من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر متجددات كانت بدمشق المحروسة فى سنة ثلاثين وسبعمائة مما نقلته من تاريخى البرزالى، والجزرى
فى هذه السنة فى مستهل شهر ربيع الأول حضر نائب السلطنة/ بالشام [الأمير سيف الدين تنكز إلى الجامع الأموى بدمشق وصحبته قاضى القضاة علم الدين الشافعى، وشاهد الجامع، فاقتضت الآراء أن ينقض الرخام القائم بالجدار القبلى من الجهة الشرقية ومحراب الصحابة، وأن يجدد بشبه]
الجهة الغربية، فحصل الشروع فى ذلك، وكمل فى أواخر ذى الحجة من السنة، وصرف على العمارة من فائض وقف الجامع، فإنه كان قد تحصّل به بعد كلفه ونفقاته- فيما قيل- نحو خمسة وسبعين ألف درهم.
وفيها- فى مستهل ربيع الآخر- حصل بدمشق اضطراب بسبب الذهب، وأن عياره قد تغير ونقص، فأحضر محمد بن اليحشور ضامن دار الضرب بدمشق، والصّيرفى، وعلق الذهب، فنقصت المائة دينار خمسة عشر دينارا، ووجدت عدة سكك متقدمة التواريخ وأسماء الملوك، ونسب ذلك إلى أن القاضى شمس الدين عبد الله غبريال ناظر الشام أمر بذلك، وصرف منه جملة كبيرة خارج دار الضرب، وخرج ما صرف من الذهب وسافر به التجار/ والعربان والتركمان الذين يجلبون الأغنام من بلاد الشرق وغيرها إلى ساير الأمصار، فاضطرب الحال فى ذلك اضطرابا شديدا، وبقى ما يوجد من هذا الذهب يصرف فى القاهرة من ثمانية عشر درهما الدينار إلى أحد وعشرين درهما، وصرف الدرهم الجيد بخمسة وعشرين درهما.
وفيها فى يوم الخميس رابع شهر ربيع الآخر، أصبح الناس بدمشق فوجدوا الأنهار قد امتلأت ماء متغير اللون من غير سبب ظاهر لهذه الزيادة، فسقيت البساتين والزراعات، واستمر ذلك إلى يوم الأحد سابع الشهر، ونقص قليلا، وكان المطر فى هذه السنة قد تأخر بدمشق، فأمطرت فى ليلة الجمعة خامس شهر ربيع الآخر مطرا خفيفا، وفى ليلة السبت، ثم حصل الغيث الكثير فى ليلة الأحد سابع الشهر، وذلك فى آخر كانون الثانى، وفيها- فى جمادى الآخرة- كملت عمارة مصلى العيدين بظاهر دمشق، وتجديد سقوفه وبياضه وإصلاح أبوابه، وكان قد تداعى، فرسم السلطان بعمارته، فجدّد، وصلى خطيبه فى صدره، وخطب فى يوم الجمعة سادس عشر جمادى الآخرة، وكان فى مدة العمارة يخطب ويصلى الجمعة بظاهره، وجعلت أبوابه أحد عشر بابا جدد الآن منها سبعة، وكانت أبوابه مرتفعة بثلاث درجات بنيت كذلك خوفا من عبور الدواب إليه فألصقت الآن بالأرض،/ وفيها فى العشر الأوسط من
شهر رجب ذكر الدرس بمحراب الحنفيّة بجامع دمشق، ودرس به الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الحق الحنفى، ورتب معه عشرة فقهاء، والذى رتبه القاضى فخر الدين محمد ناظر الجيوش، وكان قد رتب قبله درسا للمالكية فى محراب الصحابة الذى استقر محراب المالكية، وفوض تدريسه لقاضى القضاة شرف الدين المالكى، ورتب فيه جماعة من الفقهاء المالكية.
وفيها- فى يوم الخميس ثامن عشر شعبان- رسم نائب السلطنة بالشام الأمير سيف الدين تنكز بإخراب الحوانيت والبيوت التى بظاهر [دمشق المجاورة] لباب النصر من حد الجسر إلى المسجد الذى فى وسط الطريق، فهدمت، وأخرجت أخشابها وصارت الأبنية كوما، ثم أحضرت الأنفار والجراريف ومهدت أتربتها حتى تساوت بالأرض، ومر نائب السلطنة المذكور أيضا فى هذا اليوم بالحويرة بالقوّاسين، فوصل رأسه إلى السقف، فرسم بإخراب السقف ورفعه، فقيل له: إن الأرض قد علت، فرسم أن تحرث الأرض، وينقل التراب منها، ففعل ذلك.
