من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر الفتنة بمكة شرفها الله تعالى
/ وفى هذه السنة فى يوم الجمعة رابع عشر ذى الحجة وقعت الفتنة بمكة- شرفها الله تعالى- وسبب ذلك: أن الحاجّ لما قضوا مناسك الحج توجه بعضهم عائدا إلى الديار المصرية، منهم الأمير علم الدين سنجر الجاولى، ومن صحبه فى يوم الأربعاء ثانى عشر الشهر، وتأخر أمير الركب، وهو الأمير سيف الدين خاص ترك الجمدار الناصرى، والأمير سيف الدين الدمر أمير جاندار، والأمير شهاب الدين أحمد، ومن معهم من بقية الحاج، لصلاة الجمعة بمكة، فلما كان الخطيب على المنبر تعبّث بعض عبيد الأشراف ببعض حاج العراق، الذين حضروا فى الركب العراقى، وتخطفوا شيئا من أموالهم، والشريف عطيفة بن أبى نمىّ أمير مكة جالس إلى جانب أمير الركب، فاستصرخ الناس، واستغاثوا بالأمير سيف الدين الدمر أمير جاندار، فنهض وتقدم لمنعهم، وتقدمه ولده [خليل] وضرب بعض العبيد، فطعن بحربة، فمات، فاحتد والده، وبادر لطلب ثأره، فقتل أيضا بحربة، وقتل معه أحد أولاد الأمير ركن الدين بيبرس التاجى- متولى القاهرة كان- فوثب الأمير عطيفة، وجرد سيفه، وتوجه نحو العبيد ليردهم، فلم يصنع شيئا، وظهر من ذلك أن إثارة هذه الفتنة كان برأيه وأمره، وذكر أن الذى قتل الدمر هو مبارك بن عطيفة، وثارت الفتنة، فعجل الخطيب الصلاة، وخرج الناس من المسجد الحرام إلى رحالهم وخيامهم، واستحل/ الحرم فى هذا اليوم، وتلطف أمير الركب فى الخروج بالناس إلى خيامهم، ووقف فى وجوه القوم من الأشراف والعبيد، فمنعهم من التعرض إلى الحاج، ومن غريب ما وقع فى هذه القضية أنه شاع بالقاهرة المعزية الخبر بقتل الدمر فى يوم مقتله وهو يوم الجمعة المذكور، [وسمعت أنا بعض الناس يتحدث بذلك بعد صلاة العصر من يوم الجمعة المذكور] ورددت القول على ناقله،
وكان الركب العراقى قد حضر فى هذه السنة إلى مكة شرفها الله تعالى وأحضر متوليه المندوب من جهة الملك أبى سعيد بن خربندا معه فيلا صغيرا، وشهد به الموقف بعرفة، فتطاير الناس، وتشاءموا بمقدمه، وقال بعضهم: «هذا عام الفيل» فوقع ما وقع، فلما رجعوا به، وقربوا من المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وانتهوا إلى الفرش الصغير قبل البيداء الذى ينزل منها إلى ذى الحليفة، وقف الفيل وتقهقر، وكلما أرادوه على التقدم تأخر، فضربه الموكّلون به، وبقى يرجع إلى ورائه القهقرى، فلم يزل على ذلك إلى أن سقط على الأرض ميتا، وذلك فى يوم الأحد ثالث عشر ذى الحجة، ويقال: أنه صرف على كلفة هذا الفيل منذ جهّز من [العراق] إلى أن مات زيادة على ثلاثين ألف درهم، وما علم مقصد الملك أبى سعيد فى إرساله إلى مكة شرفها الله تعالى.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع