاءوا به إلى قبر أبيه فوجدوه ضيقا، فأحضروا الحجّارين فشقوا له قبرا ودفن [عند مغيب الشمس وكان نائب السلطنة] يومئذ بالمرج، فطولع بذلك، فرسم أن يدفن عند والدته، فامتنع أهله من نقله، ومولده فى ليلة [الاثنين بطريق الحجاز الشريف، بمنزلة تسمى العقاب، بثنيّة راطية خامس ذى القعدة سنة ثلاث] وخمسين وستمائة سمع صحيح مسلم من ابن عبد الدايم وسمع من غيره، وحدث وكان من أمراء [الطبلخاناة بالشام، كثير التواضع والمجون] حسن المذاكرة والمداعبة، كثير النوادر، ولما مات أنعم السلطان على ولده صلاح الدين [بإمرة طبلخاناه، وعلى ولده] الأصغر بإمرة عشرة، وركبا بالخلع فى رابع عشرين رجب بدمشق.

وتوفى بدمشق أيضا فى يوم الأربعاء [الرابع والعشرين من] جمادى الأولى الشيخ العالم شرف الدين أبو محمد عبد الله/ بن الشيخ

شهاب الدين أبى المحاسن عبد الحليم بن الشيخ الإمام مجد الدين أبى البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبى القاسم بن محمد بن تيمية الحرّانى الحنبلى، وهو أخو الشيخ تقى الدين، وصلّى عليه بعد صلاة الظهر بجامع دمشق، ثم صلى عليه بباب قلعة دمشق، وكانت جنازته مشهودة، ثم حمل إلى ظاهر باب النصر فصلى عليه مرة ثالثة، ثم صلى عليه مرة رابعة، ودفن بمقبرة الصوفية عند والده وأهله ﵏، ومولده بحران فى الحادى والعشرين من المحرم سنة ست وستين وستمائة.

وتوفى فى يوم الأربعاء بعد العصر الثالث من شعبان قاضى القضاة صدر الدين أبو الحسن على بن الشيخ صفى الدين أبى القاسم [بن محمد بن عثمان ابن محمد البصروى] الحنفى ببستانه بأرض سطرا ظاهر دمشق، وصلّى عليه بكرة [الخميس بسوق الخيل، ودفن بسفح قاسيون، وأوصى بثلث ماله فى بكرة نهار] وفاته صدقة على الفقراء والمساكين، ومولده فى ثالث شهر رجب سنة اثنتين وأربعين وستمائة بقلعة بصرى، وسمع من ابن عبد الدايم وابن عطاء وغيرهما، وحدث رحمه الله تعالى.

وتوفى بدمشق الصدر شمس الدين محمد بن الشيخ الفاضل شهاب الدين محمود بن سليمان بن فهد الحلبى صاحب ديوان المكاتبات بدمشق فى ليلة السبت عاشر شوال، وصلى عليه بالجامع الأموى، ودفن من الغد بتربة والده

بسفح جبل/ قاسيون، ومولده فى يوم الأحد ثامن شوال سنة تسع وستين وستمائة رحمه الله تعالى، ولما توفى استقر فى كتابة الدّرج بعده بدمشق القاضى محيى الدين بن فضل الله، ولبس التشريف، وباشر الوظيفة فى يوم السبت الثالث والعشرين من ذى القعدة، واستقر شرف الدين ولد شمس الدين فى التوقيع بين يدى نائب السلطنة على ما كان عليه القاضى محيى الدين بن فضل الله، وخلع عليه أيضا فى اليوم المذكور، والله أعلم.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.