وفيها- فى يوم السبت رابع شوال- رسم نائب السلطنة بتوسعة الطريق بسوق الخوّاصين، وندب لذلك شادّ الدواوين، ومتولى دمشق، وناظر الحسبة، فهدمت مساطب الحوانيت بالجانبين، وجعلت كل مسطبة منها قدر ذراع واحد ونصف بالقاسمى، فاتسع الطريق لذلك/.
ورسم أيضا فى يوم السبت سابع عشر شوال بإخراب الجانب القبلى من سويقة دار بطيح، لأجل توسعة سوق الخيل، فأخرب ذلك وهو نحو عشرين حانوتا، ومهّد ترابه بالأرض.
وفيها- فى يوم الأربعاء تاسع عشرين شوال- حكم قاضى القضاة شرف الدين المالكى بإراقة دم نصرانى كان أسلم ثم ارتد، فضربت عنقه بسوق الخيل بدمشق، ثم حرقه العوام بالنار حتى صار رمادا، وذرّى رماده بنهر بردى.
وفى هذه السنة توفى القاضى علاء الدين على بن القاضى تاج الدين أبى الطاهر أحمد بن سعيد بن محمد بن الأثير الحلبى - صاحب ديوان الإنشاء السعيد كان- وكانت وفاته فى بكرة نهار الأربعاء خامس عشر المحرم بداره بالقاهرة بجوار الجامع الأزهر، ودفن فى يوم الخميس سادس عشر الشهر، وكان قد مرض وحصل له فالج، واشتد به الأمر، وتزايد به المرض إلى أن عجز عن الحركة والنطق وتحريك شىء من أعضائه، وعطل عن المباشرة- كما تقدم- فلزم داره فى يوم الخميس رابع عشر المحرم سنة تسع وعشرين، فكانت مدة انقطاعه سنة كاملة، وولى صحابة ديوان الإنشاء فى ذى الحجة سنة إحدى عشرة وسبعمائة، فكانت مدة ولايته ثمانى عشرة سنة وأياما، رحمه الله تعالى.
وتوفى ليلة الأحد الثانى عشر من المحرم الشيخ العالم الفاضل الوزير أبو القاسم محمد بن أبى عبد الله محمد بن أبى الحسن سهل بن أحمد بن/ سهل الأزدى الغرناطى الأندلسى بالقاهرة عند مقدمه من الحج، ودفن بمقبرة باب النصر، ومولده يوم عرفة سنة اثنتين وستين وستمائة، وهو من بيت كبير مشهور بالرياسة والملك، وله اشتغال بالعلم، ورغبة فى طلبه. رحمه الله تعالى.
وتوفى الشيخ فخر الدين عثمان بن الشيخ جمال الدين أبى العباس أحمد ابن محمد بن عبد الله الظاهرى جده، وهى نسبة إلى الملك الظاهر غازى بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب حلب كان، فإنه عتيقه، وكانت وفاته فى ليلة الخميس سادس شهر رجب، ودفن من نهاره عند قبر والده بتربة الأمير سيف الدين بكتمر الساقى العزيزى، ومولده فى تاسع عشرين المحرم سنة سبعين وستمائة رحمه الله تعالى.
وتوفى الصدر الفاضل ناصر الدين شافع بن نور الدين علي بن الفقيه عماد الدين أبى الفضل عباس بن إسماعيل بن عساكر بن شافع بن رافع بن عبد الله بن فارس الكنانى العسقلانى سبط الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر، وكانت وفاته فى ليلة الأربعاء رابع عشرين شعبان المكرم سنة ثلاثين وسبعمائة، ومولده فى ليلة الجمعة الخامس والعشرين من ذى الحجة سنة تسع وأربعين وستمائة، وكان قد أضرّ عقيب وقعة حمص، أصابه سهم فى رأسه من التتار فانصب من دماغه إلى عينيه ما أعماه. رحمه الله تعالى.
وتوفى الصدر نور الدين على بن شرف الدين يوسف بن مظفر الدين مجاهد/ مشارف الكحّالين بالأبواب السلطانية، وكانت وفاته فى ليلة الخميس ثامن شوال، ودفن يوم الخميس ثامن شوال بتربته بالقرافة، ومولده فى سنة ثلاث وأربعين وستمائة رحمه الله تعالى.
