تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر خبر يوسف الكيماوى ومقتله

وفى هذه السنة فى يوم الخميس سابع عشر شهر رمضان وصل إلى الأبواب السلطانية إنسان اسمه يوسف الكركى، ويعرف جوك من جهة نائب السلطنة الشريفة بالشام، وهو من مسالمة نصارى الكرك، كان يدّعى أنه وصل إلى علم الكيمياء، واشتهر أمره بالشام، واتصل ببعض الأمراء، وهو بهادر التّقوى الجمقدار بدمشق، وتحيّل عليه، وأخذ منه جملة من المال، وتنقل فى مدن الشام وقراها، وتحيل على أهلها، وأفسد عليهم أموالهم، واعتقل بقلعة صفد مدة، ثم أفرج عنه، وعاد إلى دمشق، وسلك طريقه، فانتهى أمره إلى نائب السلطنة الأمير سيف الدين تنكز، فأحضره، واتضح له حاله، فهمّ بقتله وإعدامه، فقال له: أرسلنى إلى السلطان فإننى إذا وصلت إليه ملأت له قلعة الجبل ذهبا وفضة، فجهزه إلى الأبواب السلطانية، فوصل فى التاريخ المذكور، ومثل بين يدى السلطان، وادّعى أنه يعرف صناعة الكيمياء، فسلمه إلى الأمير سيف الدين بكتمر الساقى، فتحيل، وداك شيئا من الفضة الحجر، وألقى عليه الزّئبق فصعد الزئبق واستقر ما كان داكه فلم يشك السلطان فى صدقه، وخلع عليه خلعة سنية، وطلب من السلطان فضة مصفاة مشحرة، وذهبا أفلوريّا، وزئبقا، فطلب الزئبق من القاهرة ومصر والإسكندرية، واستنفد جميع ما عند الناس من الزئبق، وأخذ جملة من الذهب، وأحضر إلى السلطان ألف دينار، وادعى أنها من صنعته، فأنعم عليه بها،

وخلع عليه/ خلعة سنية، وأنعم عليه بفرس بسرج ولجام وكنبوش حرير، وبقى يعد ويمنّى، ثم رجع إلى الكرك على خيل البريد لإحضار حشائش، فتوجه وصحبه من يحفظه، وعاد [وقد ظهر] للسلطان كذبه، فضيّق عليه فتحيل وهرب فى شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، فحرج السلطان لذلك، وشدد على الولاة فى طلبه، فنودى عليه فى المدينتين، وكتب إلى الوجهين- القبلى والبحرى- بطلبه حيث كان، وكتب إلى الشام بطلبه، وإلى ساير الجهات، فقبض عليه فى ذى الحجة من السنة بمدينة أخميم من الصعيد، وجهز إلى الأبواب السلطانية، فوصل فى يوم السبت الرابع والعشرين من ذى الحجة والسلطان بالميدان، فسأله عن المال الذى أخذه، فقال: المال راح، فرسم بضربه، فضرب ضربا شديدا، وحمل فى قفص إلى خزانة شمائل، فاعتقل بها ومات فى ليلة الأحد [خامس عشرى ذى الحجة]، فرسم السلطان بتسميره، فسمّر فى عشية نهار الأحد المذكور بعد أن مات وورم، وبات ليلة الاثنين على خشب التسمير، وحمل فى يوم الاثنين على جمل شق به المدينة إلى باب النصر ودفن. هذا ما كان من أمره.

وفى هذه السنة فى ذى القعدة أمر السلطان بإخراج المجذومين والبرصى من القاهرة ومصر إلى بلدة من أعمال الفيوم، فجمعوا، واعتقلوا حتى كملوا، وأخرجوا فى ليلة السبت سادس عشر الشهر، فوصلوا إلى تلك القرية، وهى خراب لا ساكن بها، فتفرقوا فى البلاد، ثم عاد بعضهم إلى القاهرة ومصر، وسكن أمرهم، والله تعالى أعلم.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.