وتوفى الصاحب سعد الدين محمد بن محمد بن عبد العزيز بن عطايا فى يوم السبت بعد صلاة العصر السابع والعشرين من شهر رمضان، ودفن بالقرافة فى يوم الأحد، وكان إذ ذاك يتولى نظر الأحباس، رحمه الله تعالى.
وتوفى بدمشق الأمير الكبير سيف الدين بهادر آص المنصورى فى تاسع عشر صفر، وكان من الأمراء الأكابر مقدمى الألوف بالشام، وهو أكبر أمراء الشام تأمر فى الدولة المنصورية السيفية، وصلى عليه بجامع دمشق ثم صلى عليه مرة ثانية بظاهر البلد، ودفن بتربته التى أنشأها ظاهر باب الجابية رحمه الله تعالى، ولما مات أنعم السلطان بإقطاعه على الأمير علم الدين سنجر الجمقدار المنصورى، وهو من أكابر أمراء الدولة مقدمى الألوف ممن يجلس فى مجلس السلطان، وتوجه إلى دمشق فى يوم السبت السابع والعشرين من شعبان.
وتوفى بدمشق أيضا الأمير سيف الدين بلبان المعروف بالكركند، من مقدمى الألوف بالشام، وأنعم بإقطاعه وتقدمته على الأمير سيف الدين طيبغا حاجى ووصل إلى دمشق فى يوم السبت سابع عشرين شعبان.
وتوفى شيخنا المعمّر المحدث شهاب الدين أبو العباس/ أحمد ابن أبى طالب بن أبى النعم [بن] نعمة الصالحى الحجار [المعروف بابن الشّحنة] قبيل العصر من يوم الاثنين خامس عشرين صفر سنة ثلاثين وسبعمائة بقاسيون، وصلى عليه يوم الثلاثاء بالجامع المظفرى عقيب صلاة الظهر، ودفن بتربته بقاسيون، وكان قد تفرد برواية صحيح البخارى، فإنه سمع على ابن الزبيدى فى سنة ثلاثين وستمائة، وكان يقول: كنت أنصرف من السماع على ابن الزبيدى، وأسبح فى نهر لورا مع الصبيان، وذكر أن مولده فى سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وأخبر عن نفسه أنه يذكر وفاة الملك المعظم عيسى بن الملك العادل، وكانت وفاة المعظم فى سلخ ذى القعدة أو مستهل ذى الحجة سنة تسع وعشرين وستمائة، وحدث هذا الشيخ أيضا بغير البخارى سمعت عليه صحيح البخارى، فى سنة خمس عشرة وسبعمائة، ومتّع بحواسه إلى حين وفاته، وكان قوى التركيب، وتزوج قبيل وفاته ببكر، وافترعها. رحمه الله تعالى.
وتوفى بحلب قاضى القضاة فخر الدين عثمان بن القاضى كمال الدين محمد بن قاضى القضاة نجم الدين عبد الرحيم بن قاضى القضاة شمس الدين إبراهيم بن هبة الله بن المسلم هبة الله بن البارزى الجهنى الشافعى فجأة، وكان يعلّم على كتاب، فسقط القلم من يده، واستند إلى الحائط فمات وقت العصر من يوم الأربعاء العشرين من صفر، وصلى عليه بكرة الخميس، ودفن
داخل المقام وكان رحمه الله تعالى حسن السيرة فى ولايته، ومولده فى ذى الحجة سنة ثمان وستين وستمائة بحماة، ﵀، وفوّض قضاء حلب بعده للقاضى شمس الدين بن النّقيب قاضى طرابلس نقل منها إلى حلب، وولى قضاء المملكة الطرابلسية القاضى شمس الدين محمد بن عيسى بن محمود البعلبكى المعروف بابن المجد وذلك فى شهر ربيع الآخر من السنة ولم يطل مقامه بطرابلس فإنه مات فى يوم الأحد سادس رمضان. رحمه الله تعالى.
وتوفى فى ليلة الأربعاء سابع شوال الصدر جلال الدين محمد بن وجيه الدين سليمان بن همام بن مرتضى المعروف بابن البياع أحد كتاب الدرج بدمشق ودفن من الغد بسفح قاسيون، ومولده فى سنة خمس وخمسين وستمائة رحمه الله تعالى.
وتوفى فى ليلة الجمعة ثامن ذى القعدة بدمشق الأمير علاء الدين قلبرص ابن الأمير الكبير علاء الدين طيبرس الوزيرى أحد الأمراء مقدمى الألوف بالشام، وكانت وفاته ببستان قاضى القضاة نجم الدين بن صصرى، وصلى عليه عقيب صلاة الجمعة بالجامع المظفّرى، وخلف ولدا ذكرا اسمه ناصر الدين محمد عمره نحو عشرين سنة، وابنتين: خديجة وعائشة، وأوصى لألزامه وعتقائه بجملة كبيرة من الذهب تقارب عشرة آلاف دينار، وكان رحمه الله تعالى رجلا جيدا خيّرا عفيفا] حسن المعاملة ... كثير الصدقة رحمه الله تعالى.
وتوفى بدمشق أيضا فى ليلة الخميس رابع عشر ذى القعدة الفقيه الفاضل بدر الدين محمد بن فخر الدين عثمان بن أبى الوفا بن نعم الله بن أبى
الوفا العزّازى أحد كتاب الدّرج بدمشق، وصلى عليه ظهر/ يوم الخميس بالجامع الأموى، ودفن بتربة والده بمقبرة الباب الصغير، ومولده فى سنة ست وسبعين وستمائة. وكان رحمه الله تعالى حسن الصورة والهيئة والكتابة، كتب فى ديوان المكاتبات مدة بدمشق زيادة على عشرين سنة، وكان حسن الصحبة، كثير المودة وله نظم ونثر، رحمه الله تعالى وإيانا.
وتوفى أيضا بدمشق بعد العصر- من يوم الخميس العشرين من ذى الحجة- صاحبنا الصدر محيى الدين محمود بن محمد بن محمد التميمى شرف الدين محمد بن محمد بن نصر الله بن المظفر بن سعيد بن [حمزة] التميمى المعروف بابن القلانسىّ ببستانه بقرى، وصلى عليه عقيب صلاة الجمعة بالجامع المظفّرى، ودفن عند والده بتربة قاضى القضاة نجم الدين بسفح قاسيون، وكانت جنازته مشهودة، وكان رحمه تعالى رجلا حسنا جيدا عاقلا متواضعا، ومولده فى سنة سبع وسبعين وستمائة.
وتوفى قدودار متولّى القاهرة المحروسة فى يوم الأربعاء سادس عشر صفر، وأنعم بإمرته على الأمير ماجار القبجاقى، وأصل قدادار هذا من مماليك الأمير برلغى الأشرفى، وترقى إلى أن ولى كشف الغربية، وولاية البحيرة من أعمال الديار المصرية، ثم ولاية القاهرة، وتمكّن منها تمكّنا زائدا، وكان جريئا على الدنيا، ثم صرف عن ولاية القاهرة بناصر الدين محمد بن المحسنى، وأقام فى داره إلى أن خرج للحج، ثم عاد وهو مريض، فلزم الفراش إلى أن مات فى التاريخ المذكور.
[وتوفى الأمير بلبان الديسنى فى الخامس] عشر من ربيع الأول، وانتقلت إمرته إلى برلغى الناصرى.
وتوفى من أمراء العشرات القفجاقى الذى كان [قد] راح رسولا لبلاد اوادر فى تاريخه.
وتوفى الأمير سيف الدين نائب السلطنة، وانتقلت إمرته إلى بكمان.
وتوفيت زوجة أمير مسعود الحاجب خامس شوال، وتوفيت بنت بيكتا الساقى فى سادس صفر.
وتوفى محمد بن محمد الرومى شيخ خانقاة بكتمر الساقى بالقرافة يوم الأحد ثالث وعشرين ذى الحجة، وتولى مكانه الشيخ شمس الدين زاده الدّوقاتى، رحمه الله تعالى وإيانا.
وتوفى بمكة- شرفها الله تعالى- أواخر جمادى الآخرة- الشيخ الإمام الفاضل القاضى نجم الدين أبو حامد محمد بن القاضى جمال الدين محمد بن الشيخ الإمام المحدث محب الدين أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبى بكر بن محمد بن إبراهيم الطبرى المكى، قاضى مكة شرفها الله تعالى، ودفن بمقبرة المعلى، ومولده بمكة فى سنة ثمان وخمسين وستمائة، ﵀ وإيانا، وولى قضاء مكة- شرفها الله تعالى- بعده ولده شهاب الدين أحمد.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع